الأربعاء 6 يناير 2021 05:44 ص

بينما ينتظر العالم إدارة "جو بايدن" القادمة، تستحق رؤية الرئيس المنتخب للشرق الأوسط نظرة فاحصة، لاسيما فيما يتعلق بتركيا.

وكانت إدارة "دونالد ترامب" قد قوضت بشدة معايير التعاون الثنائي طويل الأمد بين تركيا والولايات المتحدة، من خلال فرض عقوبات على تركيا، من بين تدابير أخرى.

ومع ذلك، لا يزال التعاون مع تركيا يسهم بقيمة كبيرة، ويمكن أن يكون بمثابة دعامة للاستقرار وتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة.

وهناك ميل لعزو سياسة أنقرة الخارجية إلى طموحات الرئيس "رجب طيب أردوغان" الشخصية أو ميوله الاستبدادية، لكن هذا التحليل يسيء فهم الديناميكيات الأساسية للسياسة الخارجية التركية.

واعتمدت تركيا بشكل متزايد على القوة الصلبة لإبراز نفوذها في جميع أنحاء المنطقة في المناطق الساخنة مثل سوريا والعراق وليبيا، في تناقض حاد مع فترة ما قبل عام 2015 حيث اعتمدت تركيا بشكل أساسي على القوة الناعمة لتوسيع نفوذها.

وفي الآونة الأخيرة، أدت التوغلات التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وناجورني قره باغ إلى زيادة التوترات الحالية مع جيرانها في أوروبا والقوقاز.

وبالرغم من أن تركيا اتبعت سياسة أكثر حزما في الأعوام الأخيرة تحت قيادة "أردوغان"، لكن نطاق مشاركتها كان محدودا، ويهدف إلى حد كبير إلى تحسين موقف تركيا ونفوذها في النزاعات والخلافات القائمة، وليس خلق نزاعات جديدة أو حل القضايا العالقة.

وفي الواقع، ترك تنازل واشنطن الفعال عن قيادتها للشرق الأوسط منذ عام 2017 الجهات الفاعلة الإقليمية، بما في ذلك تركيا، لتدافع عن نفسها وعن مصالحها.

لذا، بينما تبدو السياسات الإقليمية التركية غير متوافقة مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، فإن السياق الأوسع يشير إلى أن سياسات أنقرة الأكثر حزما تهدف إلى حد كبير إلى حماية مصالحها القديمة في سوريا وشرق البحر المتوسط ​​والقوقاز، بطرق مصممة للاستفادة من الفراغ الذي خلفه تلاشي الهيمنة الأمريكية.

وبالرغم من هيمنة "أردوغان" الفريدة على السياسة التركية، فمن المؤكد أن المسار الأساسي الذي اتخذ من خلاله سياسة أنقرة الخارجية سيبقى أطول من فترة حكمه، وتحظى سياساته بدعم شعبي واسع وتخدم المصالح التركية في المنطقة.

والحقيقة هي أن واشنطن وأنقرة لديهما مصالح مشتركة في المنطقة، وربما تكون تركيا شريكا مهما بشكل خاص لـ "بايدن" لسببين رئيسيين:

أولا: بينما تتطلع الإدارة القادمة إلى استعادة الاتفاق النووي مع إيران، ستحتاج الولايات المتحدة إلى كل الدعم الذي يمكنها حشده.

وفي ضوء المعارضة المحتملة من قبل السعودية والإمارات وإسرائيل، فإن حشد الدعم التركي سيكون أمرا بالغ الأهمية، وبصفتها جارة لإيران، تسعى تركيا إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية قوية مع طهران وتعزيزها، وهو حافز قوي في حد ذاته لتركيا لدعم مثل هذا الاتفاق.

ثانيا: تتطلب أي منافسة أمريكية محتملة مع الصين أو روسيا إبعاد تركيا عن علاقاتها المتنامية مع كلا البلدين.

وبالرغم من الخطاب القوي المناهض للولايات المتحدة والغرب الذي استخدمه "أردوغان" بشكل روتيني، لا تزال علاقات تركيا مع روسيا والصين متخلفة بشكل كبير عن العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، والأهم من ذلك أنها تفتقر إلى المكونات الاستراتيجية العميقة.

على سبيل المثال، تعد تفاعلات تركيا المتزايدة مع روسيا بشأن سوريا وليبيا وناجورني قره باغ جزءا من سلسلة من المعاملات التجارية، ما يعكس عدم الثقة طويلة الأمد بين الأطراف.

وقد يخدم بحث تركيا عن استقلال أكبر في السياسة الخارجية أيضا المصالح الأمريكية في الحد من النفوذ الإقليمي الروسي.

وبالمثل، فشلت إيماءات تركيا تجاه الصين، ولاسيما صمت الدولة التركية بشأن قمع الإيجور في الصين، إلى حد كبير في تأمين استثمارات مالية كبيرة جديدة من بكين يحتاجها اقتصاد تركيا المضطرب بشدة، وبالتالي فإن تركيا في وضع جيد للحد من توسع روسيا والصين في الشرق الأوسط.

وإلى جانب مصالحهما الجيوسياسية المتبادلة، يمكن لعلاقة ثنائية أوثق بين واشنطن وأنقرة أن تسهل الطريق أمام نوايا "بايدن" الصريحة لإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية في الخارج، في تناقض حاد مع ازدراء الإدارة المنتهية ولايتها لمثل هذه الجهود، بما في ذلك في تركيا نفسها.

وبالرغم من الانتكاسات التي حدثت في الأعوام الأخيرة، لاسيما بعد الانقلاب الفاشل عام 2016، لا يزال النظام السياسي التركي يتسم بعناصره الأساسية، مثل المعارضة القوية، والالتزام بالسياسة الديمقراطية، والالتزام الخطابي بالتعددية.

وفي حين أن الوضع الراهن بعيد كل البعد عن المثالية، فهناك مجال لواشنطن للضغط على تركيا بشأن وضع الأقليات العرقية والدينية، وحرية الصحافة، وحقوق المرأة.

والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان يمكن إقناع "أردوغان" نفسه بالتحرك نحو التقارب مع الولايات المتحدة.

ومن المحتمل أن يكون هناك الكثير مما يمكن كسبه، فربما يعمل الموقف الإقليمي الأكثر حزما لتركيا، لا سيما داخل حلف "الناتو"، بشكل واضح لصالح واشنطن في عصر ناشئ من "القوى العظمى المتنافسة"، كما وصفه تقرير "الناتو 2030.. متحدون لعصر جديد" الذي نُشر مؤخرا.

لكن المكاسب الاقتصادية المحتملة من علاقة محسنة قد تكون على الأقل بنفس الأهمية أو حتى أكثر.

وأدت أعوام من السياسات المضللة، وعدم الاستقرار الإقليمي، والشكوك حول التوجه الاستراتيجي لتركيا، إلى تراجع خطير في اقتصادها الذي كان مزدهرا ذات مرة، ومثل تحديات كبيرة في تأمين التمويل الخارجي المهم، بالرغم من جهود الحكومة للتغلب عليها من خلال جذب الاستثمارات الخليجية والصينية.

لكن الشكوك السياسية المحلية والالتزام الضعيف بسيادة القانون ساهمت أيضا بشكل مهم في الضائقات الاقتصادية لتركيا، وفي هذا المجال قد تكون إدارة "بايدن"، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، قادرة على إقناع "أردوغان" بالعودة إلى علاقة أوثق مع الغرب.

ويجب ربط المساعدة الاقتصادية بضمان تحقيق وضع أفضل لحقوق الإنسان والأقليات والإصلاح الديمقراطي والقضائي.

وبالطبع يتمتع "أردوغان" بنفوذ أيضا، لا سيما في ضوء مبادرات تركيا الإقليمية الأخيرة، ويمكن لتركيا أن تلعب دائما دور مفسد الحفل إذا تم استبعادها من جهود سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد "ترامب".

ولقد أظهر "أردوغان" مرارا وتكرارا فائدة الخطاب المعادي لأمريكا وإسرائيل في تشكيل الرأي العام المحلي والإقليمي.

ببساطة، يمكن لإدارة "بايدن" تعزيز الدعم العام الإقليمي من خلال تأمين تأييد تركيا وضمان تعاونها.

ولا تبدو العودة إلى الماضي مجدية ولا مرغوبة من كلا البلدين، وبدلا من ذلك، يمكن للولايات المتحدة وتركيا اختيار التعاون بشأن مصالحهما المشتركة في اتفاق نووي جديد مع إيران والحد من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.

وبالرغم من التقلبات الأخيرة في العلاقة، يمكن لإدارة "بايدن" تجنب احتمال إنشاء دولة منبوذة أخرى عبر استبعاد أو معاقبة تركيا من رؤيتها للشرق الأوسط الكبير.

المصدر | عبد القادر يلدريم | ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد