أشار تقرير لـ"رويترز" قبل أسبوعين، إلى أن السعودية ستوقع على اقتراح للأمم المتحدة لوقف إطلاق النار مع المتمردين الحوثيين، بشرط موافقة المجموعة المدعومة من إيران على منطقة عازلة على طول حدود المملكة وإخراج مقاتليها من هذه المنطقة.

وفي المقابل، سيرفع السعوديون الحصار الجوي والبحري والبري عن اليمن، والذي دام منذ 5 سنوات.

ويأتي هذا الاتفاق في أعقاب محادثات رفيعة المستوى عبر القنوات الخلفية بين السعودية والحوثيين، حيث ذكرت المصادر أن كبير مفاوضي الحوثيين "محمد عبدالسلام"، ومسؤول سعودي كبير أجروا مناقشات عبر الإنترنت.

وفي حين لم يكن هناك تأكيد لمثل هذه المحادثات من أي من الأطراف المعنية، فإن العرض السعودي بوقف إطلاق النار سيمثل التطور السياسي الأكثر أهمية في مشهد الحرب المستمرة منذ 5 سنوات.

لطالما رغبت السعودية في الانسحاب من الحرب في اليمن، لكنها افتقرت إلى الأفضلية التي تعطيها نفوذًا كبيرًا على الحوثيين في المفاوضات، ومع ذلك، أجبرت الظروف الحالية المملكة على إعادة التفكير في استراتيجيتها ومحاولة الانسحاب من الصراع بأسرع ما يمكن مع ضمانات أمنية كافية.

تغيير استراتيجية السعودية

لطخت حملة السعودية المناهضة للحوثيين في اليمن صورة المملكة بسبب الاتهامات بانتهاك القانون الإنساني الدولي، وفشلت استراتيجية السعودية للخروج وحملتها العسكرية في الضغط على الحوثيين لحملهم على التفاوض، كما أن اتفاقية استوكهولم لعام 2018 التي مثلت أملًا في حل سلمي للحرب، أبعد ما تكون عن التحقق.

وفي الآونة الأخيرة، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية عن وقف إطلاق نار أحادي الجانب ثم مدده، وهو وقف رفضه الحوثيون وتلاشى أيضًا.

وبالرغم أن الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية تمكنت من حماية مدينة مأرب - آخر معقل للحكومة في شمال اليمن - بمساعدة القوات القبلية، لكنها لم تتمكن من صد قوات الحوثيين وتأمين مكاسب كبيرة على الأرض.

ويرجع هذا في جزء كبير منه إلى الاقتتال الداخلي بين حلفاء التحالف في اليمن، حيث لم تتمكن المملكة من ضمان السلام والاستقرار بين المجلس الانتقالي الجنوبي ومقاتلي "الإصلاح" الموالين للحكومة والمنتمين إلى جماعة "الإخوان المسلمون".

وأدى استمرار الاشتباكات بين المجموعتين إلى إضعاف اتفاق الرياض، وهو اتفاق تم تنفيذه عام 2019 كآلية لتقاسم السلطة بين حكومة "منصور هادي" والمجلس الانتقالي، لكن الأهم من ذلك أن هذه الاشتباكات أضرت بفرص التحالف في تأمين المزيد من المكاسب على الأرض وإجبار الحوثيين على قبول تفاوض على وقف إطلاق النار يقدّم مصالح الحكومة السعودية واليمنية.

الإدارة الأمريكية الجديدة

في الوقت الذي واجهت فيه السعودية تحديًا كبيرًا لترك الصراع وجمع حلفائها اليمنيين معًا للوقوف في وجه الحوثيين، تواجه المملكة تحديًا آخر بعد انتخاب "جو بايدن" الذي يعتبر من أشد المنتقدين للحملة العسكرية السعودية في اليمن، وقد قال خلال مناظرة الديمقراطيين عام 2019 إنه سيوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الرياض.

وهكذا سيكون من السيئ الاستمرار في المشاركة في الحرب مع تولى "بايدن"، وستتدهور علاقة المملكة بالولايات المتحدة بعد وضعها القوي في عهد "ترامب".

ومع ذلك، فإن هذه الضرورة الملحة للانسحاب من الحرب لا تعني أن السعودية تعمل بجهد إضافي لجعل حلفائها اليمنيين يصلحون العلاقات، وإنما يبدو أن المملكة تخلت عن محاولة جعلهم يلتقون وتركز الآن بشكل كامل على الانخلاع من الحرب، حتى لو كان ذلك يعني الرضوخ لمطالب الحوثيين.

وهذا ما يؤكده قرار الرياض بالموافقة على مطلب كبير من الحوثيين وهو رفع الحصار الجوي والبحري والبري - وفق ما أفادت به مصادر مطلعة -  لمحاولة إقناع الجماعة المدعومة من إيران بالتوقيع على وقف لإطلاق النار.

لطالما كان رفع الحصار المطلب الأول للمتمردين للدخول في مفاوضات وقف إطلاق النار، لكنه كان دائمًا غير مطروح على طاولة مفاوضات السعوديين، حيث إن تخفيف الحصار يعني تسهيل شحنات الأسلحة إلى المجموعة المدعومة من إيران وتعزيز وجود طهران في جنوب شبه الجزيرة العربية.

وبالتالي، تعكس الخطوة السعودية مدى الأهمية التي توليها المملكة لعلاقة وثيقة وصحية مع الولايات المتحدة، لأنها على استعداد للتنازل عن مخاوفها الأمنية في اليمن من أجل الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن.

وقد يكون المملكة أقدمت على هذا الحل في مراهنة على فترة أقل توتراً مع إيران خلال إدارة "بايدن"، حيث يرجح أن تعمل الولايات المتحدة على الانضمام مجددًا إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (المعروفة أيضًا باسم الاتفاقية النووية الإيرانية)، كما يرجح أن تحث المملكة وإسرائيل الولايات المتحدة على توسيع الاتفاقية بحيث يمكنها أيضًا استهداف نفوذ وسلوك طهران الإقليمي.

رد الحوثيين المحتمل

سيكون السؤال مستقبلًا هو ما إن كان الحوثيون سيتفاوضون بالفعل على وقف إطلاق النار هذه المرة، حيث رفضوا سابقًا في أبريل/نيسان الهدنة السعودية المعلنة من جانب واحد.

ومع ذلك، فإن العرض الحالي قد يقنع المجموعة المدعومة من إيران بالتفاوض على وقف إطلاق النار بسبب استعداد المملكة لرفع الحصار، كما قد يتشجع الحوثيون بما يرونه من تسرع السعودية للانخلاع من الصراع، فيما يعزز نفوذ الحوثيين في المفاوضات.

ليس هناك ما يضمن أن الحوثيين لن يطرحوا مطالب أخرى، في ظل معرفتهم بضيق وقت السعودية، بل إنهم قد يضغطون أيضًا من أجل إعادة فتح مطار صنعاء كما أن هناك رغبات أخرى للحوثيين أُعلن عنها في أبريل/نيسان الماضي.

تشير التقارير الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة قد تصنف قريبًا الحوثيين كمنظمة إرهابية، لكن الأنباء أوردت أن واشنطن قد ترجئ إعلانها لئلا تفسد مفاوضات وقف إطلاق النار.

وعلى الرغم من أن هذا التصنيف لن يؤدي إلى خسائر فادحة في عمليات الحوثيين وسيكون كارثيًا فحسب لعمليات الإغاثة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، لكنه لا يزال من المحتمل أن يطالب المتمردون أيضًا بإلغاء خطة التصنيف هذه للتوقيع على وقف إطلاق النار.

المصدر | ماركو توليو لارا | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد