الأحد 21 نوفمبر 2021 03:13 م

قام وزير الخارجية الإماراتي، "عبدالله بن زايد"، في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، بزيارة إلى دمشق، هي الأولى منذ 10 سنوات، التقى خلالها برئيس النظام السوري "بشار الأسد" ودعاه لزيارة الجناح السوري في إكسبو 2020 دبي.

وتأتي هذه الزيارة في سياق سلسلة خطوات أطلقتها الإمارات عام 2018 بهدف إعادة تأهيل النظام السوري في إطار جهود التطبيع الإقليمي التي تشمل الأردن والجزائر ودول عربية أخرى.

تطور الموقف الإماراتي من الثورة السورية

مع انطلاق الثورة السورية مطلع عام 2011، رأت الإمارات في الحراك الشعبي السوري فرصة لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، فضمت جهودها لعزل النظام السوري داخل جامعة الدول العربية ولعبت دورا مهما في دعم المعارضة السورية.

ولعبت الإمارات دورًا فاعلًا في مجموعة أصدقاء سوريا، التي تشكلت مطلع عام 2012 لحل الأزمة السورية خارج إطار مجلس الأمن؛ من أجل الالتفاف على حق النقض الروسي والصيني لدعم النظام.

لكن هذه الجهود لم تدم طويلاً، وبدأت الإمارات، التي أصبحت قوة بارزة معادية للثورة، في اتخاذ موقف أكثر مرونة من الثورة السورية، وبدأت في تقديم المساعدة للنظام السوري في سياق تغيير وجهة نظرها عن الثورة السورية والصراع في سوريا من فرصة لاحتواء إيران إلى جزء من الحرب على الإرهاب.

وفي عام 2014، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شركة النفط الإماراتية "بانجيتس انترناشونال"، بعد أن انتهكت العقوبات المفروضة على النظام السوري من خلال تزويد سلاحه الجوي بوقود الطائرات.

قبل ذلك، تحولت الإمارات إلى ملجأ لرأس المال والأصول المالية للنظام السوري وشركائه الفارين من العقوبات الغربية، بالرغم من القطع الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وسوريا، اعتبارًا من أوائل عام 2012.

كانت الإمارات أول دولة عربية تشارك في قصف مواقع تنظيم "الدولة" في سوريا مع انطلاق الحملة الجوية لقوات التحالف الدولي التي أنشأتها واشنطن في سبتمبر/أيلول 2014. وكان هذا الإجراء مبررًا على اعتبار أن التنظيم يشكل تهديدًا للثورة السورية.

وبحسب تقارير غربية، تم تحويل بطاريات صواريخ أرض - جو السورية إلى وضع التوقف عن العمل في الوقت الذي كانت تحلق فيه الطائرات الإماراتية في الأجواء السورية لاستهداف "داعش"، في أوضح مؤشر على قوة التنسيق بين الطرفين.

وعلى عكس مواقف دول الخليج الأخرى، امتنعت الإمارات عن انتقاد التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015.

وبعد شهرين، تحول موقف الإمارات من الصمت إلى الترحيب بالتدخل الروسي، كما قال وزير الدولة الإماراتي السابق للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" إن روسيا تستهدف عدوًا مشتركًا في سوريا. وفي عام 2016، أعلنت الإمارات أنها تشارك روسيا رؤية الحل في سوريا، مما يشير إلى عدم وجود معارضة لاستمرار نظام "الأسد".

كانت الإمارات أول دولة عربية أعادت فتح سفارتها في دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2018. وفي بداية عام 2020، جرت أول مكالمة هاتفية عامة بين ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" و"بشار الأسد" منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2012.

ونتيجة لذلك، بدأت الإمارات في إرسال مساعدات طبية إلى النظام السوري لمواجهة جائحة "كورونا". كما مولت إعادة إعمار بعض المباني العامة ومحطات الطاقة الحرارية وشبكات المياه في دمشق.

ونشرت وسائل إعلام غربية تفاصيل تعاون بين الإمارات ونظام "الأسد" لمواجهة تركيا في كل من سوريا وليبيا. وشمل ذلك دعم أبوظبي لمحاولات النظام السوري إبقاء تركيا مشغولة في إدلب أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020، مما مكّن اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" من التقدم نحو طرابلس.

يربط كثيرون قرار معسكر شرق ليبيا بإعادة فتح السفارة الليبية في دمشق في مارس/آذار 2020 بجهود الإمارات لدعم النظام في دمشق وزيادة التعاون بين "الأسد" و"حفتر".

في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2021، بلغ التطبيع بين الجانبين ذروته عندما أسفرت مكالمة هاتفية بين "محمد بن زايد" و"بشار الأسد" عن اتفاق على زيارة وزير الخارجية "عبدالله بن زايد" لدمشق. وسبق ذلك زيارة وزير الاقتصاد السوري إلى دبي استجابة لدعوة للمشاركة في معرض إكسبو دبي 2020.

دوافع الإمارات للتطبيع مع النظام السوري

التطبيع الإماراتي مع النظام السوري هو جزء من استراتيجية تتطور منذ سنوات عديدة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل النظام السوري، تسعى لتسهيل وصول الأنظمة العسكرية إلى السلطة في العالم العربي.

كما تسعى إلى دمج إسرائيل في النظام الإقليمي العربي بعد أن وقعت أبوظبي اتفاقية سلام وتطبيع العلاقات مع تل أبيب في سبتمبر/أيلول 2020.

هناك أسباب عديدة وراء تسريع التطبيع مع النظام السوري وإجراءات إعادة تأهيله، أهمها أن أبوظبي تسعى إلى طي صفحة الربيع العربي؛ ولا شك أن إعادة أكثر الأنظمة العربية وحشية وقمعًا سوف تحقق هذا الغرض.

تضع هذه الاستراتيجية الإمارات في موقع أقرب إلى الموقفين الروسي والصيني (وكذلك الموقف الإسرائيلي من التحول الديمقراطي في العالم العربي) منه إلى الموقف الأمريكي والغربي بشكل عام.

بينما تزعم الإمارات أن هدفها في استعادة العلاقات مع النظام السوري هو تعزيز الوجود العربي في سوريا لكبح نفوذ إيران، فإن ذلك بالكاد يمكن تحقيقه من خلال دعم نظام "الأسد"، حليف إيران.

تاريخيًا، لم يؤد دعم دول الخليج لنظام "الأسد" من السبعينيات إلى 2005 إلى عزل سوريا عن إيران، بل عزز التحالف بين النظامين. كما تهتم الإمارات بأي فرص اقتصادية تتعلق بإعادة الإعمار في سوريا أو خطوط النقل لتوفير الطاقة في المنطقة.

يبدو أن الإمارات تستغل الموقف الأمريكي الضعيف تجاه التطبيع مع النظام السوري للمضي قدماً في هذا الاتجاه. وقد وافقت واشنطن بالفعل على إمداد لبنان بالغاز والكهرباء من مصر (وإسرائيل) والأردن عبر الأراضي السورية عن طريق تمويل البنك الدولي للرباعية المصرية - الأردنية - السورية - اللبنانية في هذا الصدد، والتي تشمل إصلاح خطوط الغاز و خطوط نقل الكهرباء في الأراضي السورية.

إضافة إلى ذلك، لم تظهر واشنطن موقفًا حازمًا في معارضة خطوات التطبيع التي تتخذها الدول العربية مع النظام السوري، واقتصر ردها على التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تدعم جهود التطبيع مع نظام "الأسد".

وأبدى وزير الخارجية الأمريكي موقفًا باهتًا مماثلًا، حيث صرح خلال مؤتمر صحفي بعد لقائه نظيريه الإسرائيلي والإماراتي، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بأن: "ما لم نفعله وما لا ننوي فعله هو التعبير عن أي دعم لجهود التطبيع العلاقات أو إعادة تأهيل الأسد".

تحول عربي نحو التطبيع مع النظام السوري

يأتي التحرك الإماراتي لتطبيع العلاقات مع النظام السوري في إطار انعطاف عربي عام نحو إعادة تأهيل النظام السوري ضمن المنظومة الإقليمية العربية وعلى رأسها الأردن والجزائر إلى جانب الإمارات؛ بدوافع مختلفة بالنظر إلى اختلاف الجزائر عن الموقف الإماراتي من التطبيع مع اسرائيل.

وجاءت ردود فعل البلدين تجاه الخطوة الإماراتية متماشية مع هذا الاتجاه. وبارك وزير الخارجية الجزائري، "رمطان لعمامرة"، زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق، مؤكدا أنه "يأمل أن تساهم في تذليل العقبات بين سوريا والدول العربية الأخرى"، وجدد دعوة بلاده لاستعادة العلاقات بين البلدين وعودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية.

من جهته، برر وزير الخارجية الأردني "أيمن الصفدي" التقارب العربي مع نظام "الأسد" بزعم أنه نتيجة لغياب أي "استراتيجية فعالة لحل الصراع السوري". لكن مسؤولين في النظام السوري عقدوا اجتماعات سياسية وأمنية مع كل من مدير المخابرات المصرية، "عباس كامل"، ووزير الخارجية المصري سامح شكري"، وكذلك مدير المخابرات السعودية "خالد الحميدان".

باستثناء قطر، لا توجد معارضة عربية للتطبيع مع النظام السوري، رغم كل أسباب عزل النظام السوري عن العالم العربي، وعدم استيفاء أي من شروط عودته إلى الجامعة العربية. ويشمل ذلك استمرار النظام في سياساته القمعية ورفضه لأي مقاربة سياسية للحل.

وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، اتخذت جامعة الدول العربية قرارًا بتعليق عضوية النظام السوري في جامعة الدول العربية، فيما بقي انسحاب السفراء العرب من دمشق "قرارًا سياديًا لكل دولة". وقد صدر القرار بموافقة 18 دولة، مع معارضة 3 دول، وهي سوريا ولبنان واليمن، مع امتناع العراق عن التصويت.

خاتمة

في حين أن هناك توجهًا عربيًا عامًا يتشكل من التطبيع مع النظام السوري وإعادة تأهيله، إلا أن الإمارات هي الأكثر حماسًا حتى الآن في هذا الاتجاه، بالرغم من كونها من الدول الأقل تضررًا من الأزمة السورية.

والحقيقة أن بعض الدول العربية قاطعت نظام "الأسد"؛ ليس بسبب جرائمه بحق شعبه، بل بسبب علاقاته مع إيران، مستغلة أفعاله القمعية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية، لكنهم أبدوا استعدادهم للتطبيع مع النظام رغم استمرار تحالفه مع إيران وتعزيزه.

بينما تتمحور أسباب التطبيع الأردني مع النظام السوري حول مصالحه الاقتصادية والأمنية ومحاولته إيجاد حل لوجود حوالي مليون لاجئ سوري على أراضيه، فإن دوافع الإمارات مرتبطة بشكل كامل تقريبًا بموقف "أيديولوجي" معاد من حيث المبدأ لأي تغيير ديمقراطي، ويتمسك باستقرار الأنظمة الاستبدادية في الجمهوريات العربية مع تحالف سريع التطور مع إسرائيل، يشمل التعاون العسكري والأمني، كما أشارت إليه المناورات المشتركة الأخيرة التي جرت في البحر الاحمر.

المصدر | المركز العربي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد