الخميس 28 أكتوبر 2021 10:05 ص

رغم توقع العديد من المراقبين انحسار التصعيد الأخير في التوترات بين إيران وأذربيجان إثر الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبداللهيان" ونظيره الأذربيجاني "جيحون بيرموف"، أثارت تصريحات علنية لاحقة لرئيس أذربيجان "إلهام علييف" غضب طهران مرة أخرى.

ففي كلمة عبر الاتصال المرئي أمام اجتماع مجلس رؤساء دول "رابطة الدول المستقلة"، في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قال "علييف" إن بلاده "أغلقت طريق تهريب المخدرات من إيران إلى أرمينيا، ومن ثم إلى أوروبا، عبر محافظة جبرائيل"، الواقعة في منطقة كاراباخ، بعد سيطرة القوات الأذربيجانية عليها خلال المواجهات العسكرية مع أرمينيا العام الماضي. 

وردا على هذا تصريح "علييف"، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "علي شمخاني" إن "تجاهل مبادئ ومتطلبات الجوار والإدلاء بتصريحات كاذبة وغير بناءة ليس دليلا على حسن النية والتعقل".

وقبل ذلك بأسابيع، وردا على مقابلة أجراها الرئيس الأذربيجاني مع وكالة "الأناضول" التركية، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "سعيد خطيب زاده" إن "تصريحات علييف مفاجئة؛ لأنها تأتي في وقت تتمتع فيه طهران وباكو بعلاقات جيدة قائمة على الاحترام المتبادل. وهناك قنوات عادية يمكن من خلالها للجانبين التحدث على أعلى مستوى".

ونجم عن العداء الأخير بين طهران وباكو عدة عواقب، بما في ذلك، على وجه الخصوص، دفع إيران نحو البحث عن طرق عبور بديلة للوصول إلى أرمينيا (وجورجيا) وكذلك إلى روسيا.

وكان المحفز لذلك هو قرار الحكومة الأذربيجانية فرض قيود على الشاحنات الإيرانية، التي تسافر عبر طريق "جوريس-كابان" السريع،  وهو جزء هام من الطريق البري الرئيسي الذي يربط بين جنوب وشمال أرمينيا، وجزء من شبكة طرق بطول 400 كيلومتر تمتد من منطقة نوردوز في إيران إلى العاصمة الأرمينية يريفان.

ويمتد جزء كبير من هذا الطريق السريع على جزء متنازع عليه من الحدود الأرمنية الأذربيجانية أو يتحول بعمق داخل الأراضي الأذربيجانية.

وبعد حرب كاراباخ الثانية (27 سبتمبر/أيلول- 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2020)، أصبح نحو 21 كم من هذا الطريق، الذي يعود إلى الحقبة السوفييتية، في منطقة سيونيك، تحت السيطرة الأذربيجانية.

ومنذ أوائل عام 2021، أقامت أذربيجان نقاط حرس حدود ونصب لافتات كتب عليها "مرحبا بكم في أذربيجان" عند المناطق، التي تسيطر عليها من طريق "جوريس-كابان"، وفي 25 أغسطس/آب، أغلقت جزءا منه لمدة 48 ساعة تقريبا.

وتم حل الوضع بمساعدة حرس الحدود الروسي، الذي يجري دوريات في الجانب الأرمني من الحدود.

وبعد هذه التطورات، أعلنت لجنة الجمارك الحكومية الأذربيجانية أن المركبات الإيرانية، التي تسافر على طول طريق "جوريس-كابان"، تخضع "لرسوم الدولة"، البالغة 130 دولارا؛ وذلك لإصدار تصريح عبور لها.

واحتج سائقو الشاحنات الإيرانيون على ذلك لافيتن إلى أن وجهتهم أرمينيا وليس أذربيجان. 

كما قال هؤلاء السائقون إنهم يدفعون بالفعل رسوم عند بوابة "نوردوز-مغاري" على الحدود بين إيران وأرمينيا؛ لذلك لن يضطروا إلى الدفع مرة أخرى.

وأدت المعارضة الشديدة والمقاومة من بعض السائقين الإيرانيين إلى اعتقال القوات الأذربيجانية اثنين منهم؛ ما زاد من توتر العلاقات بين طهران وباكو.

وردا على ذلك، قررت الحكومة الإيرانية البحث عن طرق بديلة لمنع تعطل العبور والتجارة مع أرمينيا وجورجيا وروسيا و"الاتحاد الاقتصادي الأوراسي" بقيادة موسكو.

ووقع الاختيار على طريق "آجواني – تاتيف" في الجنوب الأرميني كأول ممر بري بديل؛ حيث يتجاوز الأراضي الأذربيجانية بالكامل.

فقد أعلنت إيران أنها ستكمل الجزء غير المكتمل من هذا الطريق داخل أرمينيا.

ولمناقشة استكمال الطريق، زار أرمينيا وفد تقني برئاسة نائب وزير الطرق وإعمار المدن الإيراني "خيرالله خادمي"، والذي يتولى أيضا رئاسة "شركة بناء وتطوير البنى التحتية للشحن والنقل" (حکومية).

علاوة على ذلك، قدمت إيران دعما ماليا وتقنيا لأرمينيا، التي تخطط لبناء طريق بين الشمال والجنوب بطول 550 كيلومترا، يقطع  البلاد بأكملها، بدءا من الحدود الإيرانية الأرمينية، دون العبور بالأراضي الأذربيجانية.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم استخدام طريق "آجواني – تاتيف" قبل التطورات الأخيرة على طول طريق "جوريس-كابان" السريع.

ومع ذلك، فإن طريق"آجواني – تاتيف" مشهور بمنحدراته الحادة وممراته الضيقة التي يصعب على الشاحنات اجتيازها، لا سيما في الأجواء الممطرة والثلجية.

لذلك، تأمل حكومتا إيران وأرمينيا في إعادة بناء وتحسين سلامة هذا الطريق السريع بالكامل، خاصة مع وضع عبور الشاحنات في الاعتبار.

كان رد فعل إيران الثاني على القيود الأذربيجانية المفروضة على طريق "جوريس-كابان" هو تعزيز الاعتماد على بحر قزوين كبديل بحري للطريق البري الشمالي الجنوبي عبر أذربيجان إلى روسيا.

وفي هذا الصدد، قال المدير العام للموانئ والملاحة البحرية في محافظة جيلان (شمالي ايران) "حميد رضا ابايي"، إن "وجهة الشاحنات (الإيرانية) التي تحمل بضائع تصدير هي بشكل أساسي روسيا، وعدد قليل من الشاحنات وجهتها النهائية أرمينيا وأذربيجان".

وأضاف: "بالنظر إلى المشاكل التي خلقتها أذربيجان للشاحنات الإيرانية، فإن أفضل سيناريو هو أن تصل جميع الشاحنات الإيرانية إلى روسيا أو أرمينيا مباشرة عن طريق البحر".

ولتحقيق هذا الهدف، وقعت "منظمة ترويج التجارة الإيرانية" (التابعة لوزراة التجارة)، مذكرة تفاهم مع "شرﻛﺔ جمهورية ﺇﻳﺮﺍﻥ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻟﻠﻨﻘﻞ ﺍﻟﺒﺤﺮﻱ" بشأن التعاون في إطلاق خطوط شحن عبر بحر قزوين من إيران إلى روسيا وكازاخستان.

وبناءً عليه، سيتم خلال المرحلة الأولى الشهر الجاري إطلاق 6 خطوط من الموانئ الشمالية لإيران إلى موانئ أستراخان وماخاتشكالا في روسيا، وكذلك ميناء أكتاو في كازاخستان. وفي المرحلة الثانية، بحلول نهاية السنة التقويمية الإيرانية الحالية (أواخر مارس/آذار 2022)، سيرتفع عدد هذه الخطوط إلى 8.

إذا كان الممر البري مهما للتبادل التجاري بين إيران وأرمينيا وجورجيا، فإن الطريق البحري أمر بالغ الأهمية لعبور إيران وتجارتها مع روسيا والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

على وجه الخصوص، تجري مفاوضات لتحويل اتفاقية التجارة التفضيلية بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوروبي إلى اتفاقية تجارة حرة، ومن المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

وتشعر طهران بالقلق من إعاقة قدرتها على زيادة حجم التجارة مع "الاتحاد الاقتصادي الأوراسي"، وخاصة روسيا؛ بسبب القيود المفروضة على طرق العبور البرية عبر القوقاز.

لقد أدت حرب كاراباخ الثانية، دون قصد، إلى إبراز التوترات والخلافات القديمة والجديدة بين إيران وأذربيجان.

وإذا ظلت هذه المشكلات دون حل، فإنها تهدد بعرقلة التخطيط والتطوير المستمر في العديد من مشاريع العبور الاستراتيجية العابرة للحدود، بما في ذلك ممر العبور الدولي بين الشمال والجنوب (إيران-أذربيجان-روسيا)، وكذلك استكمال خط سكة حديد "رشت- أستارا"  (الذي يربط بين روسيا وأذربيجان وإيران).

في المقابل، يعد استكمال طريق "آجواني–تاتيف" بتعزيز العلاقات الثنائية بين إيران وأرمينيا، التي تضررت إلى حد ما بعد حرب كاراباخ الثانية، فضلا عن تسهيل تطوير ممر العبور بين الخليج والبحر الأسود عبر أرمينيا وجورجيا.

المصدر | جيمس تاون فاونديشن/فالي كاليجي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد