الأربعاء 13 أكتوبر 2021 10:28 ص

يتصدر سؤال عنوان اهتمامات مراقبي الشأن العراقي حاليا، بعدما أفادت مؤشرات النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية بتحقيق كتلة رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر" نصراً كبيراً بحصولها على 73 مقعداً من إجمالي عدد مقاعد البرلمان، البالغ عددها 329، بزيادة قدرها 19 مقعداً عما حققته في انتخابات عام 2018.

هذا العدد لا يمثل نصف مقاعد البرلمان زائد واحد (165 مقعداً)، وبالتالي فلا يمكن للكتلة الصدرية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة إلا بتحالف مع كتلتين أخريين على الأقل، وفق مجمل نتائج الانتخابات التي أوردها "الخليج الجديد" في تقرير سابق.

وإزاء ذلك، ترتبط إجابة السؤال بقدرة الصدريين على إبرام التحالفات من جهة، ومصير الطعون على العملية الانتخابية من جهة أخرى.

فالتيار الصدري، وفق نتائج الانتخابات، حل محل قوى شيعية، أغلبها موال لإيران، وعلى رأسها  ائتلاف الفتح بزعامة "هادي العامري"، الذي لم يحقق سوى 14 مقعداً في تراجع كبير عن النجاح الكبير الذي حققه في انتخابات عام 2018 التي حل فيها ثانيا بحصوله على 47 مقعدا.

وصدر عن ما يعرف بالإطار التنسيقي لقوى خاسرة بالانتخابات، يقودها تحالف الفتح، بيان أعلن "عدم القبول بنتائج الانتخابات"، وتعهد باتخاذ "جميع الإجراءات المتاحة لمنع التلاعب بأصوات الناخبين".

ورغم تأكيد المفوضية العليا للانتخابات العراقية على صحة عملية الاقتراع، إلى حد وصفها بأنها العملية الأكثر نزاهة منذ سقوط نظام الرئيس الراحل "صدام حسين"، إلا أن احتمال قبول بعض الطعون لا يزال واردا، خاصة في ظل "نفوذ" تتمتع به الأحزاب القريبة من إيران، حسبما يرى مراقبون.

لكن حتى في حال عدم قبول الطعون، يظل السؤال حول قدرة الصدريين على حسم تحالف ناجز لتشكيل الحكومة قائما، خاصة في ظل ما يعرف عن "مقتدى الصدر" من مواقف سياسية "تفتقر إلى الثبات" في التوجهات، لذلك يصعب توقع التحالفات التي سيعمد رجل الدين الشيعي إلى بنائها بعد الانتخابات.

غير أن التيار الصدري ركز مواقفه، خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة في أعقاب المظاهرات الحاشدة المطالبة بالإصلاح، على حماية السيادة العراقية، ووضع حد للتدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية، وإخراج القوات الأمريكية من العراق وتطبيع علاقاته مع العالم العربي.

ومن شأن ذلك أن يساعد التيار الصدري نسبيا في إبرام تحالف مع القوى الفائزة بالانتخابات على الساحة السنية، لاسيما تحالف "تقدم"، بقيادة رئيس البرلمان "محمد الحلبوسي"، الذي حل ثانيا في الانتخابات بـ43 مقعداً.

تبدو المعطيات السياسية سانحة أمام الصدريين إذن، لكن ثمة إشكالا قانونيا لايزال قائما أمامهم، وهو تفسير منح الدستور العراقي لسنة 2005 أحقية تشكيل الحكومة لـ"الكتلة النيابية الأكثر عددا".

فالمادة 76 من الدستور العراقي تنصر على الآتي: "يُكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية"، لكن الآراء ما زالت منقسمة حتى الآن حول مفهوم "الكتلة النيابية الأكثر عددا"، هل المقصود منها الفائزة في الانتخابات أم التي تتشكل داخل قبل البرلمان من تحالفين أو أكثر بعد إعلان النتائج؟

المحكمة الاتحادية العليا فسرت هذا المفهوم، في 25 مارس/آذار 2010، بأنه الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، ودخلت الانتخابات باسم ورقم معينين وحازت على العدد الأكثر من المقاعد، أو تلك التي (تجمعت) من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية التي دخلت الانتخابات بأسماء وأرقام مختلفة، ثمّ تكتلت في كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب، وأصبحت الأكثر عددا، وفقا لما أورده "الجزيرة نت".

وسحبت هذا التفسير البساط من تحت رئيس الوزراء الأسبق "إياد علاوي" زعيم القائمة العراقية في انتخابات الدورة الثانية لتشكيل الحكومة عام 2010، رغم أن قائمته كانت حصدت آنذاك 92 مقعدا، فيما تمكن رئيس مجلس الوزراء الأسبق "نوري المالكي" -الذي حصلت قائمته "ائتلاف دولة القانون" على 89 مقعدا- من تشكيل الحكومة بعد تحالفه مع قوى مختلفة.

ورغم تشريع قانون جديد للانتخابات رقم 9 لسنة 2020 يمنع في المادة 45 منه انتقال النائب أو الحزب أو الكتلة المسجلة ضمن قائمة مفتوحة إلى ائتلاف أو حزب أو قائمة أخرى إلا بعد تشكيل الحكومة، إلا أن عضو الدورة المنحلة لمجلس النواب العراقي "ظافر العاني" يؤكد أن التفسير الدستوري للمحكمة الاتحادية ما زال قائما حتى الآن، ما يؤشر إلى سجال قانوني آخر قد يواجهه تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

وإزاء ذلك، يتوقع المحلل العراقي "محمد نعناع" أن المسار الأكثر واقعية لتشكيل الحكومة الجديدة لن يكون على أساس الكتلة الفائزة في الانتخابات، ولا على أساس الكتلة النيابية الأكثر عددا في البرلمان، بل على أساس "المحاصصة" عبر اتفاق يأخذ من خلاله كل طرف حصته من المناصب الحكومية حسب حجمه الانتخابي.

وحتى في حال إنجاز تشكيل الحكومة، يظل "استمرارها" مرهونا باستمرار عوامل التحالف المكون لها، كما يظل "نجاحها" مرتبطا بالقدرة على تحقيق الاستقرار في الشارع، عبر الخروج من نفق فساد واستبداد طويل أسفر عن مقاطعة أغلب وجوه الحركة الاحتجاجية الشابة للانتخابات، التي سجلت بدورها أدنى نسبة تصويت منذ 2005، العام الذي شهد أول انتخابات بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

وإذا كانت الأيام المقبلة حاضرة بإجابة الصدريين بشأن تحالفهم الحكومي المحتمل، فإن إجابة السؤال حول "نجاح" الحكومة ليست حاضرة في مدى قريب، لاسيما مع احتمال استمرار حراك الشارع من جانب، وتأثيرات التدخل الإقليمي (الإيراني والسعودي والإماراتي تحديدا) في الشأن الداخلي العراقي.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات