الخميس 1 أكتوبر 2020 08:12 ص

اندلع القتال مرة أخرى حول ناغورنو كاراباخ، وهي جيب داخل أذربيجان تسيطر عليه اسما أذربيجان ولكن يحكمه عرق الأرمن.

ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي، عانت المنطقة من مناوشات منخفضة المستوى ومتقطعة، لكن هذه الجولة تبدو أكثر خطورة، حيث تشير تقارير من الجانبين إلى مقتل أكثر من 500 جندي أرميني و200 جندي أذربيجاني، ناهيك عن تدمير عدد من المركبات والمعدات الأخرى.

ويجعل العدد الكبير غير المعتاد من الجثث هذه الحلقة من القتال مهمة، ولكن الموقع الجغرافي لناغورنو كاراباخ في القوقاز يجعلها ذات صلة جيوسياسية.

وقد قاتلت الإمبراطوريات على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وكان أكثر المتحاربين عليها بشكل متكرر الروس والأتراك والإيرانيون.

ولكن الآن، بعد أن أصبحت دول القوقاز مستقلة، فقد تحولت ناغورنو كاراباخ ساحة معركة بالوكالة.

وأعربت تركيا هذا العام عن دعمها لأذربيجان التي تربطها بها صلات لغوية وثقافية، وتميل روسيا إلى اللعب في كلا الجانبين، ولكن لديها قوات في أرمينيا فقط.

ويوجد في إيران عدد كبير جدا من السكان الأذريين، وبعضهم، بمن فيهم المرشد الأعلى "علي خامنئي"، يشغلون مناصب عليا في السلطة.

وتعد حكومة أذربيجان علمانية ولا تثق في النوايا الإيرانية، وبالرغم أن لديهما مصلحة تجارية متبادلة، فقد عوضت إيران ذلك من خلال أرمينيا، وكان لجورجيا، التي خاضت حربا مع روسيا عام 2008، علاقات أوثق مع أذربيجان وتركيا.

ويعد سبب اهتمام روسيا بالقوقاز بسيط، فقد كانت المنطقة أحد السبل الفعالة الوحيدة لغزو قلب المنطقة.

وينقسم القوقاز إلى قسمين فقدت روسيا الجزء الجنوبي منها عندما سقط الاتحاد السوفييتي، لكنها لا تزال تسيطر بحكم الأمر الواقع على الجزء الشمالي.

ومع ذلك، فإن معظم مناطق شمال القوقاز متمردة بطبيعتها، غالبا بسبب الحركات الإسلامية هناك، وهذا هو السبب في قيام موسكو بقمع هذه الحركات بلا رحمة في أماكن مثل داغستان والشيشان، وتتمثل الاستراتيجية الروسية في منع التهديد من الجنوب من خلال إحكام السيطرة على الشمال وإبقاء الجنوب في حالة من عدم التوازن.

وتحد تركيا من الشمال الشرقي القسم الجنوبي من القوقاز، حيثث تتشارك جورجيا وأرمينيا الحدود مع تركيا.

وبالرغم أنها لا تزال تعتبر موسكو منافسا مباشرا، لكن سقوط الاتحاد السوفييتي جعل الأكراد (الذين يحتلون أجزاء مختلفة من القوقاز) التهديد الأمني الأول لتركيا.

وكانت أرمينيا وتركيا عدوين لدودين بسبب ما يعتبره الأرمن إبادة جماعية تركية حدثت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي ينفيها الأتراك بشدة، ويعني هذا انعدام شديد للثقة بين البلدين.

وتم احتلال شمال إيران خلال الحرب العالمية الثانية من قبل السوفييت، وكانت المنطقة التي احتلوها أذربيجانية إلى حد كبير، لكن عندما غادروا احتفظوا بما هو الآن أذربيجان، بينما تم إرجاع شمال إيران إلى إيران.

ولدى إيران علاقة معقدة مع أذربيجان، وهي أقل إسلامية بكثير من إيران، لكن لديها موارد طاقة تريدها إيران، ولا تهتم إيران بصراع القوقاز، لكنها مهتمة بالتعامل مع كل دولة هناك.

وهذه فقط بعض الأسباب التي تجعل التحالفات في القوقاز، الغامضة بالفعل في أحسن الأحوال، تتحول بسرعة.

وحافظت أرمينيا على علاقات وثيقة مع روسيا، التي تستخدمها للحفاظ على توازن القوى في المنطقة، كما تدعم إيران أرمينيا، الشريك التجاري المهم والدولة العازلة.

وتعمل تركيا بشكل متزايد مع أذربيجان، وهي خطوة مرتبطة بجهود توسيع النفوذ التركي الإقليمي، وتعد جورجيا قريبة من الولايات المتحدة، ولكنها تقترب أيضا من تركيا، التي تربطها بها روابط نقل ومصالح مشتركة في البحر الأسود.

ولم يتم تثبيت أي من هذه العلاقات، وكلها مقترنة بعلاقات معقدة مع البلدان الأخرى. ولا توجد أبواب مغلقة، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن شن الحروب في هذه المنطقة بشكل مكثف دون دعم روسيا أو تركيا، وربما تلعب إيران دورا تابعا لروسيا.

وبهذا المعنى، فإن القتال الأخير في ناغورنو كاراباخ يشبه إلى حد كبير سوريا وليبيا، وهو بُعد آخر للتنافس الروسي التركي، وهناك بالفعل تقارير تفيد بأن تركيا أرسلت مرتزقة من سوريا لدعم أذربيجان.

وقد يهدأ القتال، فلا أذربيجان ولا أرمينيا يريدان دفع ثمن باهظ لأجل ناغورنو كاراباخ، ولا روسيا ولا تركيا مستعدتان لاختبار جاد للقوة، حتى لو كانا واثقين من موقفهما.

لكن يبقى الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو غياب الولايات المتحدة.

ولدى واشنطن سجل طويل من التدخل في نطاقات لديها فيه مصالح محدودة، وحيث يكون ثمن تحقيق القليل من الأهداف مرتفعا، وهذا هو سبب تورطها في الحرب الروسية الجورجية عام 2008 إلى جانب جورجيا.

لكن الآن، تبدو الولايات المتحدة راضية بالسماح بشيء من التوازن بين كل من روسيا وتركيا وإيران.

المصدر | جورج فريدمان | جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد