الثلاثاء 13 أكتوبر 2015 02:10 ص

نحن، في البلاد العربية، متهمون بالعنف حينا وعدم الاستعداد للديمقراطية حينا آخر، أو كلاهما في آن واحد. وغالبا ما يلجأ دعاة هذه المواصفات، من ساسة ومثقفين، إلى الاستنجاد بالغرب لتعليمنا وتخليصنا من جينات العنف، إلى حد الاستعداد لدفع الجزء الأعظم من ثرواتنا الطبيعية وميزانيات دولنا لشراء أسلحة وترتيب طلعات جوية لقصفنا وتحويل مدننا إلى خرائب لا تصلح لعيش الإنسان.

رغم ذلك كله، نشهد، يوميا، كيف يواصل من لايزال قادرا على تحمل نتائج آلات الموت واستبداد الحكومات العربية، ومن يستطيع البقاء حيا، تكذيب الاتهامات وإثبات العكس تماما. ومن يتابع أخبار دفاع الفلسطينيين والعراقيين والسوريين، مثلا، عن حقوقهم، حتى الموت وهم من أكثر الناس حبا بالحياة، يعرف ما أعنيه. 

في حالة العراق، تشكل حالة ملاحقة ملف «توني بلير»، رئيس الوزراء البريطاني السابق، نموذجا يضاهي ما يفعله الفلسطينيون بحثا عن العدالة بمختلف السبل وتعاونا مع المناضلين العالميين من أجل العدالة ممن لايرون أننا سبب العنف بالعالم.

وسبب الإشارة إلى الملف، هو تداول استفتاء جديد على مواقع الانترنت، انطلاقا من سكوتلندا، طرح سؤال عما إذا كان يجب تقديم «توني بلير»، إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، تتعلق بدور بريطانيا في الحرب على العراق التي «بلغ عدد ضحاياها أكثر من مليون شخص وشرد ما يقارب 4 ملايين، ودمرت منازلهم، ومعظمهم من المدنيين».

في الوقت الذي يدعي فيه «بلير» بأن الفظائع التي ارتكبت في الحرب ضد العراقيين، ومعظمهم من النساء والأطفال، هي «أضرار جانبية»، وهو مصطلح استخدمه خليفته «دافيد كاميرون»، من حزب المحافظين لوصف جرائم الحرب في ليبيا.

وتماطل لجنة «تشيلكوت» التي شكلت للتحقيق بدور بريطانيا في غزو واحتلال العراق بإعلان النتائج، على أمل أن يتبدد غضب الشعب، بمرور الوقت، ويتم نسيان الجرائم.

يبقى سؤال العمل على محاكمة بلير، كمجرم حرب، حيا في أذهان وضمائر من ناهضوا الحرب على العراق، ومن أثبتت سنوات الاحتلال صحة رؤيتهم لنتائجها الكارثية. حيث لاتزال محكمة الضمير، ببروكسل، المكونة من شخصيات علمية واكاديمية وأدبية عراقية وعالمية ذات منزلة مرموقة، والتي ساهمت بعقد حوالي 12 جلسة في جميع انحاء العالم بين الأعوام 2004 ـ 2006 حول جريمة غزو وإحتلال العراق، تواصل عملها.

فهي مستمرة بمثابرة تثير الاعجاب طيلة هذه السنين بالتوعية بحجم المأساة وفضح انتهاكات حقوق الانسان وتوثيق جسامة الخراب اليومي في ظل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة في مواقعها على الانترنت والفيسبوك، وبمشاركة ناشطيها في الندوات والنقاشات حول استرجاع البشرية لحكم الشرعية والعدالة. 

وكان لمحكمة كوالالمبور لجرائم الحرب، وهي مؤسسة غير حكومية تأسست في عام 2007، بمبادرة من رئيس وزراء ماليزيا الأسبق الدكتور «محاضر محمد» وتخصصت في معالجة آثار الحروب وإعادة تأهيل ضحاياها، دورها في متابعة قضية الحرب على العراق منذ عام 2009.

انعقدت المحكمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بحضور شهود ومحامين وناشطين عراقيين، وبمشاركة رجال قانون وقضاة مشهود لهم على المستويين المحلي والدولي، وأصدرت حكما بإدانة الرئيس الأمريكي «جورج بوش» و«توني بلير» كمجرمي حرب، ارتكبا جرائم ضد الإنسانية.

نص الحكم على: «إن كلا المسؤلين خطّطا، وجهزا، وقاما بغزو العراق، البلد ذا السيادة، في خرقٍ واضح للقانون الدولي، وأرتكبا جرائم تعذيب وجرائم حرب، متجاهلين معاهدة جنيف وقانون الأمم المتحدة الخاص بالتعذيب».

ولم يخذل الأسقف المناضل «ديزموند توتو» العراقيين بل وقف، كما فعل في بلده جنوب أفريقيا، بجانب الانسان وحريته وكرامته. فكان صوته عاليا واضحا ( الغارديان- سبتمبر/ أيلول 2012) في انتقاد الدمار المادي والبشري الناجم عن الحرب على العراق، وطالب بإحالة ملف «توني بلير» و«جورج بوش» إلى المحكمة الجنائية الدولية، متهما إياهما بالكذب بشأن أسلحة الدمار الشامل وان الغزو لم يجعل المنطقة اكثر استقرارا بل أكثر انقساما «من أي نزاع آخر في التاريخ»، إضافة إلى خلق ظروف صالحة لنزاعات أهلية واقليمية أوسع في المنطقة.

ولم يقف التشكيك باستقلالية المحكمة الجنائية نفسها وكونها أداة للامبريالية الغربية اذ يقتصر عملها، غالبا، على معاقبة زعماء الدول الصغيرة، بينما تتجاهل الجرائم التي يرتكبها زعماء وقادة الدول الأكثر ثراء وأكثر قوة، عائقا أمام مواصلة الجهود لاستغلال أي منفذ يتيح لنا تحقيق العدالة. حيث يعمل االناشطون الحقوقيون مع شخصيات دولية وقفت بجانب الشعب العراقي على مدى عقود تعود إلى فترة الحصار الجائر.

مما يجعلنا نستحضر ضعف دور الأمم المتحدة وهيمنة الدول الكبرى عليها وتطبيق مفهومين للعدالة يتماشى مع مقياس قوة الدولة. يقول «دنيس هاليداي»، النائب السابق للأمين العام للأمم المتحدة بالعراق، عن موقف المنظمة إزاء إعلان الحرب على الحرب:

«ينبغي على دول العالم التعبير بوضوح عن رفضها للحرب، كما ينبغي عليها أن تطالب بتطبيق القانون الدولي على جميع دول العالم. داخل الأمم المتحدة ليس هناك قوى صغيرة وقوى عظمى، جميع الدول متساوية أمام القانون الدولي». 

وقد فتح انتخاب «جيريمي كوربين» رئيسا لحزب العمال البريطاني نافذة صغيرة من الامل على إمكانية المحاسبة، خاصة وهو يكرر في تصريحاته بأنه واثق من أن «بلير» «شن حربا غير شرعية مما يجعله قد ارتكب جريمة حرب». 

يؤكد «هانز فون سبونيك»، مساعد الأمين العام السابق للأمم المتحدة، تصريحات «جيريمي كوربين»، قائلا: «أصبح العراق مثالاً للدولة الفاشلة والتي تنافس في فشلها الدول الأخرى المحرومة كأفغانستان والصومال، وطبعا، فلسطين، للحصول على تاج البؤس… في العراق مأساة أنسانية لايمكن وصفها».

وأن تطبيق الاجراءات القانونية على الجميع، عراقيين كانوا أم غير عراقيين، ضروري، فمواجهة العدالة ليست فقط لأولئك الذين خسروا». هذه السيرورة لإخضاع الجناة ممن تسببوا بتخريب بلد بكامله وأحالوه إلى ساحة صراع دام، إلى المساءلة، سلمية ومكملة لأشكال النضال الاخرى ضد الاحتلال وبالتعاون مع شعوب العالم المحبة للسلام.

وهذا ما أكده الصديق «هانز فون سبونيك» في رسالة خاصة عن الاستفتاء حول محاكمة «بلير»: «بالنسبة إليّ لم يعد السؤال هو إذا ماكان يجب محاكمة بلير بل متى. نحن نعمل جاهدين لنتمكن من تحديد موعد لمحاكمته»، مثبتا موقفه المبدئي «كي يطمئن الشعب العراقي بأنه ليس وحده في بحثه عن الإنصاف».

٭ د. هيفاء زنـﮔنة كاتبة من العراق