الأربعاء 16 سبتمبر 2020 09:29 ص

بالرغم أن السعودية لا تبدو على وشك إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع (إسرائيل)، لكن المملكة التي تشوهت صورتها في الغرب تسعى لضمان عدم النظر إليها على أنها الرجل الغريب مع قيام دول خليجية صغيرة بإقامة علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل).

لم يكن إعلان البحرين أنها ستسير على خطى الإمارات خطوة بحرينية بقدر ما كانت إشارة سعودية بأنها لا تعارض التطبيع مع (إسرائيل).

تعتمد البحرين إلى حد كبير على المملكة منذ أن ساعدتها القوات السعودية في قمع الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة في عام 2011، ولم تكن البحرين، وهي دولة ذات أغلبية شيعية، لتوافق على إقامة علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل) دون موافقة السعودية.

وجاءت الخطوة البحرينية في أعقاب عدة إشارات سعودية أخرى مفادها أن المملكة تؤيد للتطبيع العربي مع (إسرائيل)، حتى لو لم تكن ستقود هذا الاتجاه.

تضمنت الإيماءات فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية التجارية الإسرائيلية، كما نشر تقرير مركز أبحاث سعودي يشيد بقيادة ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في تحديث نظام التعليم الديني في المملكة ويشجع المؤسسة الدينية على استبدال "الروايات المتطرفة" في الكتب المدرسية مع "تفسير معتدل للخطاب الإسلامي".

كما تضمنت خطبة ألقاها إمام الحرم المكي "عبدالرحمن السديس" حديثا عن علاقات النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم الودية مع اليهود.

وأشار "السديس" إلى أن "النبي توضأ من إناء مشركة وتوفي بينما كان درعه مرهونًا ليهودي، وأبرم اتفاقية سلام مع السكان اليهود في منطقة خيبر، وتعامل بشكل جيد مع جار يهودي اعتنق الإسلام في النهاية".

وجاءت تعليقات إمام الحرم المكي، قبل يوم واحد من الاعتقاد بأن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" فشل في إقناع الملك "سلمان" بأن يحذو حذو الإمارات، وقد كان يُنظر إلى تصريحات "السديس" على نطاق واسع على أنها جزء من محاولة لإعداد للرأي العام السعودي للاعتراف بـ(إسرائيل) في نهاية المطاف.

وقد شكلت التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي أحد المؤشرات على انقسام الرأي العام في دول الخليج.

اقتصر التعبير عن المعارضة الإماراتية على المنفيين الإماراتيين بالنظر إلى أن الإمارات لا تتسامح مع التعبير عن آراء معارضة.

ومع ذلك، اندلعت احتجاجات على نطاق صغير في البحرين وأصدرت جمعيات المجتمع المدني والسياسي البحريني، بما في ذلك نقابة المحامين البحرينيين، بيانًا يرفض إقامة علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل).

وقال البيان: "ما ينتج عن التطبيع لن يحظى بتأييد شعبي فهو لا يتماشى مع ما تربت عليه أجيال من البحرينيين من التمسك بالقضية الفلسطينية".

وتشير استطلاعات رأي أجريت مؤخرا في دول الخليج إلى أن فلسطين لا تزال مصدر قلق رئيسي للرأي العام حول السياسة الخارجية.

حيث أظهر استطلاع أجراه "ديفيد بولوك" من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن فلسطين جاءت في المرتبة الثانية بعد إيران.

في حين أظهرت استطلاعات سابقة أجراها "جيمس زغبي"، خبير استطلاعات الرأي في واشنطن وله سجل حافل يعود إلى أكثر من عقد من الزمان، أن فلسطين تحتل المرتبة الأولى في عام 2018 كأهم قضية في السياسة الخارجية تليها إيران، وذلك من وجهة نظر الرأي العام الإماراتي والسعودي.

كما أشار مؤشر الرأي العربي لعام 2018 إلى أن 80% من السعوديين يرون فلسطين كقضية عربية وليست فلسطينية بحتة.

وقد أفاد "بولوك" في مقابلة أنه "فيما يتعلق بفلسطين، يعتقد المسؤولون السعوديون أنه يتعين عليهم توخي الحذر بعض الشيء، إنهم يريدون التحرك شيئًا فشيئًا في اتجاه التطبيع مع (إسرائيل) لأنهم لا يعتقدون أن الجمهور مستعد للاحتضان الكامل لهذه الفكرة".

وأشار الباحث في الشأن الخليجي "جورجيو كافيرو" في تغريدة على "تويتر" إلى أن "قيام (إسرائيل) بإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع الحكومات العربية غير المنتخبة يختلف عن صنع (إسرائيل) للسلام مع الشعوب العربية. فعلى سبيل المثال، انظر إلى رأي المواطنين المصريين في (إسرائيل). ستستفيد إيران وتركيا من هذا الواقع مع توقيع المزيد من الحكومات العربية الصديقة للولايات المتحدة اتفاقيات مع (إسرائيل)".

يظهر مؤشر الرأي العربي لهذا العام إلى أنه في الكويت، الدولة الوحيدة التي لم تتعامل مع (إسرائيل) علنًا، احتلت تركيا - الدولة الإسلامية التي اتخذت زمام المبادرة في دعم الفلسطينيين - المرتبة الأعلى في تقدير الجمهور مقارنة بالصين وروسيا وإيران.

ومن المؤشرات على أن فلسطين لا تزال قضية حساسة، الخلاف العلني داخل "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" ومقره أبوظبي، وهو إحدى المجموعات العديدة المدعومة من الإمارات والتي تم إنشاؤها لمواجهة المؤسسات القطرية المماثلة.

قد تكون الأنباء عن انزعاج المؤسسة الدينية في السعودية من قرار "بن سلمان" إغلاق المساجد نتيجة "كورونا" هو أحد الأسباب التي تجعل السعودية تفضل عدم إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع (إسرائيل) حاليا.

وقد اعتقلت المملكة في مارس/آذار الشيخ "عبدالله السعد" بعد أن نشر مقطع صوتي على الإنترنت ينتقد الحكومة لمنعها صلاة الجمعة، كما تم فصل إمام في مكة من عمله بعد وقت قصير من إعرابه عن قلقه من انتشار فيروس "كورونا" في السجون السعودية.

وأفادت الباحثتان "جينيفيف عبده" و"نورهان النحلة" أن هيئة كبار العلماء في المملكة صاغ في البداية فتوى تصف إغلاق المساجد بأنه انتهاك للمبادئ الإسلامية ثم قيل إن ضغوط الحكومة أقنعت الهيئة بعدم إصدار الفتوى.

هناك قلق بين علماء الدين المحافظين في المملكة من اتجاه "بن سلمان" لإعادة هيكلة العلاقة مع رجال الدين، والتي تم صياغتها عند تأسيس المملكة.

ويخشي العلماء أن تفكر الأسرة الحاكمة في فصل الدين عن الدولة، خاصة مع تعمد "بن سلمان" تهميش المؤسسة الدينية في المملكة وتراجع موقع الدين من الخطاب العام من خلال التركيز على القومية.

لا تشكل المشاعر الدينية المحافظة تهديدًا وشيكًا لحكم "بن سلمان" في بلد رحب فيه الكثيرون بالإصلاحات الاجتماعية بما في ذلك رفع بعض القيود عن النساء.

ومع ذلك، فإن هذا الأمر يشير إلى أحد الأسباب التي تجعل "بن سلمان"، الذي يُعتقد أنه يفضل العلاقات الرسمية مع (إسرائيل)، قد يرغب في التعامل بحذر مع قضية من المحتمل أن تستمر في إثارة المشاعر.

المصدر | جيمس دورسي | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد