الأربعاء 28 يوليو 2021 05:20 ص

أدت الخطوة التي قام بها الرئيس التونسي "قيس سعيد" بتجميد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء إلى تهديد مسار البلاد الديمقراطي للمرة الأولى منذ الربيع العربي. وتسبب ذلك في أزمة سياسية تضاف إلى الأزمات الاقتصادية وتلك المتعلقة بفيروس "كورونا".

وأعلن "سعيد"، في 25 يوليو/تموز، تعليق البرلمان لمدة 30 يوما، كما أقال رئيس الوزراء "هشام المشيشي" وحكومته، وأعلن أنه سيتولى السلطة التنفيذية إلى جانب رئيس وزراء جديد لم يسمّه بعد.

وأرجع "سعيد" قراراته للمادة 80 من دستور تونس 2014 (والتي تسمح للرئيس باتخاذ تدابير استثنائية في حالة "خطر وشيك" يهدد الدولة)، وتعهد باستخدام فترة التعليق الممتدة لـ30 يوما للتركيز على المشاكل الاقتصادية في البلاد وتصاعد حالات "كورونا".

كما أعلن "سعيد" أيضا أن معظم أنشطة المؤسسات العامة ستعلق في 27-28 يوليو/تموز، وسيفرض حظر تجول على مستوى البلاد من الساعة 7 مساء حتى 6 صباحا، بداية من 26 يوليو/تموز حتى 27 أغسطس/آب.

وتأتي خطوة "سعيد" في يوم ذكرى إعلان الجمهورية التونسية وعلى خلفية الاحتجاجات التي طالبت بإقالة "المشيشي" وحل البرلمان. وفي مساء 25 يوليو/تموز، خرج مؤيدو "سعيد" إلى الشوارع للاحتفال بتجميد البرلمان.

خطر تعميق الانقسام

لطالما بدا "سعيد" من خارج الوسط السياسي، ما ساعده في الحصول على الدعم لترشيحه في عام 2019 بعد وفاة الرئيس التونسي السابق "الباجي قايد السبسي".

ومن المرجح أن يدعم العديد من التونسيين إقالة "المشيشي" وحكومته، حيث انخفضت شعبية "المشيشي" في الأشهر الأخيرة في خضم الأزمات التي تمر بها البلاد، بما في ذلك عودة تصاعد حالات "كورونا" أكثر من أي دولة أخرى في شمال أفريقيا.

ومن المرجح أن يرحب التونسيون (الذين يتظاهرون بانتظام في الشوارع احتجاجًا على مظالمهم الاقتصادية والسياسية) بالتغيير المفاجئ في المسار السياسي على أمل أن تساعد البداية الجديدة على تخفيف التحديات التي تواجه بلادهم المثقلة بالديون.

وكان "سعيد" قد عين "المشيشي" في سبتمبر/أيلول، ولكن فترة ولايته القصيرة شهدت احتجاجات مستمرة مناهضة للحكومة. ومع ذلك، فإن الاستخدام المثير للجدل للمادة 80 للإطاحة بهيئة منتخبة ديمقراطيا يهدد بمزيد من الانقسام في المشهد السياسي.

ويدّعي "سعيد" أن المادة 80 تمنحه الحق في استخدام صلاحيات رئاسية استثنائية خلال أوقات الأزمات، لكن المادة تقول أيضا إن الرئيس يجب أن يبلغ المحكمة الدستورية في البلاد (وهي غير موجودة الآن) بأي خطوة من هذا القبيل.

ومن المفترض أن يظل القول النهائي للمحكمة أيضا بشأن مشروعية القرارات الحكومية، وقد تمت مناقشة غياب المحكمة على نطاق واسع منذ صياغة الدستور في عام 2014 كنقطة ضعف يمكن أن تؤدي إلى أزمة دستورية.

وعلاوة على ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف سيحصل "سعيد" على الموافقة على بديل "المشيشي" الذي سيُعلن عنه قريبًا، وهي السلطة التي كان يتمتع بها البرلمان قبل تعليقه.

إعادة ضبط أم انحدار للديكتاتورية؟

كان من البديهي أن يهاجم حزب "النهضة" (الذي يحظى بأكبر تكتل في البرلمان) قرارات "سعيد" ويعتبرها انقلابا.

وأيد هذا الموقف حزب "قلب تونس" الحليف لحركة "النهضة" وكذلك "حزب التيار الديمقراطي" و"حزب العمال". وفيما أعلن حزب "التيار" معارضته لقرار "سعيد"، إلا إنه لم يذهب إلى حد أن يسميه انقلابا.

وتدعم بعض الأحزاب قرار "سعيد"، بما في ذلك "حزب الشعب" و"حزب التحالف من أجل تونس". وقبل اجتماع "الاتحاد العام التونسي للشغل" مع الرئيس في 26 يوليو/تموز، أصدر الاتحاد بيانا يدعم بحذر قرارات "سعيد"، لكنه طالب بضمانات بشأن حد زمني لتعليق عمل البرلمان وبعض التوضيح بشأن تأثير هذه القرارات على استقلال القضاء.

وهناك العديد من الأحزاب والمؤسسات التونسية المؤثرة التي من المنتظر أن تصدر ردودًا رسمية على إعلان 25 يوليو/تموز، بما في ذلك حزب "آفاق تونس"، و"مشروع تونس"، و"تحيا تونس".

وستساعد التطورات التالية في الأيام والأسابيع القادمة في تحديد ما إذا كانت تونس تمر بأزمة دستورية عابرة أم تحول أكبر نحو نظام أقل ديمقراطية يتضمن تكريس المزيد من السلطات في الرئيس وحده.

وبالرغم أن "سعيد" يقول إنه يحترم الحد الزمني المحدد بـ 30 يوما في المادة 30 لاستخدام التدابير الاستثنائية، فإن الكثيرين لا يثقون فيه ويرون تشابهات بين هذه التحركات الاستثنائية وتلك التي قام بها الرؤساء الاستبداديون السابقون في تونس.

لكن آخرين رأوا أن مسيرته المهنية الطويلة كأستاذ قانون دستوري قبل أن يصبح رئيسا، مؤشر على أنه سيحترم القانون وسوف يفي بوعده.

مؤشرات كاشفة للنوايا

هناك بعض المؤشرات التي يجب مراقبتها في الأيام القادمة، لمعرفة ما إذا كان "سعيد" يحاول الانفراد بالسلطة، أم أنه يحاول حقا إعادة ضبط الوضع والمضي قدما مع رئيس وزراء ومجلس وزراء مختلفين على أمل تخفيف الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد.

يتعلق أول مؤشر بتعيين رئيس الوزراء، فإذا عين "سعيد" رئيسا جديدا للوزراء في الأيام المقبلة، خاصة إن كان شخصًا تكنوقراطيا وبدون انحيازات سياسية معلنة، فسوف يعطينا هذا بعض الثقة في كونه يريد حقًا تشارك السلطات التنفيذية.

ولكن إذا ظل بديل "المشيشي" غير واضح لعدة أيام، فسيغذي ذلك الشكوك حول الحفاظ على الهيكل الديمقراطي الحالي للنظام، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى مزيد من الشلل السياسي من خلال دفع المزيد من الأحزاب والمؤسسات إلى معارضة "سعيد" علنًا.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بالتعاون بين الجهات التنفيذية والتشريعية، فإذا شجع "سعيد" الحوار بين مكتبه والقادة البرلمانيين، فسيساعد ذلك في تبديد المخاوف بشأن توسيع سلطاته التنفيذية وسيساعد ذلك على الحفاظ على الهيكل الديمقراطي في تونس.

وسيشير المدى الذي يتعاون فيه البرلمان مع خطة الرئيس لتعيين رئيس وزراء جديد إلى استعداد البرلمان للتعامل مع فترة قصيرة من التدابير الاستثنائية. وفي هذا الصدد، سيكون موقف رئيس البرلمان "راشد الغنوشي" محوريًا، حيث كان حتى الآن الأشد معارضة بين هؤلاء الذي يدعون ما فعله "سعيد" بالانقلاب.

ويتعلق المؤشر الثالث بالتعاون بين القادة السياسيين والمدنيين، وسوف يساعد حوار سياسي بين الجهات الفاعلة الرئيسية (أي الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والسياسيين داخل وخارج البرلمان) على تبديد المخاوف بشأن استمرار هذه الفترة من السيطرة التنفيذية إلى أجل غير مسمى.

وتمكن الدستور الديمقراطي في تونس من تجاوز العديد من الأزمات السياسية منذ صياغته في أعقاب الربيع العربي، ولكن إذا تعطل الحوار السياسي بعد الأزمة الأخيرة، فإن ذلك يهدد بتغيير نظام الحكم بأكمله على المدى الطويل.

أما المؤشر الرابع فيتعلق بالاحتجاجات واستجابة الحكومة لها، ومن المرجح أن تشهد تونس مظاهرات واسعة في الأيام المقبلة في الوقت الذي ينزل فيه المؤيدون والمعارضون لقرار "سعيد" إلى الشوارع.

وقد تم بالفعل نشر استباقي لقوات الشرطة والقوات العسكرية (التي تخضع حاليا للسيطرة الرئاسية) في مناطق مختلفة من البلاد للحفاظ على السيطرة على الوضع.

ولكن، إذا حدث نشر قوات أكبر فسيثير ذلك المخاوف لدى القلقين من الاستخدام المحتمل للقوة ضد المدنيين، ما سيؤدي على الأرجح إلى اشتباكات أكثر عنفا وتصاعد معارضة التونسيين لـ"سعيد"، بالإضافة إلى تصاعد قلق الدول الأخرى بخصوص استقرار تونس.

هناك مؤشر آخر يتعلق بالتداعيات الاقتصادية، حيث تهدد الأزمة السياسية الحالية بتفاقم الوضع الاقتصادي الهش في تونس من خلال تعزيز حالة عدم اليقين لدى الشركات والمستثمرين الأجانب الذين لا يعرفون بعد من سيقود الحكومة في المستقبل القريب أو البعيد.

وإذا أدى الوضع الحالي إلى احتجاجات أكثر مدفوعة بالأوضاع الاقتصادية، فمن المرجح أن تتحول المزيد من الجهات الفاعلة السياسية ضد "سعيد"، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي زعم أنه يريد حلها عبر قراراته الأخيرة.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد