خرجت المظاهرات إلى الشوارع في جميع أنحاء السودان، للاحتجاج على الانقلاب العسكري الذي يهدد تطلعاتهم لمستقبل ديمقراطي.

ففي 25 أكتوبر/تشرين الأول -بعد أسابيع فقط من محاولة انقلاب سابقة- احتجزت القيادة العسكرية السودانية رئيس الوزراء "عبدالله حمدوك" والعديد من المسؤولين الحكوميين المدنيين الرئيسيين وشخصيات المعارضة.

قاد الانقلاب الفريق أول "عبدالفتاح البرهان" رئيس المجلس السيادي للسودان، الذي أشرف على حكومة البلاد الانتقالية منذ سقوط الديكتاتور "عمر البشير" في عام 2019، وأعلن "البرهان" بعد ذلك حل الحكومة وحالة الطوارئ وشكل حكومة جديدة من أجل "تصحيح مسار الثورة" وفق تعبيره.

ويأتي الانتزاع العسكري للسلطة كتتويج للتوترات الطويلة الأمد بين المعسكرين العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية التي يعود تأسيسها إلى بداية الفترة الانتقالية في أغسطس/آب 2019.

وقالت الباحثة السودانية "خلود خير" في معهد "إنسايت ستراتيجي بارتنرز": "الجيش يحاول خلق حكومة مدنية يمكنه السيطرة عليها، لكن القليل منهم خضعوا، مما يجعل الانتقال السلس الذي يرغب فيه الجيش صعبًا للغاية".

غضب داخلي وخارجي

وكان رد الفعل على الانقلاب العسكري داخل السودان وخارجها سريعا، فبعد التقارير الأولية عن انقلاب، تجمع الآلاف من المتظاهرين في الخرطوم، وكذلك في أم درمان والمواقع الأخرى في جميع أنحاء البلاد، وتصدرت مجموعات كبيرة من النساء والشباب مسيرات حول مقار الجيش والدوائر الحكومية، وعلى الفور تم تعطيل الإنترنت عبر السودان.

ومع دخول الاحتجاجات السلمية يومها الخامس، نادت دعوات بمظاهرات على مستوى البلاد في 30 أكتوبر/تشرين الأول، وكتب المستخدمون السودانيون على "تويتر" وغيرها من منصات وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسوم "Oct30March  #KeepEyesonSudan#".

أما دوليا، فقد تلقى الانقلاب تنديدات قوية من مجموعة واسعة من المنظمات والحكومات، وقال الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" في رسالة نشرت على "تويتر": "أدين الانقلاب العسكري الجاري في السودان، يجب إطلاق سراح رئيس الوزراء حمدوك وجميع المسؤولين الآخرين على الفور".

كما أصدرت الولايات المتحدة والنرويج والمملكة المتحدة بيانا مشتركا تدين فيه الانقلاب العسكري، ودعته بـ"خيانة الثورة والعملية الانتقالية والمطالب الشرعية للشعب السوداني من أجل السلام والعدالة والتنمية الاقتصادية".

كما أعلن الاتحاد الأفريقي أنه علق السودان من جميع أنشطته حتى يتم استعادة حكومة مدنية، وقد حجبت كل من الولايات المتحدة والبنك الدولي مساعدة للبلاد، مع تهديد الاتحاد الأوروبي بفعل الشيء نفسه، ومنذ ذلك الحين، أُطلق سراح "حمدوك" من قبل الجيش، لكنه ما زال "تحت الحراسة المشددة".

تحدي للولايات المتحدة

بالنسبة لواشنطن على وجه الخصوص، فإن الانقلاب يمثل تحديًا، بالنظر إلى أنه حدث بعد ساعات فقط من قيام "جيفري فيلتمان"، مبعوث الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في القرن الأفريقي، بمغادرة الخرطوم، حيث التقى خلال زيارته (الثانية في 3 أسابيع) مع "حمدوك" و"البرهان" و"محمد حمدان دقلو" المعروف بـ"حميدتي"، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في البلاد، وحذر الزعيمين العسكريين من أي مقاطعة للانتقال إلى الحكومة المدنية.

وأدى تحرك الجيش المفاجئ مباشرة بعد رحيله لمفاجأة المسؤولين الأمريكيين، الذين اندفعوا لتنسيق استجابة دبلوماسية، بما في ذلك من خلال المشاورات مع مصر والسعودية والإمارات، التي أثرت مصالحها الكبيرة في السودان على مسار الانتقال المدني.

ويعتبر "البرهان" و"حميدتي" متنافسين في صراع على السلطة، حيث تدعم القاهرة "البرهان"، بينما يحافظ "حميدتي" على علاقات وثيقة مع الرياض وأبوظبي.

تصاعد الأهمية الجيوسياسية

تعد التداعيات الإقليمية والقارية لانقلاب السودان مهمة، حيث إن احتمال انتزاع عسكري آخر للسلطة في القارة الأفريقية يضيف إلى المخاوف المتزايدة بشأن عودة الحكم العسكري وسط تراجع ديمقراطي في أفريقيا.

تحد السودان (عاشر دولة أفريقية من حيث عدد السكان) 7 دول أخرى وتقع ضمن مناطق القرن الأفريقي وشمال فريقيا والساحل.

وكما ذكر فريق الباحثين في منظمة "مجموعة الأزمات الدولية"، فإن الأهمية الجيوسياسية للسودان تنمو في خضم صراع على النفوذ بين القوى المتنافسة على طول البحر الأحمر، وعلى خلفية من عنف المتطرفين في الساحل، والحرب الأهلية المطولة في إثيوبيا وعدم الاستقرار في جنوب السودان.

أما في السودان، فإن التوقعات مزعجة بالقدر ذاته، وإذا استمرت الاحتجاجات كما هو مرجح، فغالبًا ما ستعقبها حملة قمع عنيفة من قوات الأمن والجماعات شبه العسكرية التابعة لها، وقد أوردت التقارير بالفعل إن ما لا يقل عن 8 متظاهرين على الأقل قتلوا على أيدي قوات الأمن وهي تحاول تفكيك المظاهرات بالقوة، فيما أصيب مئات آخرون في المواجهات التي اندلعت بعد الانقلاب.

ووفقا لما قالته "خلود خير"، فقد استغل الجيش أيضا الشعور بالإهمال لدى بعض الجماعات المتمردة السابقة التي تم تهميشها في برنامج المصالحة السياسية والإدماج في الحكومة المدنية.

وفي الوقت نفسه، تفكر الأحزاب السياسية المحلية في أنواع الصفقات والاتفاقيات التي يمكنهم عقدها مع الجيش، وفق ما تراه الباحثة.

ومع ذلك، فإن الاحتجاجات الشجاعة ضد الانقلاب هي مجرد مثال على الرغبة العميقة المتجذرة لدى المواطنين السودانيين في الحكم المدني والديمقراطي.

وفي الأسبوع الماضي فقط، نظم الآلاف مسيرات في المدن في جميع أنحاء البلاد للاحتفال بالذكرى السنوية لثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 التي أطاحت بحكومة عسكرية وأدت إلى فترة من الديمقراطية البرلمانية، وعلّقت "خلود خير" قائلة: "أعتقد أن هذا الانقلاب سيغذي المشاعر المعادية للعسكر لعقود قادمة".

المصدر | وورلد بوليتيكس ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد