السبت 19 ديسمبر 2020 04:30 م

لم تكن الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الأركان الهندي إلى السعودية، الأسبوع الماضي، بمثابة خطوة رئيسية في الحوار العسكري بين البلدين فحسب، بل أرسلت أيضًا إشارة قوية إلى باكستان المجاورة، مفادها أن الرياض تتجه لتبني سياسات توازن في العلاقة بين إسلام آباد ونيودلهي.

كما جاءت الزيارة كعلامة بارزة أخرى في توتر العلاقات بين السعودية وباكستان، الذي بدأت أولى حلقاته عام 2015، عندما منع البرلمان الباكستاني الجيش من المشاركة في حرب اليمن.

ومنذ ذلك الحين تعقدت العلاقة بين البلدين، حسبما رصد الباحث بمعهد الشرق الأوسط في سنغافورة "جيمس م. دورسي"، وفقا لما نقله موقع إذاعة صوت ألمانيا (DW).

لكن الصراع العسكري في اليمن ليس مسبب التوتر الوحيد بين السعودية وباكستان، ففي فبراير/شباط الماضي توقعت باكستان أن تدعمها الرياض في التعامل مع الهند بشأن أزمة كشمير وطلبت عقد اجتماع داعم لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي، لكن السعودية رفضت.

لكن باكستان كررت طلبها من المنظمة، ما أدى تصعيد سعودي تمثل في مطالبة الرياض بقرض سبق أن قدمته لإسلام آباد بقيمة مليار دولار.

اضطرت باكستان لتسديد القرض السعودي بقرض جديد من الصين، ولذا لم يكن مستغربا ترحيب رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" بمبادرة الحزام والطريق الصينية في ظل حاجة بلاده إلى حلفاء جدد.

لكن الخبراء يعتقدون أن بكين أيضًا في حالة حذر دبلوماسية لأنها تحتاج إلى النفط السعودي.

وفي هذا الإطار، يرى "جيريمي جارليك"، مؤلف كتاب "تأثير مبادرة الحزام والطريق الصينية: من آسيا إلى أوروبا"، الأستاذ المساعد بجامعة الاقتصاد في براغ، أن الصين "ستلعب لعبة انتظار في هذه المرحلة وستحاول ألا تصبح شريكا في سياسات الشرق الأوسط لأطول فترة ممكنة".

ويوافق "دورسي" على توقع "جارليك"، قائلا: "لا أعتقد أن السعوديين يستطيعون الاختيار بين الهند وباكستان، كما أن الباكستانيين لا يريدون الاعتماد على الصين".

وتمتلك السعودية استثمارات كبيرة في الهند، والأخيرة مشتر رئيسي للنفط السعودي، الأمر الذي يفسر تراجع دعم الرياض لموقف باكستان بشأن كشمير.

كان قرض المليار دولار جزءًا من حزمة بقيمة 6.2 مليار دولار أعلنت السعودية تقديمها عندما احتاجت باكستان إلى السيولة للمساعدة في مواجهة العجز التجاري المتصاعد في البلاد وتراجع الاحتياطيات الأجنبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

ووفقًا لوسائل الإعلام الباكستانية، فقد تضمنت الحزمة 3 مليارات دولار في شكل قروض و3.2 مليار دولار في شكل تسهيلات ائتمانية نفطية، تم تعليقها في مايو/أيار 2019.

ورغم أن السعودية قوة إقليمية، إلا أنها تحتاج إلى باكستان لأسباب منها قرب الأخيرة من أفغانستان ومنافستها إيران، إذ تعد موطنا لأكبر أقلية شيعية في العالم، حسبما يرى "دورسي". وفي المقابل، يمثل الباكستانيون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين في السعودية.

ورغم أن الرياض أعادت بالفعل عشرات الآلاف من العمال الباكستانيين إلى بلدهم، إلا أن الأموال التي يحولها المهاجرون المتبقون لها تأثير كبير على الاقتصاد الباكستاني.

وبالإضافة إلى مسببات التوتر سالفة الذكر، أشار رئيس الوزراء الباكستاني في تصريحات وسائل إعلام إقليمية إلى مسبب آخر، يتمثل في تعرض بلاده لضغوط من "دولتين عربيتين" لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

أولئك الذين يعرفون الجغرافيا السياسية للمنطقة يعرفون جيدا أن "خان" يشير على الأرجح إلى السعودية والإمارات.

لكن "خان" شدد، في تصريحاته، على أن إدارة إسلام آباد لن تعترف بالدولة "الصهيونية" حتى يتم حل القضية الفلسطينية.

واستشهد رئيس وزراء باكستان بالأب المؤسس للبلاد "محمد علي جناح"، الذي رفض مرارًا وتكرارًا الاعتراف بإسرائيل، مؤكدا أن بلاده ستواصل السير على خطى مؤسسها تجاه فلسطين.

كما أصدرت وزارة الخارجية الباكستانية، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بيانا أكدت فيه أن إسلام آباد تؤيد بشدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس على حدود قبل عام 1967 وفق قرارات الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن حاجة إسلام آباد الاستراتيجية لدعم الرياض قد تدفعها إلى قبول الضغوط السعودية، في ملف العلاقة مع إسرائيل على الأقل، وهو ما رجحته وسائل إعلام عبرية.

وفي السياق، نقل موقع "Nziv" العبري عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن "طائرة مدنية تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية هبطت صباح يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، في مطار بن جوريون الدولي قادمة من مطار هيثرو في لندن، وعلى متنها مستشار رئيس وزراء باكستان سيد بخاري".

وحمل المسؤول الباكستاني معه رسالة من رئيس الوزراء "عمران خان" بأنه "اتخذ قرارا استراتيجيا ببدء محادثات سياسية ودبلوماسية مع إسرائيل"، بحسب المصادر.

وادعى الموقع العبري أن "إسلام آباد تحرص حاليا على فتح حوار مع إسرائيل حول تطبيع العلاقات من أجل الحصول على مواقف إيجابية بشأن الملف الهندي من جانب، فضلا عن استغلال الأجواء الناجمة عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، والحديث عن احتمالات إقدام السعودية على اتخاذ خطوة مماثلة.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات