الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 01:57 م

في 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سافر وفد من الحكومة اللبنانية بطائرة مروحية إلى بلدة رأس الناقورة، شمال الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ودخل غرفة في مقر قيادة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، حيث كان المسؤولون الإسرائيليون ينتظرون لمناقشة نزاع بحري استمر لعقود بين البلدين.

ولقد كان الحدث مذهلا، فهي المرة الأولى التي تلتقي فيها إسرائيل ولبنان لإجراء محادثات وجها لوجه بشأن مسألة مدنية منذ عام 1990.

ولكن نظرا لعدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بينهما، تحدث ممثلو الطرفين مع بعضهم البعض فقط من خلال وسطاء من الولايات المتحدة والأمم المتحدة في تبادل مقتضب للكلمات لم يستمر أكثر من ساعة.

وللوهلة الأولى، قد يبدو توقيت الاجتماع غريبا، فقبل كل شيء، لبنان في خضم أزمة اقتصادية، بينما تستمر الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل على طول الحدود اللبنانية والسورية.

ودفعت الضرورات الراسخة إسرائيل ولبنان إلى طاولة المفاوضات، لكن السلام لم يكن هدفهما الأساسي.

وبدلا من ذلك، ترى إسرائيل فرصة سانحة فيما بيروت ضعيفة وبلا قيادة للضغط على إيران في لبنان وتسجيل نقاط مع الحلفاء الإقليميين المحتملين.

وبالنسبة للبنان، جاءت المحادثات بدوافع مالية، ومع الديون المتزايدة، بأكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور العملة، والتصنيف الائتماني السيئ، فهي في حاجة ماسة إلى السيولة.

وإذا تمكنت من إعادة ترسيم الحدود البحرية لصالحها، فيمكنها الاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي الغنية في البحر الأبيض المتوسط ​​وجذب الاستثمار الأجنبي.

جذور النزاع

ويتنازع البلدان منذ فترة طويلة حول حدودهما، وفي عام 2000، تم إنشاء "الخط الأزرق"، الذي تديره الأمم المتحدة لتحديد خط انسحاب القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، والذي منع التوغلات واسعة النطاق عبر الحدود منذ ذلك الحين، بالرغم من وقوع اشتباكات عرضية بين جيش الدفاع الإسرائيلي والجيش اللبناني والميليشيات المدعومة من إيران.

ومع ذلك، لم يحل هذا الترتيب الخلاف حول الحدود البحرية، وهو نزاع تفاقم بسبب سلسلة من اكتشافات الغاز الطبيعي قبالة سواحل إسرائيل وقبرص ومصر في 2010.

وقدمت الاكتشافات إمكانية أن يستفيد لبنان من احتياطيات الغاز الطبيعي الكبيرة التي من المحتمل أن تكون مساوية لتلك الموجودة لدى جيرانه في البحر المتوسط.

وبعد التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص عام 2007، قدم لبنان مطالبته بالمنطقة الاقتصادية الخالصة إلى الأمم المتحدة، ولكن تم تقويضها بعد عام تقريبا من خلال اتفاقية إسرائيلية - قبرصية حددت المناطق الاقتصادية الخالصة التي تتداخل مع المنطقة الاقتصادية الخاصة بلبنان.

وفي عام 2011، أرسلت الولايات المتحدة السفير "فريدريك سي هوف" للتوسط في النزاع، وأسس "خط هوف"، الذي يعطي لبنان 550 كيلومترا مربعا من أصل 860 كيلومترا مربعا يعتبرها لبنان مياهه الإقليمية، لكن المحادثات سرعان ما تلاشت.

نزاع الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل

وبالنسبة لإسرائيل، لم يكن النزاع مكلفا للغاية، فهي تنتج بالفعل غازا طبيعيا أكثر مما يمكنها استخدامه محليا أو تصديره.

لكن عدم إحراز تقدم أثار استياء لبنان، الذي لم يجد حتى الآن أي مخزون غاز في مياهه، وفي عام 2018، وقع لبنان عقود حفر لمنطقتين، وهما المربع 8 و9، مع عمالقة الطاقة "نوفاتيك" و"إيني" و"توتال".

لكن الخلاف حول الحدود البحرية، ومخاوف الشركات بشأن إغضاب إسرائيل، أعاقت عمليات الاستكشاف التي كان من المقرر أن تكتمل بحلول مايو/أيار 2021.

أهداف (إسرائيل) الأخرى في لبنان

وبالنسبة لإسرائيل، تتناسب المحادثات مع لبنان مع ذوبان الجليد الأخير للتوترات مع دول الشرق الأوسط الأخرى.

وبعد توقيع اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين، تأمل إسرائيل أن تحضر دول أخرى إلى طاولة المفاوضات.

وبالرغم من أنها لا تزال من الناحية الفنية في حالة حرب مع لبنان، لكنها ترى في المحادثات العامة مع بيروت وسيلة لبناء الثقة مع دول أخرى في المنطقة، مثل عُمان والسودان والمغرب، والدول المجاورة التي لديها أيضا نزاعات حدودية معها، مثل الأردن.

لكن لها أيضا أهداف أوسع داخل لبنان، فبعد انفجار بيروت في أغسطس/آب، واستقالة رئيس الوزراء "حسان دياب"، الذي يبقى في منصبه مؤقتا لحين تشكيل حكومة جديدة، أصبحت الحكومة اللبنانية في وضع حرج.

ومن خلال إجراء مفاوضات في هذا الوقت، تحاول إسرائيل الاستفادة من فراغ السلطة لإعادة تشكيل ديناميكيات القوة في البلاد، لا سيما في ما يتعلق بـ"حزب الله"، وهو أحد أقوى القوى في السياسة اللبنانية.

وأرست إسرائيل والولايات المتحدة الأساس لمناقشات مع سلسلة من الإجراءات العقابية ضد "حزب الله"، وفي سبتمبر/أيلول الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 2 من مسؤولي الحكومة اللبنانية السابقين، ومسؤول في المجلس التنفيذي لـ"حزب الله"، وشركتين لبنانيتين متهمتين بنقل أموال ومواد إلى قادة "حزب الله".

وبعد أيام قليلة، قال مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية "ديفيد شنكر" إن لبنان وإسرائيل "يقتربان" من إطار عمل للمحادثات.

وعلنا، بالطبع، انتقد "حزب الله" وحليفته الشيعية "حركة أمل" المفاوضات، مهددين بعرقلة المحادثات المستقبلية والضغط على الحكومة لتغيير تشكيل الوفد اللبناني قبل ساعات من موعد المحادثات المقرر.

لكن في السر، لم يكن أمام قيادة "حزب الله" خيار سوى الموافقة على المفاوضات، وكان موقف الحزب يضعف بالفعل، مع تراجع المصداقية، والعقوبات الجديدة، وتأرجح الحكومة اللبنانية، ناهيك عن تضاؤل ​​التمويل من إيران، التي كانت تواجه عقوبات أمريكية خاصة بها، وزيادة الضغط من قبل المؤيدين للديمقراطية، والموارد المرهقة في أعقاب الصراعات على الحدود مع إسرائيل وفي الحرب الأهلية في سوريا.

ويمكن للمحادثات مع إسرائيل أن تزيد من مشاكل الحزب، فربما تجعل "حزب الله" يبدو "لينا" تجاه إسرائيل، وقد تجبره على تقديم تنازلات، وهي بالطبع تنفي خطابه حول الاستعداد لبدء اشتباكات واسعة النطاق في المستقبل.

لكن "حزب الله" لا يزال يمارس نفوذا كبيرا في حكومة لبنان المعطلة، بما يكفي لإجبار الرئيس "ميشال عون" على تشديد أطر المحادثات وإسقاط خبراء مدنيين من الوفد وإصدار تصريحات بأن المفاوضات كانت تدور حول حماية سيادة لبنان.

كما أعرب رئيس الوزراء المؤقت "حسان دياب" عن مخاوفه بشأن الوفد، قائلا إنه تم اختياره دون موافقته وهو بالتالي ينتهك الدستور، ما يوسع الانتقادات عبر الخطوط الحزبية ويزيد من خطر انهيار المفاوضات في المستقبل.

وحتى لو حدث ذلك، فقد أشار لبنان وإسرائيل بالفعل إلى محور في استراتيجياتهما الوطنية، وتقول المفاوضات إن لبنان و"حزب الله" قد خففا من موقفهما تجاه إسرائيل، وتشير أيضا إلى أن إسرائيل مدّت غصن الزيتون، بالرغم من أملها في المزيد من الإضرار بمصداقية "حزب الله".

وقد لا يتحدث البلدان مع بعضهما البعض بشكل مباشر، لكن من المهم أنهما جلسا على طاولة المحادثات في المقام الأول.

المصدر | جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد