الأحد 29 نوفمبر 2015 10:11 ص

«للبيع بداعي السفر إلى أوروبا، كلية شاب عمره 27 سنة، خال من أي مرض فيروسي أو وراثي، الاستفسار للجادين فقط على الخاص».. هذا الإعلان جاء نتاج الحرب المستعرة في سوريا منذ 4 سنوات.

الأسواق السوداء لبيع أعضاء السوريين عبر العالم كقطع تبديل تفوق بمآلاتها تجارة الزواج بالقاصرات أو عمالة الأطفال أو التسول.

صحيفة «الحياة» كشفت في تقرير لها شبكات تبدأ من سوريا، ولا تنتهي حتى تعبر الحدود إلى لبنان ومصر وتركيا، وتتم العمليات بمشاركة أطباء ومنتحلو صفات أمنية، مستغلين الفوضى الأمنية منذ منتصف 2011، وثغرة في القانون رقم 3 لعام 2010 الخاص «بمكافحة الإتجار بالبشر»، الذي أسقطت المادة رقم 3 منه أي عقوبات على البائع، بما يجعله بمنأى عن العقاب.

20 ألف حالة

رقمان متقاربان صادران عن مؤسسات رسمية، إلا أنهما يوضحان حجم الكارثة التي تقع في سوريا، بعيدا عن خط النار والمواجهة السياسية والمسلحة، وإن كانت هي أحد توابع تدمير البلد الشامية على مدار السنوات الأربع الماضية.

المحامي العام الأول بدمشق «أحمد السيد»، قال إن أكثر من 20 قضية إتجار بالأعضاء البشرية، عالجها القضاء السوري خلال السنوات الأربع الأخيرة، مبينا أن هذا النوع من الدعاوى القضائية كان نادرا في المحاكم، وهو يعتقد أن العدد الكلي فاق عتبة 20 ألف حالة.

أما الدكتور «حسين نوفل» رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي «حديثة التشكيل»، فقدر عدد حالات الإتجار بالأعضاء البشرية للسوريين بأكثر من 18 ألف حالة في أربع سنوات، موضحا أنه حتى مطلع عام 2013، نقلت أعضاء 15600 شخص من أصل 62 ألف جريح عولجوا في دول الجوار.

وبنى «نوفل» إحصائيته هذه على مسح شامل في المناطق الساخنة والحدودية للمتوفين نتيجة الحرب، حيث تحتوي على صور ومقاطع فيديو ووثائق أخرى سترفع عن طريق المحاكم لاحقا.

أما عن القصص، فكثير منها تم الكشف عنها، وأخرى تم توثيقها، ولكن تبقى الأغلبية حبيسة أصحابها دون أن تتكشف حتى الآن.

تواطؤ الأطباء

أولى هذه القصص، وقعت في منتصف العام الحالي، عندما أعلن نقيب أطباء سوريا «عبد القادر الحسن»، فصل 5 أطباء وإحالتهم على التأديب، لتورطهم في تجارة أعضاء البشر.

قرار مجلس تأديب النقابة حمل رقم 4/3 لعام 2011 نص على أن النقابة «منعت الطبيبين من مزاولة المهنة بشكل نهائي وأحالتهم على القضاء المختص، بعد أن أثبتت التحقيقات انضمامهما إلى شبكة عابرة للحدود تنقل النساء الحوامل إلى لبنان للولادة وهناك، ومن ثم يتم بيع المواليد مقابل مبالغ مادية كبيرة، ليتم الإتجار بأعضائهم لاحقا».

ووفق الوثيقة يتم ذلك بالتواطؤ مع طبيب لبناني يدعى «سمير. ح» كانا قد تعرفا عليه في أحد المؤتمرات السابقة، واستندت المحكمة إلى اعتراف أولي لأحد الأطباء، واعتراف سكرتيرته وسائقه، بعد تحقيقات موسعة شملت أيضا اعتراف إحدى الضحايا.

ومن دمشق إلى حلب، أطباء آخرون يتزعمون شبكة مكونة من 12 شخصا وذلك من ملف القبض عليهم من قبل إدارة الأمن الجنائي في المدينة بين 2013 والعـــام الحــــالي.

هـذه الشبكة التي تعد «الأكثر نشاطا» وفق وصف مصدر في إدارة الأمن الجنائي، إذ يقود أحدهم مجموعة مسلحة وينتحل صفة رجل أمن، بعضهم ألقي القبض عليه مرة واحدة، فيما قبضت الأجهزة الأمنية على آخرين للمرة الثالثة على التوالي خلال أقل من سنتين.

 «زياد. و» و «محمد عمار.ك» طبيبان، تم فصلهما في شكل نهائي في يوليو/تموز 2013، وحرمانهم من حقوقهم النقابية، إلا أن النقابة لا تستطيع التعامل معهما بسبب تواجدهما بمناطق خرجت عن سيطرة الحكومة السورية في حلب.

الأطفال أيضا

الأطفال ليسوا خارج معادلة سرقة الأعضاء، فياسمين شحادة «9 سنوات»، حاول أطباء سرقة كليتها في مستشفى لا يعرف أهلها مكانه حتى الآن، ولم يتم التعرف عليها إلا بعد إخراج ثلاث طلقات ناريــة من جسدها على خلفية المعارك التي اندلعت بريف اللاذقية الشمالي في 2013.

والد «ياسمين» الذي تحدث من حي «الدعتور» القريب من مدينة اللاذقية، أكد أن آخر خبر ورد له عن الفتاة، أنها توفيت بتاريخ 4 أغسطس/آب 2013، قبل أن يقوم بتحرير محضر رسمي للوفاة رقم 1367 منطقة صلنفة، إلا أنه بعد 17 يوما اتصل بوالدها طبيب تركي، وأخبره أن الفتاة حيّة ترزق وأنها نجت من محاولة سرقة لأعضائها.

وأضاف والد «ياسمين» الممتن لهذا الطبيب، أنهما اتفقا على اللقاء عند نقطة كسب الحدودية ليستلم الفتاة، وخلال عملية التسليم، فوجئ الوالد بتفاصيل نجاة ابنته من شبكة إتجار بالأعضاء اتفقت على بيع كليتها في المستشفى، حيث تمت الصفقة أمامها، لكن الطبيب سحب الفتاة وهربها إلى سوريا.

غموض وسرية

في مصر، التي يعيش فيها نحو 132 ألف لاجئ سوري وفق أرقام مفوضية اللاجئين لعام 2015، تمكنت عصابة من الإيقاع بـ«محمد زاهر» وهو اسم مستعار، لشراء كليته مقابل مبلغ مادي، مستغلة حاجته وجهله بالبلد وقوانينه.

الشاب من حمص، يعمل في صيانة السيارات، يعيش الآن في إسطنبول بعد أن انتقل إليها قبل فترة من القاهرة، حيث باع كليته هناك مقابل 3 آلاف دولار أمريكي، لشخص لا يعرف عنه شيئا ولا حتى اسمه الحقيقي.

كل ما يجمعهما هو حديث الاتفاق الذي دام قرابة ربع ساعة وجها لوجه، على تفاصيل عملية البيع والمبلغ المادي وساعة العملية ومكانها.

في إسطنبول حيث يسكن مع شباب سوريين آخرين، والندم يأكل رأسه، وكما قال إنه بمجرد تذكير بعملية البيع تحضر إلى رأسه ذكريات وفصول مأساة بدأت ولم تنته بعد، ولا يتمنى لأي إنسان أن يمر بها.

وقبل ذلك، تردد في الحديث عن حالته، فالسرية هي ما يغلف قضيته، حتى عن أقرب الناس إليه، فزوجته لا تعرف أنه بكلية واحدة، فقد باعها ومن ثم تزوج بالمبلغ الذي حصل عليه.

وأضاف «زاهر» أنها «أكبر جريمة اقترفتها في حياتي... لن أسامح نفسي أبدا»، خاصة عندما قال له طبيبه بعدما اكتشف أنه باع كليته: «أنت ميت لا محالة إن تضررت كليتك المتبقية».

وزارة الصحة المصرية، قالت على لسان مساعد وزير الصحة المصري لشؤون العلاج الحر الدكتور «صابر غنيم» إنه «لو ثبت قيام المستشفى بإجراء العملية للشاب السوري، فإن المساءلة ستطال الطبيب وكادر المستشفى ويحالون إلى النيابة العامة، ويمكن توقيف الطبيب عن العمل».

بيع الأعضاء أونلاين

قصة «زاهر» في مصر، تقابلها عشرات الحكايات في الخارج، لمواطنين سوريين لم يجدوا إلا شبكات التواصل الاجتماعي أمامهم لبيع أعضائهم مقابل مبالغ تخفف وطأة العيش، أو الحاجة لتمويل رحلة اللجوء إلى أوروبا.

في هذه الأسواق الإلكترونية تقع على إعلانات تعبر عن حجم المأساة، أحدهم يعرض أعضاءه ليهرب من الوضع المأسوي في لبنان.

بدأت فكرة بيع الأعضاء من طريق صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالهجرة وبأحوال السوريين في الخارج، ثم بات الأمر عاديا، فلا يكاد يمر يوم إلا وينشر إعلان أو اثنان لسوريين يرغبون ببيع أعضائهم، إلى أن تشكلت صفحات «كلى للبيع» على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، جمعت البائعين والسماسرة على وسادة واحدة.

الأمر لم يتوقف عند الكلى، بل امتد لمواطنين يسعون إلى بيع جزء من الكبد أو جزء من الرئة، أو أي شيء آخر من شأنه إنقاذهم من البؤس المعيشي.

وفي تقرير رسمي أصدرته منظمة «أونروا» التابعة للأمم المتحدة في مارس/آذار من العام الحالي، والذي كشف أن معدل الفقر والحرمان لدى السوريين ارتفع إلى 82.5% في 2014، بعد أن كانت نسبة الفقر 64.8% في 2013، وكان من نتائجه وفق التقرير «ظهور العصابات المجرمة العابرة للحدود إلى حيز الوجود، وراحت تنخرط بالإتجار بالبشر».

غياب الدور الحقوقي

أسواق بيع السوريين كقطع تبديل مفتوحة والمساومات تجرى سرا وعلنا، بينما كانت ردود منظمات حقوق الإنسان الدولية غير متناسب مع حجم الكارثة.

ويأتي تعاظم الكارثة، رغم توقيع سوريا على «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها» عام 2009، والتي تنظم ملاحقة مرتكبي الجرائم العابرة للحدود بغض النظر عن الظروف السياسية، ومسؤولية كل دولة في التعامل معها.

كما أن القوانين السورية سارت على الدرب ذاته، فالمرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 الخاص بمكافحة الإتجار بالأشخاص، شدد العقوبة على الجريمة إذا كانت دولية أو ارتكبت بحق امرأة أو طفل، حيث تطبق هنا المادة 8 «أحكام التجريد العامة» التي تقول: «عند وجود سبب تشديد، تشدد العقوبة من الثلث إلى النصف»، فترتفع العقوبة التي مدتها 15 عاما لتصبح ما بين 20 - 22 عاما ونصف.

تم التحقيق بعدما تغلغلت «الحياة» ضمن الشبكات، وتنكرت بصفة سمسارين يبحثان عن أعضاء، ونشرت إعلانا على إحدى المجموعات المغلقة على «فيس بوك» معنية بشؤون السوريين في لبنان، طلبا فيه كلى دون تحديد زمرة الدم.

عرض السوري «علي. ع» كليته علنا للبيع، وسأل عن السعر الذي يمكن أن يحصل عليه بغية تأمين مصـروف أطفـاله ولو لشهرين.

العرض الثاني، جاء من «محمد» وهو اسم مستعار، يعيش في أحد تجمعات السوريين في منطقة راشيا، وخلال الحديث معه تبين أنه أب لولدين معاقين وثالث سليم، هو في حاجة إلى تأمين الرعاية الطبية لهما.

«محمد» قال إنه ما عنده علم بالسعر، ولكن هو يريد أن يسافر إلى أوروبا مع أولاده حتى يتمكن من علاجهم.