الخميس 26 نوفمبر 2020 12:55 م

اتصال ولقاء واتفاق.. كانت هي ملامح التحركات القطرية الإيرانية، خلال الأيام الماضية، فيما بدا أنها ترتيبات ذات رسائل سياسية؛ للتمهيد لمرحلة ما بعد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

اللافت أن تحركات الدوحة وطهران، جاءت بالتزامن مع جولة وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" للمنطقة، والتسريبات الجارية عن خطط لتوجيه ضربة لإيران؛ لإرباك الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن"، قبل تنصيبه رئيسا في الـ20 من يناير/كانون الثاني المقبل.

ولا يمكن في ضوء ذلك، غض الطرف عن رسائل "ترامب" المهزوم، وقراراته الأخيرة بفرض عقوبات جديدة على إيران، إضافة إلى مباحثات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، مع ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، حول إيران، بحضور "بومبيو"، قبل أيام، في مدينة "نيوم" غربي المملكة.

   تهديد مبطن

وفق مراقبون، فإن اللقاء السعودي - الإسرائيلي - الأمريكي، حمل رسالة بتوجيه تهديد مبطن لطهران، قبيل انتهاء ولاية "ترامب"، وهو ما قد يتطور إلى عمل عسكري يخلط الأوراق، ويقطع الطريق على أي تقارب في المستقبل بين إدارة "بايدن" وإيران.

وتفيد تقارير نشرها موقعا "والا" و"إكسيوس" الإسرائيليان، بأن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بالاستعداد لسيناريو هجوم أمريكي على إيران، قبل انتهاء ولاية "ترامب".

في المقابل، يبدو جليا أن طهران سارعت إلى الدوحة، بحثا عن حليف موثوق من ناحية، وكذلك عن وسيط (يحتضن قاعدة أمريكية) ربما للتهدئة مع واشنطن، وتجاوز الفترة الحساسة في الأسابيع التي تسبق تغيير الإدارة الأمريكية.

وتأمل طهران، في أن تعمل قطر على التدخل من أجل رفع العقوبات الأمريكية ضد إيران خلال عهد "بايدن"، والعودة إلى الاتفاق الإيراني الذي انسحبت منه إدارة "ترامب"، مايو/أيار 2018.

   تحرك مشترك

إزاء تلك التحولات، تبلور التحرك الإيراني في مباحثات هاتفية، بين الرئيس الإيراني "حسن روحاني"، وأمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"،  تناولت التحولات الدولية الجديدة، وسط دعوات من الجانب الإيراني لدول المنطقة بتغليب الحوار على سياسة العداء.

وقبل أيام، شدد وزير الخارجية القطري "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني"، خلال كلمة أمام منتدى الأمن العالمي، على أن إيران جزء من المنطقة، ويجب الاتفاق بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي للعيش بسلام.

والشهر الجاري، زار وزير الطاقة الإيراني "رضا أردكانيان"، الدوحة، وسلم أمير قطر، رسالة خطية من "روحاني"، تتعلق بالعلاقات بين البلدين، والقضايا ذات الاهتمام المشترك، في مقابل دعوة أميرية للرئيس الإيراني لزيارة العاصمة القطرية.

لاحقا وفي الشهر ذاته، جرى تتويج تلك التحركات باجتماع اللجنة القطرية - الإيرانية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي، في مدينة أصفهان الإيرانية، وتوقيع اتفاق نوعي لتعزيز علاقات الجانبين، خلال الفترة المقبلة.

بنود الاتفاق

يتضمن الاتفاق القطري - الإيراني، تعزيز التعاون التجاري بين البلدين، وورفع مستوى الصادرات والاستيراد بينهما، إضافة إلى تشكيل فريق تجاري مشترك وتعاون أصحاب القطاع الخاص من كلا البلدين في إنشاء مراكز تجارية مشتركة، فضلا عن إيفاد مستشار تجاري إلى سفارتي البلدين في طهران والدوحة.

الأهم في وثيقة التعاون، ما نصته على الاستفادة من موانئ بعضهما، وانتفاع الجانب القطري من إمكانيات الموانئ والسكك الحديدية في إيران لترانزيت السلع والنقل، بما يعزز قدرة قطر على مواجهة الحصار المفروض عليها من الرباعي العربي (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر)، منذ يونيو/حزيران 2017.

وبموجب المذكرة، سيجري عقد استثمارات مشتركة وإبرام توافقات أخرى في مجالات الطاقة الكهربائية والماء، والصرف الصحي والغاز، والسياحة، ومجالات التعليم العالي والدراسات العلمية، والاتصالات وتقنية المعلومات وحماية وصيانة كابلات الألياف البصرية المغمورة.

كما اتفقت إيران وقطر، وفق الوثيقة، على التعاون الثنائي في مجالات الزراعة والثروات الحيوانية والسمكية والبيئة، والاستعانة بكوادر إيرانية في تلك المجالات، بحسب وكالة "مهر" الإيرانية.

مكاسب متبادلة

يمهد الاتفاق القطري - الإيراني، لرفع وتطوير مستوى التعاون الثنائي بين البلدين، والوصول بإجمالي التبادل التجاري بينهما من 365 مليون دولا إلى 5 مليارات دولار، وفق تصريحات سابقة صادرة عن مساعد شؤون التنسيق الاقتصادي في محافظة بوشهر الإيرانية، "سعيد زرين".

وخلال 4 سنوات من الحصار، تنامت علاقات الدوحة وطهران، حيث أصبحت إيران بديلا استراتيجيا لقطر، لتوفير احتياجاتها، ما فتح الباب للكثير من التبادل التجاري وتعزيز العلاقات على كافة المستويات.

ويوفر الاتفاق لطهران، فرصة ثمينة للاستثمار في السوق القطرية، فضلا عما يوفره لها من مكاسب ستخفف بلا شك من وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

في المقابل، يوفر بند استخدام الموانئ الإيرانية، فرصة مواتية لقطر، لتعزيز قدراتها في كسر الحصار المفروض عليها للعام الرابع على التوالي، والنفاذ إلى أسواق أخرى، وهو ما قد يقلق بالفعل الرباعي العربي.

وتستغرق الرحلة بين بوشهر والدوحة (321 كيلومترا) ما بين 12 إلى 20 ساعة، وفق سرعة السفينة، وهي قادرة على استيعاب 1600 راكب، و2000 طن حمولة، بحسب  مدير عام منظمة الموانئ والملاحة البحرية في بوشهر، "سياوش ارجمندزادة".

وإلى جانب المكاسب الاقتصادية المتوقعة، فإن الاتفاق يمنح قوة للتحالف القطري - الإيراني، في مقابل تحالف إماراتي - سعودي - إسرائيلي يقود تسريع وتيرة التطبيع في المنطقة، ويريد هندسة الأوضاع وفق مصالح وأهداف لا تخدم توجهات الدوحة.

إيران من جانب تمثل طوق نجاة لقطر من الحصار، والدوحة تعني لطهران وسيطا نزيها يمكن أن يلعب دورا مؤثرا في تخفيف العقوبات الأمريكية عنها، وتجاوز التوتر في منطقة الخليج، باتجاه تهدئة، أو تفاهمات مقبولة بين كافة الأطراف.

وربما يوفر رحيل "ترامب"، بعد أسابيع، وقدوم "بايدن" إلى البيت الأبيض، فرصة مواتية لكل من الدوحة وطهران، لتحقيق أهدافهما، فالأولى تواجه حصارا، والثانية تعاني من عقوبات، وهما في أمس الحاجة إلى بعضهما، كشراكة سياسية واقتصادية، تطمح إلى تفويت الفرصة على أي حرب محتملة في المنطقة، والوصول إلى بر الأمان، في خليج قد تضعه عواصم بعينها على فوهة برميل من البارود.

المصدر | الخليج الجديد