الخميس 13 يناير 2022 09:43 ص

لم يكن الناشط الحقوقي المصري الفلسطيني "رامي شعث"، منسق حملة مقاطعة إسرائيل في مصر، هو الأول بين السجناء السياسيين الذي تنازل عن الجنسية المصرية، مقابل الإفراج عنه وترحيله خارج البلاد.

وسلط خبر الإفراج عن "رامي" الضوء مجددا على ملف الحريات في مصر ومسألة تنازل النشطاء عن جنسيتهم مقابل الحصول على حريتهم قبل أن يتحول النقاش إلى سجال حول مفهوم الوطن والانتماء.

وعبر كثيرون، بينهم حقوقيون وأفراد عائلته، عن سعادتهم لرؤية "شعث" حرا طليقا، إلا أنهم اعتبروا الخطوة فرحة منقوصة ومشوبة بالألم. فمنهم من أعرب عن استيائه من "إجبار رامي على التنازل عن جنسيته المصرية كشرط للإفراج عنه".

واستنكر مدونون وحقوقيون "أسلوب المساومة التي تنتهجه بعض الحكومات للضغط على الناشطين وربط حريتهم بالتنازل عن جنسيتهم " وقال بعضهم إن "قضية رامي كشفت زيف ما يردده البعض عن تمتع المصريين بحرية التعبير".

وخلال السنوات الماضية لجأ العديد لهذه الوسيلة للإفلات من الاحتجاز على ذمة قضايا رأي واتهامات وجهت لهم بـ"الانضمام لجماعة إرهابية" في إطار القانون المصري رقم 140 لسنة 2014، الذي يسمح بتسليم المحكوم عليهم في قضايا داخل الأراضي المصريّة، ويحملون جنسيّة أخرى أو جنسيّة مزدوجة إلى دولهم خارج مصر شرط التنازل عن الجنسية المصرية أولا.

وبعد 900 يوم من الحبس الاحتياطي على ذمة قضية عُرفت إعلاميا بقضية "تحالف الأمل" نسبة إلى إقدام عدد من المعارضين المصريين على تشكيل تحالف كان من المفترض أن يخوض انتخابات مجلس النواب الأخيرة، وبعد وضعه على قوائم الإرهاب لمدة 5 سنوات، أفرجت السلطات المصرية عن "رامي شعث"، ورحلته إلى خارج البلاد؛ حيث وصل إلى فرنسا، السبت الماضي.

وفي الوقت الذي رحبت فيه منظمات حقوقية في بيان بالإفراج عن "شعث"، إلا أنها أعربت عن استيائها من اضطراره للتخلي عن جنسيته المصرية من أجل ضمان الإفراج عنه.

واعتقل "شعث" لأول مرة في يوليو/تموز 2019، من منزله في القاهرة، أمام زوجته "سيلين ليبرون شعث"، فقط من أجل ممارسته السلمية لحقوقه في التعبير عن رأيه والمشاركة في الشأن العام.

وبشكل تعسفي، رُحلت "سيلين" بعد ذلك إلى بلدها فرنسا بعدما حُرمت من الحصول على الدعم القنصلي من سفارة بلادها، بينما أُخفي "رامي" قسريا قبل أن يتم حبسه احتياطيا لأكثر من عامين في قضية "تحالف الأمل". وتم إعلان "رامي" سجين رأي من قبل مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي.

قائمة طويلة

ولم يكن "رامي" الوحيد الذي اضطر للتنازل عن جنسيته المصرية لإنهاء فترة احتجازه؛ حيث سبقه لذلك العديد من النشطاء السياسيين والباحثين من حاملي الجنسيات المزدوجة.

ففي يوليو 2020، أفرجت السلطات المصرية عن طالب الطب الأمريكي من أصول مصرية "محمد عماشة" بعد أن مضى أكثر من عام على سجنه.

وتم الإفراج عن "عماشة" بعد 486 يوما من الاحتجاز التعسفي، على خلفية احتجاجه في ميدان التحرير بوسط القاهرة، وحمله لافتة كتب عليها "الحرية لجميع السجناء".

واتهمته السلطات وقتها بـ"إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومساعدة جماعة إرهابية". 

الناشط المصري الأصل الأمريكي الجنسية "محمد سلطان" أيضا كان واحدا من الذين أفرجت عنهم السلطات المصرية مقابل التنازل عن الجنسية المصرية، وكان ذلك عام 2015.

وجاء ذلك بعد صدور حكم ضده بالسجن المؤبد في القضية المعروفة إعلاميا بـ"غرفة عمليات اعتصام رابعة".

ومغردا على إطلاق سراح "رامي" مقابل التخلي عن جنسية المصرية، قال "سلطان"، عبر "تويتر": "أن تُخير بين حريتك وجنسية بلدك هو اختيار سهل؛ فالحرية تأتي أولا دائما وأبدا، ولا يُنقص (التخلي على الجنسية مجبرا) من انتمائك لبلدك لأنه في القلب".‏

وأضاف: "النظام الذي يشترط تنازل الجنسية للتمتع بأبسط حقوق المواطنة في الحرية والحياة؛ فهو نظام يؤكد على فلسفته القمعية وهي: أن تكون مواطنا يعني بالضرورة أن لا تكون حرا".

وكان "سلطان" متهما في قضية غرفة عمليات رابعة العدوية، وصدر ضده حكم بالمؤبد 25 عاما، ودخل في إضراب عن الطعام استمر نحو 495 يوما، ولُقب بصاحب أطول إضراب عن الطعام في العالم.

مع ذلك، لم تلق السلطات المصرية بالا بإضراب الشاب عن الطعام، الذي مثّل تهديدا لحياته؛ مما اضطره في نهاية المطاف إلى التنازل عن جنسيته المصرية والاحتفاظ بالجنسية الأمريكية، التي كانت كفيلة بخروجه من السجن في مايو/أيار 2015.

وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أصدر الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" القانون رقم 140 لعام 2014، الذي يسمح بتسليم المحكوم عليهم في قضايا داخل الأراضي المصرية، ويحملون جنسية أخرى أو جنسية مزدوجة إلى دولهم خارج مصر شرط التنازل عن الجنسية المصرية أولا.

وارتبط صدور القانون بالقضية المعروفة إعلاميا بـ"خلية ماريوت"، التي قُبض فيها على عدد من صحفيي شبكة "الجزيرة" في 29 ديسمبر/كانون الأول 2013؛ بتهمة "نشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بأمن البلاد". ومن أبرز الذين اتهموا في القضية الأسترالي "بيتر جريسته"، والمصري الذي يحمل الجنسية الكندية "محمد فهمي".

وعقب صدور القانون، تنازل "فهمي" عن جنسيته المصرية في فبراير/شباط 2015؛ ليسري عليه القانون الصادر بعد 13 شهرا من الاحتجاز.

كما تم الإفراج عن "باتريك جورج زكي" عقب تصويت مجلس الشيوخ الإيطالي بالموافقة على اقتراح مقدم من اثنين من أعضائه، بشأن منح الجنسية الإيطالية استثنائيا للناشط المصري، ليتم الإفراج عنه الشهر الماضي بعد نحو عامين من اعتقاله، مع استمرار محاكمته بتهمة "نشر أخبار كاذبة من شأنها المساس بأمن البلاد".

سعيد الحظ

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، اعتبرت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" -في تقرير لها- المواطن المصري الذي تزدوج جنسيته، خاصة إن كانت لدولة غربية، شخصا سعيد الحظ.

وقالت المنظمة إن الجنسية الأجنبية يمكنها أن تتيح فرصة الحرية للمعتقل المصري، مشيرة إلى أحوال المعتقلين داخل مقرات الاحتجاز المعروفة بعدم مطابقتها للمواصفات.

وفي بعض الحالات أنقذت الجوازات الأجنبية أصحابها من براثن السجن، لكنها فشلت مع آخرين؛فواجهوا الموت أو استمرار العيش داخل الزنازين.

ولم يحالف الحظ البعض مثل "رامي" و"سلطان" و"عماشة" و"فهمي"؛ فالقدر لم يمهل "مصطفى قاسم" الأمريكي الجنسية الفرصة لنيل حريته رغم تقدمه بطلب للتنازل عن الجنسية المصرية.

ففي مطلع يناير/ كانون الثاني 2020، توفي "قاسم" بعد إضرابه عن الطعام بشكل متكرر لإطلاق سراحه منذ سبتمبر/أيلول 2018 بعد صدور الحكم عليه، فيما يعرف بقضية "فض اعتصام رابعة"، التي حوكم فيها مع 600 آخرين.

وكان "قاسم" قدم أوراق التنازل عن جنسيته المصرية مع الاحتفاظ بالجنسية الأمريكية للإفراج عنه.

لكن الوضع كان مختلفا في حالة الناشطة في مجال حقوق الإنسان "آية حجازي"، التي رفضت عرضا من السفارة الأمريكية بالقاهرة للتنازل عن جنسيتها المصرية والاحتفاظ بجنسيتها الأمريكية مقابل الإفراج عنها.

واهتمت الإدارة الأمريكية بحالة "آية"، وهو ما تُرجم في شكل تلقي واشنطن وعدا من جانب النظام المصري بالإفراج عن الشابة، وهو ما حدث بالفعل في أبريل/نيسان 2017؛ عندما حصلت على البراءة، ونقلتها طائرة عسكرية أمريكية إلى الولايات المتحدة لتلتقي الرئيس الأمريكي آنذاك "دونالد ترامب" في البيت الأبيض.

مصير مجهول

ولا يبدو التنازل عن الجنسية المصرية ملاذا آمنا لكل المعتقلين مزدوجي الجنسية؛ فهناك من يواجه مصيرا مجهولا بسبب التعنت غير واضح الأسباب من جانب السلطات في مصر.

فهناك حالات قدمت طلبات رسمية للتنازل عن الجنسية المصرية من دون رد بالموافقة أو الرفض من جانب الجهات المعنية، من بينها المعتقلة "نجلاء يونس" التي تحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية.

وكشف مركز "الشهاب لحقوق الإنسان" (مصري غير حكومي) عن أن "نجلاء" سبق أن قدمت طلبا بالتنازل رسميا عن الجنسية المصرية وترحيلها إلى موطن جنسيتها الولايات المتحدة.

وفي بيان له، أكد مركز الشهاب أن السلطات المصرية لم ترد على طلب المعتقلة، لافتا إلى الانتهاكات التي تتعرض لها، وسط ظروف الاحتجاز غير الآدمية.

أما الشاب المصري الأمريكي "أحمد حسن" (19 عاما)، القابع في السجون المصرية، فلم يجد أمامه سوى كتابة رسالة إلى الرئيس الأمريكي آنذاك "ترامب"، يطلب فيها التدخل عند السلطات المصرية لإطلاق سراحه.

وجاء في رسالة "حسن": "أنا في زنزانة مع أكثر من عشرين شخصا من البالغين، ومن المخيف أن أكون هنا، سيدي الرئيس، الرجاء مساعدتي، أريد أن أكون مع عائلتي وأصدقائي، أنا فخور بأن أكون أمريكيا، وأتوسل إليكم في الدفاع عني من أجل إطلاق سراحي". 

دور محوري للأيديولوجية

من جهته، قال وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى السابق في مصر "عزالدين الكومي" إن أيديولوجية المعتقل تلعب دورا محوريا في تدخل سفارة البلد التي يحمل جنسيتها لإنقاذه من السجن.

وأوضح "الكومي"، في تصريحات صحفية، أن الدول الغربية تهتم بالمعتقلين ذوي الأيديولوجيات اليسارية والليبرالية، وتسعى بكل جهدها مع السلطة المصرية للإفراج عنهم.

ورأى أن الاهتمام بالمعتقلين من ذوي الميول الوطنية والإسلامية يقل لدرجة الانعدام لدى الدول الأجنبية.

وأمام المصير المجهول لكثير من المعتقلين مزدوجي الجنسية، ترجح بعض التفسيرات أن النظام المصري يلصق تهمة الانضمام إلى "تنظيم الدولة" للمعتقل من أجل غلق الباب في وجه الحكومات الأجنبية التي تسعى للإفراج عنه.

واعتبر "الكومي" أن الحكومات الأجنبية لا تنخدع بهذه المبررات التي يحيكها النظام المصري.

وتابع: "حتى لو سلمنا بأن المعتقل ينتمي لتنظيم الدولة؛ فمن حقه محاكمة عادلة وظروف احتجاز آدمية".

وتقدر منظمات حقوقية عدد الموقوفين السياسيين في مصر بنحو 60 ألف، لكن القاهرة تنفي قطعيا هذه الاتهامات، وتقول إنها "لا تزال تخوض حربا ضد الإرهاب وتتصدى لمحاولات زعزعة استقرار البلاد".

المصدر | الخليج الجديد