الاثنين 8 نوفمبر 2021 12:26 م

أثار "جورج قرداحي" أزمة دبلوماسية بين لبنان والخليج، حيث اتهمته السعودية بتأييد الحوثيين، واستغلت التصريحات التي أدلى بها كذريعة لقطع العلاقات مع لبنان المأزومة ماليًا، مما يترك البلاد بالكامل في أيدي إيران و"حزب الله".

وكان الوزير اللبناني "جورج قرداحي" قد ذاع صيته في الوطن العربي كمقدم برامج منذ 21 عاما، من خلال النسخة العربية من البرنامج التلفزيوني البريطاني "من سيربح المليون؟"، وقد عُرض للمرة الأولى على قناة "MBC" السعودية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2000، مما جعل "قرداحي" اسمًا معروفًا في العالم العربي، وقد أصبح إعلاميًا غنيا ومشهورا حتى حوّل مساره في سبتمبر/أيلول الماضي وانضم إلى حكومة "نجيب ميقاتي" كوزير للإعلام.

ولكن في 25 أكتوبر/تشرين الأول، تعرضت حياته المهنية الناجحة لضربة كبيرة بسبب مقابلة تلفزيونية تم بثها على إحدى منصات شبكة "الجزيرة" القطرية (في مفارقة ساخرة)، ومنذ ذلك الحين، أشعلت تصريحاته أزمة دبلوماسية بين لبنان والخليج، ودعته مختلف الأطراف إلى التنحي، بعد أقل من شهرين بعد توليه منصبه.

تصريحات أشعلت أزمة

أثار "قرداحي" الاستنكار، عندما وصف في المقابلة الحرب اليمنية بـ"العبثية"، قائلا إن المتمردين الحوثيين كانوا يمارسون "الدفاع عن النفس" ضد "العدوان"، وهو ما ضرب وترًا حساسًا لدى السعودية بشكل خاص، وبعد ساعات استدعت سفيرها لدى لبنان، وطردت السفير اللبناني في الرياض، ثم أوقفت جميع الواردات من لبنان وأغلقت استوديوهات "MBC" في بيروت.

وخلال اليومين اللاحقين، قطعت البحرين والإمارات والكويت العلاقات مع لبنان، مما قد يتطور إلى مقاطعة عربية مماثلة لتلك التي فُرضت على قطر في 2017-2019.

لكن لبنان ليست قطر ولا يمكنها تحمل أي نوع من المقاطعة، فليس لديها احتياطي غاز ضخم تعتمد عليه ودخلها الوحيد يأتي من السياحة -من دول الخليج بالأساس- ومن العمليات المصرفية العربية، والتي تعرضت لتوقف صارم في السنوات الأخيرة بسبب انهيار القطاع المالي اللبناني.

ويعاني الاقتصاد اللبناني المأزوم منذ عامين من نقص حاد في الدولارات الأمريكية وانخفاض في قيمة عملته المحلية وصل إلى 90%، مما أزّم العديد من اللبنانيين ماليًا، كما أن الدولة اللبنانية مفلسة وكانت تعتمد على المساعدات الدولية لتسيير الأمور، وكانت أحدث هذه المساعدات قرض بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وهذا ليس سوى جزء مما يطلبه لبنان في الأصل (ما لا يقل عن 9-10 مليارات دولار أمريكي).

ومن المقرر عقد جولة جديدة من المحادثات في نوفمبر/تشرين الثاني ولكن قد يتم تأجيلها بسبب الفيتو السعودي، أو إذا سقطت حكومة "ميقاتي" بسبب "جورج قرداحي".

ويقدر صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد اللبناني تقلص بنسبة 25% العام الماضي، فيما وصل التضخم إلى 85%، وآخر ما كان ينقص البلاد في هذا الوضع هو مواجهة مع المانحين المحتملين مثل السعودية والإمارات.

ذريعة على طبق من ذهب

لا يخفي "قرداحي" مشاعره المؤيدة لـ"حزب الله" فيما يمتد لدعم الحوثيين اليمنيين الذين يقاتلون السعودية منذ عام 2015، وهو يدعي أن تصريحاته المؤيدة للحوثيين كانت في مقابلة تم تصويرها في 5 أغسطس/آب 2021، أيّ قبل شهر واحد من تسميته وزيرًا في مجلس وزراء "ميقاتي".

وعندما تم بث المقابلة في 25 أكتوبر/تشرين الأول، تسببت في إحراج كبير لرئيس الوزراء "ميقاتي" (صديق قديم للسعودية)، وخرج "ميقاتي" ببيان يقول إن آراء "قرداحي" كانت "غير مقبولة" ولا تعكس سياسة الحكومة اللبنانية.

وأعرب العديد من الزعماء اللبنانيين عن انتقادات حادة لتصريحات "قرداحي"، وتصدرها الزعيم الدرزي البارز "وليد جنبلاط" الذي قال: "أقيلوا هذا الوزير الذي يدمر علاقاتنا مع الخليج العربي قبل فوات الأوان".

كما قال رئيس الوزراء السابق "سعد الحريري" (وهو حليف تاريخي للسعودية ويحمل جنسية مزدوجة لبنانية سعودية) أن "تصريحات قرداحي غير مسؤولة"، بينما قال حليف السعودية الآخر "أشرف ريفي"، وهو مدير قوى الأمن الداخلي السابق: "نطالب بإقالة قرداحي ونوجه تحيتنا للسعودية".

ولكن على الطرف الآخر من الطيف السياسي، رفع المتمردون الحوثيون لافتات تؤيد "جورج قرداحي" في اليمن، شاكرين إياه على دعمه، بينما أشاد "حزب الله" بـ"شجاعته وصدقه"، وفي الوقت نفسه، قال "سليمان فرنجية" (راعي قرداحي) إنه يرفض استقالة وزيره، وأصر على أنه لم يقترف أي خطأ.

وكان "فرنجية"، حليفًا قويا لـ"حزب الله" وعضوًا بارزًا في ائتلاف 8 مارس/آذار الذي يقوده "حزب الله"، والذي رشح "قرداحي" لحكومة "ميقاتي"، ويخطط "فرنجية" للترشح للرئاسة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، عندما تنتهي فترة الرئيس "ميشال عون"، وبالتالي فهو بأمس الحاجة لدعم "حزب الله" للوصول إلى قصر بعبدا.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تنفجر فيها الأزمة بين لبنان والخليج، ففي عام 2003، تدخل رئيس الوزراء آنذاك "رفيق الحريري" شخصيا لمنع بث برنامج تلفزيوني كان ينتقد السعودية، وفي الآونة الأخيرة (مايو/أيار 2021) اضطر وزير الخارجية "شربل وهبة" للاستقالة بسبب تصريحات تلفزيونية كانت تنتقد المملكة. ومع ذلك، فإن هذه المواجهة أكثر شدة، وتستخدمها السعودية كذريعة للنأي بنفسها تماما عن لبنان.

تاريخ من المحاولات الفاشلة

منذ الخمسينيات من القرن الماضي، قدمت السعودية نفسها كراعٍ لمجتمع المسلمين في لبنان، وهو المركز الذي نافستها فيه إيران منذ الثمانينيات، بعد إنشاء "حزب الله".

وفي عام 1989، ساعدت السعودية في إنهاء الحرب الأهلية الطويلة في البلاد من خلال اتفاقية في مدينة الطائف، والتي عرفت منذ ذلك الحين باسم اتفاقيات الطائف.

وخفضت الاتفاقيات من صلاحيات الرئاسة المسيحية المارونية اللبنانية، ومكنت رئيس الوزراء السني، وأنشأت تمثيلًا متساويًا في البرلمان بين المسلمين والمسيحيين.

وفي عام 1992، ذهبت رئاسة الوزراء إلى "رفيق الحريري" واستمرت حتى اغتياله في عام 2005، وكان "الحريري" رجل أعمال لبناني ثري من صنيعة السعودية، وشهد عصره زيادة هائلة في النفوذ السعودي.

وعلى مر السنين، سعت السعودية -مع القليل من الحظ- لكبح نفوذ "حزب الله" في لبنان، وفي عام 2005، حمّلت الحزب مسؤولية اغتيال "الحريري"، داعمة محكمة دولية للأمم المتحدة خاصة بلبنان.

وبعد مرور عام، دعمت المملكة  قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 الذي دعا إلى احتكار الأسلحة في أيدي الحكومة اللبنانية ودفع جميع اللاعبين غير الحكومية (في إشارة إلى حزب الله) بعيدا عن الحدود مع إسرائيل.

عندما فشل ذلك أيضا، قامت السعودية بالضغط على رئيس الوزراء آنذاك "فؤاد السنيورة" بعرقلة "حزب الله" عبر تفكيك شبكة الاتصالات في مطار "رفيق الحريري" الدولي، وانتهى الأمر أيضا بالفشل، حيث اقتحمت قوات "حزب الله" العاصمة اللبنانية، ونزعت سلاح حفنة الميليشيات التي خرجت لمواجهتهم والمرتبطة إما بـ"تيار المستقبل" الذي يتبع "سعد الحريري" أو حزب "القوات اللبنانية" الذي يقوده "سمير جعجع".

ثم حاولت السعودية دعم الشيعة المنشقين مثل "صبحي الطفيلي" الأمين العام السابق لـ"حزب الله"، ولكن أخفق هذا أيضا في اختراق قاعدة قوة "حزب الله" في الجنوب اللبناني وفي الضاحية الجنوبية في بيروت حيث يهيمن الحزب.

رغم كل هذه المحاولات، ظل "حزب الله" قويًا مثلما كان، وذلك بفضل ترسانته الهائلة ودعم إيران الثابت، وقد زاد بثبات من وجوده في البرلمان اللبناني (لديه الآن كتلة من 13 نائبا) وكان له القول النهائي بشأن ترشيح كل رئيس وزراء منذ أوائل التسعينيات.

ولا ترى أي حكومة الضوء ما لم تقدم وعودًا بـ"دعم وتبني تسليح المقاومة"، وهو بيان يتم إدخاله بعناية في كل بيان لسياسة الحكومة، من "رفيق الحريري" إلى "نجيب ميقاتي".

وفي حين ترى إيران "نصر الله" حليفًا موثوقًا، فإن السعودية تأسف على عدم وجود قيادة تعتمد عليها في المجتمع المسلم السني منذ وفاة "الحريري" في عام 2005، وابنه "سعد" ضعيف للغاية وقد ثبت أنه غير قادر على الوقوف بوجه "حزب الله".

كثيرا ما حاولت السعودية الوصول إلى السنة الآخرين للمساعدة، بما في ذلك "أشرف ريفي"، الذي أعرب عن استعداده للتعامل مع الحزب، لكنه يفتقر إلى الرجال والمال اللازمين لمثل هذه المواجهة.

أما الآن، فالسعودية تتبع نهجا جديدا؛ وهو الانفكاك الكامل عن لبنان، على أمل أن تنهار البلاد من الداخل، وسوف تُلقى مسؤولية هذا الانهيار على "حزب الله" وإيران، كما ستلقى مسؤولية تعافي البلاد أيضًا على عاتقهم، وقد يستغرق ذلك سنوات وسيحتاج إلى الكثير من الأموال التي لا تملكها إيران ولا يمكن لأحد أن يقدمها عدا السعودية.

المصدر | سامي مبيض- إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد