السبت 5 ديسمبر 2020 04:02 م

جلب شهر نوفمبر/تشرين الثاني أخبارا جيدة بشأن وباء "كورونا" فقد أصبح من شبه المؤكد الآن أن العديد من اللقاحات الفعالة ستتوفر في غضون الأشهر القليلة المقبلة. ومع ذلك، فإن تطوير لقاح هو مجرد خطوة أولى في رحلة طويلة نحو إنهاء الوباء، فهناك المزيد من المهام الشاقة تنتظر صانعي السياسات والعاملين في مجال الصحة بعد أن تقوم شركات الأدوية بشحن الجرعات الأولى من اللقاحات للخارج.

ومن أجل القضاء على مخاطر تفشي المرض في المستقبل، من الضروري تحصين ما يصل إلى 70% من سكان العالم من خلال التطعيم أو العدوى والتعافي. وبالنظر إلى أن ما يقدر بحوالي 10% فقط من سكان العالم أصيبوا حتى الآن (مع تركز معظم الإصابات في عدد صغير نسبيًا من البلدان)، فإن مستهدفات التطعيم العالمية ستكون مرتفعة بشكل كبير. وسيتطلب تحقيق ذلك إنجازًا مذهلاً للتعاون العالمي، وقد يكون الأمر أكثر صعوبة ويستغرق وقتًا أطول بكثير مما يتوقعه معظم الناس.

وبمجرد أن يتضح أن اللقاح لن يعني الخلاص الفوري من الأزمة، ستظهر حالة من خيبة الأمل لدى الناس، مما يعمق الشكوك بشأن اللقاحات في بعض أجزاء العالم ويضيف عبئا إلى التحدي الهائل المتمثل في تطعيم أكثر من نصف سكان العالم. لذلك يجب على الحكومات أن تحذر من الإحباطات الشعبية من خلال التواصل بوضوح وخفض التوقعات مع المضي قدمًا وبقوة في حملات التطعيم لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح.

تخزين اللقاحات

قد يكون هناك العديد من اللقاحات على أعتاب الموافقة، ولكن سيكون هناك عام على الأقل حتى يتم توفيرها على نطاق واسع في معظم أنحاء العالم. وقد استطاعت البلدان ذات الدخل المرتفع حجز أول شحنات من اللقاحات من خلال صفقات ثنائية مباشرة مع شركات الأدوية. وسيؤدي الوفاء بهذه الطلبات إلى التهام الجزء الأكبر من الطاقة الإنتاجية العالمية للقاحات خلال الأشهر الـ 12 المقبلة وربما لفترة أطول، حيث إن 80% من جرعات اللقاح التي تتوقع شركة "فايزر" إنتاجها عام 2021 محجوزة بالفعل، كما هو الحال على سبيل المثال مع 100% من الجرعات التي تتوقع شركة "موديرنا" إنتاجها.

لم تدفع الدول الغنية فقط لتأمين وصول اللقاح لشعوبها بل قام العديد منهم بالتحوط عن طريق تخزين لقاحات متعددة حيث احتفظت أستراليا وكندا واليابان والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بجرعات كافية لتلقيح سكانها بالكامل عدة مرات. ومن المحتمل أن تقرر هذه البلدان في نهاية المطاف التخلي عن الجرعات الزائدة أو التبرع بها، ولكن من المرجح أن ينتظر معظمهم القيام بذلك حتى يتم تطعيم كافة سكانهم.

وسوف تجد البلدان منخفضة الدخل نفسها في نهاية قائمة الانتظار، حيث أنها تعتمد على الآليات التي يمولها المانحون للحصول على اللقاحات. ولعل أكثر هذه الآليات إيجابية هي "كوفاكس"، وهي مبادرة متعددة الأطراف يقودها "التحالف من أجل مبادرات التأهب للأوبئة" وتحالف "جافي"، ومنظمة الصحة العالمية التي تهدف إلى ضمان الوصول العالمي العادل إلى لقاحات فيروس "كورونا".

وباستثناء روسيا والولايات المتحدة اللتين رفضتا المشاركة، وقعت الدول المتقدمة على "كوفاكس" لدعم جهود تطوير اللقاحات، ووافق الكثيرون أيضًا على المساعدة في تمويل توزيع اللقاحات على 92 من البلدان منخفضة الدخل بمجرد الموافقة عليها. لكن "كوفاكس" لا يزال يواجه فجوة تمويلية تقدر بمليارات الدولارات. ومع احتكار الدول الغنية لقدرات إنتاج اللقاحات، فهناك الكثير الذي يمكن أن تفعله المبادرة.

وحتى إذا قرر الرئيس المنتخب "جو بايدن" عكس موقف سلفه ودعم "كوفاكس"، فإن أفضل سيناريو سيشهد إمكانية حصول 20% فقط من السكان في البلدان منخفضة الدخل على اللقاحات بحلول نهاية عام 2021 .

ومن المحتمل أن يتحسن الأمر في حال الموافقة على لقاح "أسترازينكا"، الذي لا يتطلب اشتراطات صعبة في التخزين والنقل بالرغم أن نسبة فعاليته قد تبدو أقل (أشارت التجارب السريرية أنه فعال بنسبة 62% على الأقل) لكن هذه النسبة كافية للمساعدة في السيطرة على الوباء. وبالرغم أن نتائج تجارب "أسترازينكا" التي تم الإبلاغ عنها حتى الآن قد تواجه عوائق في موافقة سريعة من "إدارة الغذاء والدواء" في الولايات المتحدة، يمكن للجهات التنظيمية في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأماكن أخرى أن تسمح قريبًا باستخدام اللقاح، والذي سيبدأ في فتح الأبواب للتوزيع العالمي.

بذلت "أسترازينكا" من بين شركات الأدوية التي اقتربت من نهاية المراحل المتأخرة من التجارب، أكبر جهد لضمان الإمداد العادل للقاح في جميع أنحاء العالم، والتزمت بتوفير الجرعات بسعر التكلفة طوال مدة الوباء. وسيمكنها نهجها أيضًا من زيادة الإنتاج بسهولة أكبر، نظرًا لأن المواد والمرافق والخبرة اللازمة لإنتاج لقاحها متوفرة بشكل أكبر. ووقعت الشركة بالفعل اتفاقيات مع جهات تصنيع في دول مثل البرازيل والهند، وتتوقع تصنيع ما يصل إلى 3 مليارات جرعة - تكفي لـ 1.5 مليار شخص - بحلول نهاية عام 2021.

ويمكن التخفيف من نقص اللقاحات في العالم النامي إذا وافقت شركات الأدوية الأخرى على تسعير اللقاحات بسعر التكلفة أو بشيء قريب من التكلفة وتوسيع الطاقة الإنتاجية عن طريق نقل التكنولوجيا إلى الشركات المصنعة في البلدان النامية. ويمكن للصين أيضًا تعويض بعض النقص من خلال تصدير لقاحاتها. لكن تجارب اللقاحات الصينية لا تزال جارية، ولم يتم بعد نشر الدليل الكامل على سلامتها وفعاليتها. وحتى في ظل سيناريوهات التصنيع والتصدير الأكثر ازدهارًا، من المرجح أن يتجاوز الطلب الدولي على اللقاحات عام 2022 على الأقل.

ولا يمثل تلبية احتياجات الدول الفقيرة سوى نصف المعركة فقط، حيث يجب على هذه البلدان بعد ذلك تحديد تحديد الفئات ذات الأولوية لتلقي اللقاح وتوزيع الجرعات على نطاق واسع وبشكل منصف، ومعالجة أي تردد بشأن التطعيم بين السكان. تشير أبحاثنا حول توزيع اللقاحات في الولايات المتحدة إلى أن كل هذه الأمور ستكون محفوفة بالصعوبات حتى في أغنى دولة في العالم. وستكون بلا شك أكثر تعقيدًا في البلدان النامية.

ومن بين أصعب القرارات التي سيتعين على البلدان اتخاذها في المرحلة الأولى من التوزيع، تحديد من يحصل على الجرعات الأولى. في حين أن جزءًا من الإجابة على هذا السؤال سيعتمد على خصائص اللقاح. ويتفق الخبراء عمومًا على أن الأولوية يجب أن تُمنح للفئات السكانية الأكثر ضعفاً - بشكل أساسي العاملين في مجال الرعاية الصحية، وكبار السن، وأولئك الذين يعانون من ظروف صحية تعرضهم لخطر الإصابة الشديد والموت.

ومع ذلك، فإن ترجمة هذا التوجيه إلى سياسات قابلة للتطبيق ليس أمرا سهلا. فمجرد تحديد هذه الفئات وتصميم برامج التوعية بناءً عليها سيستغرق وقتًا وموارد كثيرة، خاصة في البلدان التي لا تحتفظ بسجلات تفصيلية للتركيبة السكانية أو الظروف الصحية. 

هناك صعوبة أخرى تتمثل في ضمان الوصول المتكافئ عبر المناطق الجغرافية ومستويات الدخل والفئات المختلفة. فوصول الأثرياء والحضريين للقاحات سيكون أسهل مقارنةً بالفقراء والريفيين والمهمشين. وسوف يستغرق تصحيح هذا الخلل مزيدًا من الوقت والموارد. بعبارة أخرى، هناك مفاضلة بين السهولة والإنصاف في التوزيع. وسيساعد إشراك ممثلين من مجموعة واسعة من المجتمعات والمناطق في عملية توزيع اللقاح في تقليل المحسوبية السياسية والإهمال والفساد. لكن من المحتمل أن تعيق كل هذه المشكلات جهود التلقيح، خاصة في البلدان التي يوجد فيها قدر ضئيل من المساءلة أو الشفافية.

وستكون العقبة الأخيرة إقناع الناس بالتطعيم. فقد وجدت دراسة استقصائية حديثة عن الاستعداد لتلقي اللقاح في 19 دولة، أن 71% فقط من الناس وافقوا على تطعيمهم، وكان أكبر استعداد في الصين (90%) والأدنى في روسيا (55%). كما كشف مسح آخر شمل 15 دولة عن مستويات مماثلة لقبول اللقاح، مع تخلف سكان أوروبا وأمريكا الشمالية عن سكان آسيا وأمريكا اللاتينية. ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الاستطلاع أظهر أن الرغبة في التطعيم قد تضاءلت في الأشهر الأخيرة - من 59% إلى 54% في فرنسا، على سبيل المثال، ومن 72% إلى 64% في الولايات المتحدة.

لطالما كانت سلامة اللقاحات مصدر قلق عام، خاصة اللقاحات الجديدة وغير المألوفة. لكن الدعاية المضادة للقاحات والمعلومات المضللة، التي غالبًا ما يتم نشرها بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ضاعفت من صعوبة بناء الثقة في بلدان مثل الولايات المتحدة، حيث أصبح تطوير اللقاح مسيسًا. ونظرًا لأن كبار السن سيكونون مجموعة ذات أولوية في معظم حملات التطعيم المبكرة، ستكون الشائعات والمعلومات الخاطئة مصدر قلق لجميع البلدان، وليس فقط الولايات المتحدة.

ومن المؤكد أنه سيكون هناك عدد من الوفيات المصادفة بعد التطعيم، وفي النظام الحالي لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تنتشر الشائعات الخطيرة بسهولة، مما قد يقوض الثقة. وقد حدث هذا مؤخرًا في كوريا الجنوبية، حيث أثارت أكثر من 12 حالة وفاة متزامنة مع لقاحات الإنفلونزا ذعرًا عامًا. وسيكون خطر الربط الخاطئ أعلى مع لقاح فيروس "كورونا"، بالنظر إلى حداثته والاهتمام الذي سيولى لجهود التطعيم في كل مكان.

العقبات والمخاطر

ستعيق كل هذه العقبات الجهود العالمية لتطعيم ما يكفي من سكان العالم للقضاء على فيروس "كورونا". نتيجة لذلك، سيستمر خطر تفشي المرض لفترة طويلة بعد طرح الجيل الأول من اللقاحات. لذلك يجب أن تظل تدابير التباعد الاجتماعي، وضوابط الحدود، وإجراءات الصحة العامة الأخرى لعدة أشهر مقبلة. ومن الممكن أن يتبع ذلك خيبة أمل، خاصة وأن التفاوتات الصحية بين البلدان وداخلها ستصبح أكثر وضوحًا بمرور الوقت.

ويمكن أن تؤدي مثل هذه الإحباطات الشعبية إلى تعميق الشكوك بشأن اللقاحات وتغذية معلومات مضللة أكثر خطورة، مما يضاعف من تحديات إدارة برامج التطعيم العالمية. وبعبارة أخرى، فإن خيبة الأمل تهدد بخلق حلقة ردود فعل سلبية تنتهي بإطالة الوباء. نتيجة لذلك، يجب أن تكون الحكومات حريصة على نشر توقعات واقعية حول حملات التطعيم ومراجعة رسائلها العامة بعناية.

ومع احتمال أن يظل النقص حقيقة واقعة في كثير من أنحاء العالم لمدة عام على الأقل ومع تحديات التوزيع التي قد تبطئ جهود التطعيم، يجب أن يكون العالم مستعدًا لبقاء الوباء لبعض الوقت. بمعنى آخر، من المرجح أن لا يكون الأمر بمثابة انتصار سريع على "كورونا" ولكنها بداية لفترة طويلة من الانفراج مع أزمة الفيروس.

المصدر |  جوش ميشود وجين كيتس/ فورين أفيرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد