الأربعاء 30 ديسمبر 2020 03:41 م

في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، انقلب قارب متجه إلى أوروبا قبالة سواحل ميناء الخمس الليبي، مما أسفر عن مصرع 74 مهاجرا بينهم أطفال، وقد غرق ما لا يقل عن 900 شخص آخر منذ أكتوبر/تشرين الأول وأكثر من 20 ألف شخص منذ عام 2014، لدرجة دفعت العاملين في المجال الإنساني أن يقولوا إن البحر الأبيض المتوسط ​​أصبح أكبر مقبرة للمجهولين، ومع ذلك يستمر المهاجرون في القدوم.

والشهر الماضي، قالت المنظمة الدولية للهجرة إنها لاحظت ارتفاعا في أعداد الوافدين من الساحل الليبي، بالرغم من إعادة الآلاف. ويأتي هذا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي طالب فيها الناس بالحقوق المدنية والوظائف والازدهار. وكانت النتيجة نزوح الملايين بينما يكافح ملايين آخرون لتغطية نفقاتهم، خاصة في البلدان التي مزقتها الحروب الأهلية.

وضع أسوأ

بدأ كل شيء في تونس مع بائع فواكه يبلغ من العمر 26 عامًا، هو "محمد البوعزيزي"، والذي أضرم النار في نفسه بعد أن صادر ضباط الشرطة المحلية عربته ومنتجاته، وكان يأسه إشارة للبطالة واسعة النطاق في البلاد بين صفوف الشباب، وأثار ذلك غضب السكان الساخطين بالفعل، والذين تجمعوا في الشوارع بقوة أجبرت الرئيس "زين العابدين بن علي" على التخلي عن منصبه ومغادرة البلاد.

ورغم أن تونس انتقلت إلى الديمقراطية -وإن كان ذلك بشكل متعثر- وتجنبت الحرب الأهلية، فقد انخفضت مستويات معيشة الناس بشكل كبير، بينما لا تزال معدلات البطالة مرتفعة، ويشعر نصف التونسيين على الأقل بوضع أسوأ الآن مما كان عليه الحال قبل الثورة، بحسب استطلاع أجرته صحيفة "الجارديان". ومع ذلك، يُنظر إلى تونس على أنها قصة النجاح الوحيدة عند مقارنتها بسوريا وليبيا واليمن ومصر.

على النقيض، ربما كانت سوريا صاحبة المعاناة الأسوأ، حيث قُتل نصف مليون إنسان وتم تشريد 12 مليونًا في الحرب بين نظام "بشار الأسد" وفصائل متمردة لا تعد ولا تحصى.

وحاليا، تحول معظم السوريين الذين بدأوا المظاهرات ضد "الأسد" إلى لاجئين في دول أخرى، حيث لم يكونوا أبدا قوة سياسية موحدة ولا قوة مسلحة فعالة عند مقارنتهم بنظرائهم الإسلاميين، وبالتأكيد ليسوا بقوة النظام السوري المدعوم من روسيا، وفوق ذلك، فإن وحشية استجابة الدولة للمتظاهرين كسرت إرادتهم تدريجيا وأجبرتهم على الاختباء.

تنقسم سوريا الآن إلى 3 مناطق: المناطق التي يسيطر عليها "الأسد"، والشمال الشرقي الخاضع لسيطرة الأكراد، وآخر جيب يسيطر عليه المتمردون في إدلب. فيما تشهد البلاد انهيارا اقتصاديا فريدا نتيجة الصراع المستمر منذ 9 سنوات، والأزمة المصرفية في لبنان المجاور، والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة.

أما ليبيا فهي مقسومة إلى جبهتين تتجلى فيهما تنافسات إقليمية أوسع بين تركيا (التي تدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس) والإمارات (التي تدعم الجنرال "خليفة حفتر" المتمركز في بنغازي).

وقد اكتسبت القوات المدعومة من الأتراك في ليبيا اليد العليا في القتال الأخير ضد "حفتر" المدعوم إماراتيا، ولكن في مصر نجحت الإمارات في تقويض الإسلام السياسي عبر دعم انقلاب "عبدالفتاح السيسي" على الرئيس "محمد مرسي" أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا.

أين الخطأ؟

من المؤكد أن الثورات كانت ملهمة وجعلت الكثير من العرب والعالم يعتقدون للوهلة الأولى أن المنطقة المضطربة تتجه أخيرًا نحو تبني الديمقراطية الحديثة. إذن ما الخطأ الذي حدث؟.

يقول العديد من الخبراء أن الناشطين الذين قادوا الاحتجاجات لم ينجحوا في تنظيم أنفسهم في الوقت الذي تمتعت فيه القوى الإسلامية بقدرة تنظيمية أعلى، وبالتالي تحولت المعادلة إلى معركة بين الإسلاميين والأنظمة العربية.

واستغل الجنرالات والديكتاتوريون ضعف تنظيم المعارضة المدنية لتصوير المعركة على أنها مع "الإسلاميين المتشددين" وليس المعارضة. ولم يكن لدى ليبيا تحت حكم "القذافي"، وسوريا في ظل "الأسد"، ومصر في عهد "مبارك" ما يكفي من الحرية السياسية، وبالتالي لم يكن بإمكان الناشطين تشكيل أحزاب سياسية حقيقية بسهولة.

ومن المفترض أن يكون التغيير دائمًا عملاً شاقًا، لكنه يصبح أشق في البلدان التي يكون فيها الحكام عديمي الضمير ولا يمانعون في قتل الملايين للاحتفاظ بالسلطة.

والآن، بالرغم أن كل شيء يبدو ضائعًا، إلا أن تجربة الربيع العربي تظل مصدرا للتفاؤل في المستقبل. ولكن يبقى الدرس الأهم وخلاصته "الثورة عمل صعب وشاق.. ولكن التنظيم السياسي أصعب".

المصدر | أوبزرفر ريسيرش فونديشن - أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد