الأحد 13 يونيو 2021 08:32 ص

بينما تتصارع النخب الحاكمة في تونس على صلاحيات السلطة، جاء الرد بشكل مغاير وقوي من الشارع التونسي، الذي يشهد لليوم الرابع على التوالي، عمليات كر وفر بين محتجين وقوات الأمن.

وتحمل بذور الغضب، هذه المرة، منطقة سيدي حسين السيجومي بالقرب من العاصمة التونسية، بعد حادثة وفاة شاب جراء تعرضه للتعنيف من قبل عناصر أمنية، وسحل قاصر (15 عاما)، ما سبب صدمة للرأي العام في البلاد.

وعلى الرغم من تبرؤ رئيس الحكومية "هشام المشيشي"، من الحادثة، واعتبارها تمثل فقط مرتكبيها، الذين تقرر إحالتهم إلى التحقيق، فإن مشاهد الاحتجاج التي خطفت أضواء وسائل الإعلام، جسدت حالة من الغضب الشعبي وسيلا من الانتقادات الواسعة للحكومة.

مشهد ساخن

على صوت قنابل الغاز المسيل للدموع، كانت المواجهات تتكرر على مدار أيام، بين المحتجين وعناصر أمنية، بعد حادثة وفاة الشاب "أحمد بن عمارة"، وسط اتهامات للشرطة بضربه حتى الموت.

وزاد من تأجيج الغضب، مقطع الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر قاصرا أوقف الأربعاء الماضي، عارياً ويتعرض للضرب، ما أعاد للأذهان ممارسات نظام الرئيس الراحل "زين العابدين بن علي"، وإقدام بائع الخضار المتجول "محمد البوعزيزي" على حرق نفسه  احتجاجا على مصادرة الشرطة لعربته، وتعرضه للصفع على يد شرطية.

وخلال الاحتجاجات الليلية المستمرة، أغلق المحتجون طرقا ليل السبت الماضي، في منطقة السيجومي (غربي العاصمة)، ورشقوا سيارات الشرطة بالحجارة.

وامتدت الاحتجاجات إلى شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي بالعاصمة، وألقى محتجون كراسي وحجارة على الشرطة التي ردت بضرب المحتجين بالركل والعصي‭ ‬واعتقلت العشرات منهم.

ووفق المحلل السياسي التونسي، "نجم الدين العكاري"، فإن التجاوزات الحقوقية تسببت في حراك شعبي مدني يدعو إلى وضع حد للانتهاكات، بحسب "الحرة".

انتقادات حقوقية

وتحمل 43 منظمة وجمعية ونقابة تونسية، في بيان مشترك، "المشيشي"، المسؤولية المباشرة عن انحراف المؤسسة الأمنية، كونه رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالإنابة.

واعتبر البيان، الذي وقع عليه الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية عمالية)، أن ما حصل في منطقة "الجيارة وسيدي حسين السيجومي ليس أحداثا فردية أو معزولة بل هي مواصلة لممارسات سادت طيلة سنوات ما بعد الثورة".

ودعا البيان، رئيس الحكومة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تنصف الضحايا وعائلاتهم، وتعيد الاعتبار إليهم، مشددا على ضرورة وضع حد لتوظيف المؤسسة الأمنية في حل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وحذرت "الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية"(مستقلة)، في بيان ، من أن "سحل مواطن" قد يشكّل "خطورة (لناحية) فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها".

وطالبت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب (حقوقية غير حكومية)، في بيان، بتحقيق يكون ناجعا، لاسيما أن الفيديو المتداول يكشف بوضوح عن هوية مرتكبي الجرم.

أزمة سياسية

ولا يمكن النظر إلى الاحتجاجات الأخيرة بمعزل عن الأزمة السياسية في البلاد، والصراع العلني بين الرئيس "قيس سعيد"، ورئيس الحكومة، "هشام المشيشي"، ورئيس البرلمان "راشد الغنوشي"، حول صلاحيات الحكم.

ويدير "المشيشي" الوزارة الأكثر حساسية في البلاد بالنيابة، بعد إقالته وزير الداخلية المقرب من الرئيس "توفيق شرف الدين"، وبقاء تعديل حكومي صادق عليه البرلمان معلقا، منذ يناير/كانون الثاني الماضي، بسبب رفض "سعيد" الموافقة عليه.

وهناك تراشق وتلاسن ونزاع بين السلطات الثلاث في البلاد (الرئاسة، الحكومة، البرلمان)، حول الصلاحيات، وتفسيرات مختلفة لمواد الدستور، وهو ما يهدد باستمرار الأزمة إلى أجل غير مسمى.

ويعزز من خطورة الاحتجاجات الدائرة، وإمكانية توسع نطاقها، وامتداداها لمدن أخرى، إقدام الحكومة التونسية على فرض زيادات في مواد أساسية ضمن خطط رفع الدعم، مقابل دعوات سياسية إلى رفض الزيادات والعودة إلى الشارع للاحتجاج.

وتواجه تونس أزمة اقتصادية متفاقمة، خاصة مع استمرار تداعيات تفشي وباء "كورونا" للعام الثاني على التوالي، وتعرض النشاط السياحي لضربة قاصمة، وهو المحرك الأساسي لاقتصاد البلاد.

والعام الماضي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 9%، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بشكل كبير، وسط تعثر اقتصادي، وعجز في الموازنة تصل نسبته إلى 13.4%، ودين عام يقترب من 90% من الناتج المحلي.

كذلك ارتفعت نسب البطالة إلى 17.8% في الربع الأول من هذا العام، في بلد يبلغ عدد سكانه 11.7 ملايين نسمة، ما يعيد استتنساخ حالة الاحتقان الاجتماعي التي سبقت سقوط نظام "بن علي"، مطلع العام 2011.

في المجمل، قد لا تتطور الاحتجاجات التونسية، مع تسارع خطوات احتوائها، واعتذار "المشيشي"، مع التوجه لمحاسبة المتورطين، وإجراء إصلاحات على جهاز الشرطة وسلك القضاء.

لكن الصراع المتواصل بين الأطراف السياسية الحاكمة، وحرمان البلاد من استقرار سياسي واقتصادي، قد يأتي بما لا يحمد عقباه، في بلد يؤكد شعبه يوما بعد الآخر، أن بذور ثورة الياسمين، بحوزته، وقد تنبت من جديد.

المصدر | الخليج الجديد