الاثنين 5 أبريل 2021 07:48 م

هل ثمة مصلحة لدول خليجية من الانقلاب على العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني؟ يتداول مراقبون هذا التساؤل بالنقاش بعدما شهدت عمّان، السبت الماضي، حراكا أمنيا وعسكريا، تمثل في حملات اعتقالات طالت مسؤولين كبار في البلاد والإعلان عن "تحقيقات أولية" أظهرت تورط الأمير "حمزة بن الحسين"، الأخ غير الشقيق للملك، مع "جهات خارجية" في "محاولات لزعزعة أمن البلاد".

بينما أوردت صحف غربية، بينها صحيفة "واشنطن بوست"، أنباء عن "محاولة انقلاب معقدة" على الملك.

ورغم أن الرواية الرسمية للأردن لم تصدق على توصيف "الانقلاب" واكتفت بتأكيد وجود مخطط لزعزعة استقرار البلاد، إلا أن الإعلان الرسمي عن اسمين فقط من بين المعتقلين بدا لافتا، وعزز صدارة السؤال في أوساط المراقبين.

فرئيس الديوان الملكي الأسبق "باسم إبراهيم عوض الله"، ومبعوث الأردن السابق لدى السعودية "حسن بن زيد"، كلاهما ذو ارتباط بعلاقات عالية المستوى في كل من الرياض وأبوظبي.

وفي 2017، ذكرت صحف أمريكية أن الإمارات رشحت "عوض الله" للسعودية للعمل كمستشار في الديوان الملكي، وهو صاحب فكرة خصخصة شركة "أرامكو"، التي ارتكزت عليها رؤية ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، وهو أيضا الرئيس التنفيذي لشركة "طموح" في دبي.

وتمتع "عوض الله" بعلاقات استثنائية مع الديوان الملكي السعودي، وهو ما ظهر جليا إبان مرحلة الملك الراحل "عبدالله بن عبدالعزيز"،  حتى أنه حصل على الجنسية السعودية.

وحضر "عوض الله" المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بعد أيام من مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" بقنصلية المملكة في إسطنبول، ما قدم دليلا قطعيا على متانة علاقته بولي العهد السعودي. 

وفي 2019، ظهر "عوض الله" على يمين "بن سلمان" في صلاة العيد بالحرم المكي، التي أداها العاهل السعودي برفقة الأمراء، ورئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري"، متقدما على أمراء العائلة المالكة السعودية.

أما "حسن بن زيد" فهو من الأشراف الهاشميين، ولديه إقامة في السعودية ويحمل الجنسية السعودية إلى جانب جنسيته الأردنية.

وفي السابق، عمل "بن زيد" مديرا لمكتب الأمير "علي بن الحسين"، الأخ غير الشقيق لعاهل الأردن، وسبق أن شغل منصب مبعوث الملك للسعودية، وهو المنصب الذي سبق أن شغله "عوض الله"، فضلا عن كونه يحمل الجنسية السعودية إلى جانب جنسيته الأردنية.

المتورطان كانا يخططان، مع باقي المعتقلين، للضغط من أجل تنظيم احتجاجات تبدو أنها "انتفاضة شعبية مع وجود جماهير في الشارع"، بدعم قبلي، وفقا لما نقلته "رويترز" عن مسؤول أمريكي سابق، لم تسمه، لكنها أكدت أنه مطلع على الأحداث في الأردن.

ويؤشر الربط بين شبكة علاقات "عوض الله" و"بن زيد" إلى أصابع اتهام للرياض وأبوظبي، خاصة في ظل عديد المؤشرات على تراجع مستوى العلاقات الأردنية مع السعودية والإمارات مؤخرا.     

فمنذ عام 2019، أثارت الأميرة "هيا بنت الحسين"، الأخت غير الشقيقة للعاهل الأردني، ضجة كبيرة، عندما فرّت إلى لندن وأخذت معها طفليهما اللذين كانا حينها في الثامنة والـ12 من العمر، وتضامنت معها المؤسسة الملكية في نزاعها مع زوجها السابق حاكم دبي، الشيخ "محمد بن راشد"، حيث أكدت مصادر إعلامية بريطانية تعيينها بمنصب دبلوماسي رفيع في لندن، وفقا لما أوردته صحيفة "التايمز".

وأوردت قائمة الدبلوماسيين التي نشرتها الخارجية البريطانية تولي الأميرة هيا (46 عاما) منصب السكرتير الأول بالسفارة الأردنية، في إجراء يهدف، على ما يبدو، لمنحها حماية قانونية ملزمة من بريطانيا، بالإضافة إلى الحماية القضائية بموجب القانون البريطاني بقرار ملزم من المحكمة.

كما اعتبر مراقبون تعيين الوزير الأردني الأسبق "عبدالله طوقان" مستشارا في القصر الملكي الأردني، مؤشرا على انكماش بالعلاقة بين عمان ودبي، استنادا إلى قرابته من الأميرة "هيا"، وفقا لما أوردته صحيفة "القدس العربي".

وتزامن ذلك مع إعادة الأردن لحساباته فيما يخص العلاقات مع قطر، التي ردت بتقديم دعم بقيمة 500 مليون دولار لعمان، وأعلنت التزاما رسميا باستثمار مليارات الدولارات في المملكة الهاشمية، والسماح لـ10 آلاف آخرين من الأردنيين بالعمل لديها.

لكن الأمر لا يقتصر على تأثير علاقات الأسر المالكة على السياسة، بل يتعداه إلى تغيير في "تقدير الموقف الاستراتيجي" في الأردن، حسبما يرى محرّر الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس" العبرية "تسيفي برئيل".

وأوضح "برئيل"، في تقرير نشره بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول الماضي، أن الأردن متخوف من فقدان مكانته لدى الولايات المتحدة أولاً وإسرائيل ثانياً، مع بدء الإمارات مسيرة انضمام الدول العربية لاتفاقيات تطبيع مع دولة الاحتلال.

فكلما زاد عدد الدول المنضمة لـ"حلقة أصدقاء إسرائيل" سيتضاءل تأثير الأردن على دولة الاحتلال، وفي الشرق الأوسط عموماً، ولذا يشير "برئيل" إلى قلق عمان من أن يؤدي اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، وانضمام السعودية لاحقاً، إلى تراجع الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس (المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ومجمل المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المحتلة)، لتصبح السعودية "صاحبة الشأن في كل المقدسات الإسلامية".

ويعزز من هكذا تصور أن التوترات تصاعدت بين ملك الأردن ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، في الفترة الأخيرة؛ لتنحدر بالعلاقات بينهما إلى أدنى مستوياتها، خاصة بعد أن ألغى "نتنياهو" قرار تزويد الأردن بالمياه على النحو المنصوص عليه في اتفاقية "وادي عربة" للسلام لعام 1994.

ووفقا للمحلل الإسرائيلي "ميرون رابوبورت"، فإن قرار إسرائيل بمنع زيارة ولي العهد الأردني للمسجد الأقصى كان إشارة من "نتنياهو" لكتلته اليمينية المتطرفة بأن حكومته المستقبلية ستفرض السيادة الإسرائيلية على الحرم القدسي بالكامل، وفقا لما أورده موقع "ميدل إيست آي".

ونوه الموقع البريطاني إلى مناسبات عديدة نكث فيها "نتنياهو" بالوعود التي قطعها للملك الأردني مع تصاعد علاقاته بولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، مثل منع دخول المستوطنين اليهود إلى الأقصى، وتسليم لقطات كاميرات المراقبة لمقتل القاضي الأردني "رائد زعيتر" في عام 2014.

هذا البعد تحديدا بدا حاضرا في اعتقالات ما وصف بالصحف الغربية بـ"حراك الأمير حمزة بن الحسين"، والتي نقلت عن مصادر أردنية أن الاعتقالات بصفوف منظميه "مرتبطة بعلاقات مشبوهة واستغلال مجلس القدس للتطوير والتنمية لشراء أراض لصالح اليهود".

من هنا جاء تلميح الدبلوماسي الأمريكي السابق "آرون ديفيد ميلر" إلى احتمال تورط سعودي بالمحاولة الانقلابية المزعومة في الأردن، مشيرا إلى أن "التوترات والمنافسات السعودية الأردنية تمثل خطا يعود إلى عقود عديدة إلى الوراء".

وجاء تلميح "ميلر"، الذي عمل مستشارا لبعض وزراء الخارجية الأمريكيين، في إطار تعليقه على تحليل أوردته المحللة السياسية "رولا جبريل" عبر "تويتر"، مرجحة وقوف الرياض أو أبوظبي وراء ما جرى في الأردن خلال الساعات الماضية.

وفي السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي "مالك العثامنة" أن اعتقال "عوض الله" ربما يعتبر رسالة شديدة اللهجة للسعودية، في إشارة إلى احتمالات تورط الرياض في محاولة الانقلاب، على خلفية الخلاف مع عمان حول التطبيع والوصاية الهاشمية على القدس وملفات أخرى، وفقا لما أوردته قناة "الحرة" الأمريكية.

ومن هنا يقرأ مراقبون سماح العاهل الأردني بتقارب نسبي في العلاقات مع تركيا، وعدم تجاوبه مع مطالبات تصفية تيار الإسلام السياسي (جماعة الإخوان المسلمين) في بلاده، رغم ضغوط إماراتية وسعودية بهذا الصدد.

بل إن السلطات الأردنية أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 إحالة الأمين العام لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" المدعومة إماراتيا، الباحث "يونس قنديل" وابن شقيقته إلى المدعي العام بعدما كشفت التحقيقات عن "كذبه وادعائه" بتعرضه للاختطاف والتعذيب واتهامه لجماعة الإخوان بالوقوف وراء ذلك، ما قدم مؤشرا على أن المؤسسة الملكية ليست بصدد التجاوب مع أي محاولة تصفية لتيار الإسلام السياسي عبر وصمه بالإرهاب رغم تأرجح العلاقات بين التيار والمؤسسة الملكية بين سكون وتوتر.

ولذا  يرجح الكاتب والإعلامي الأردني "بسام البدارين" أن الكشف عن بعض خلفيات اعتقالات السبت الأردنية المثيرة قد يطيح لاحقاً ببعض تفصيلات العلاقات الأردنية الخليجية تحديداً، أو على الأقل قد يعيد إنتاجها، خاصة أن الموقف الرسمي الأمريكي والدولي والأوروبي "صلب جداً في دعم الأردن وقيادته"، وفقا لما أوردته صحيفة "القدس العربي".

غير أن الفيصل في إمكانية حدوث هكذا تغير استراتيجي هو قدرة شبكة علاقات الأردن الغربية على تعويض المعاناة الاقتصادية جراء تراجع العلاقات مع السعودية والإمارات في السنوات الأخيرة، خاصة مع تدفق اللاجئين من جارته سوريا منذ اندلاع الثورة عام 2011.

وحسب الأمم المتحدة، هناك نحو 630 ألف لاجئ سوري مسجّلين في الأردن، بينما تقول المملكة إنها تستضيف نحو 1,4 مليون لاجئ، مشيرة إلى أنّ كلفة استضافة هؤلاء تجاوزت 10 مليارات دولار.

فهل يمضي الأردن في تصعيد كشف خيوط مخطط "حراك الأمير حمزة" وعلاقاته المحتملة بالرياض وأبوظبي؟ أم تكبحه محاولة ترميم سعودية إماراتية للعلاقات؟ تطورات القضية تنطوي على تفاصيل الإجابة.

المصدر | الخليج الجديد