الجمعة 14 يناير 2022 12:13 ص

أثار تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا، التي كان من المقرر إجراؤها في أواخر ديسمبر/كانون الأول، مخاوف جدية بشأن مستقبل البلاد. وبالرغم من وجود نقاش حول إمكانية إجراء الانتخابات الآن في أواخر شهر يناير/كانون الثاني، إلا أنه من غير المؤكد أن يتم ذلك بالفعل.

وينتشر الاستياء بين الليبيين حيث يرون أن المرشحين الرئاسيين البارزين إما يمثلون الماضي أو لديهم طموحات من المرجح أن تعيد ليبيا إلى الحكم الاستبدادي.

ومع ذلك، فإن تركيز المجتمع الدولي على الانتخابات باعتبارها علاجا لمشاكل ليبيا لا يعد صائبا حيث يتجاهل المشاكل الأساسية في البلاد مثل الفساد المستشري والافتقار إلى سيادة القانون وانتشار الميليشيات إلى جانب المرتزقة الأجانب.

وليس من الواضح إذا كانت الانتخابات الرئاسية في هذه البيئة ستؤدي إلى استقرار البلاد حيث من المرجح أن يعلن الجانب الخاسر عدم قبول النتائج. وبينما يعود الأمر في النهاية إلى الليبيين أنفسهم لإحداث التغيير وتشكيل حكومة تمثيلية، نظرا للتأثير الأجنبي الواسع في البلاد، يجب على المجتمع الدولي القيام بعمل أفضل بكثير من مجرد عقد الاجتماعات وإصدار البيانات حول المسألة الليبية.

الجهد العسكري يجلب بعض الأمل في البداية

وعلى مدى عقد من الزمان، أصبحت ليبيا غارقة في العنف بشكل متزايد. وبالرغم من وجود صراعات داخل الصراعات، كانت الأزمة الرئيسية هي الصراع بين مجلس النواب في طبرق الذي يدعمه الجنرال "خليفة حفتر" وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس التي تدعمها ميليشيات مختلفة.

وفي ربيع عام 2019، شن "حفتر" حملة عسكرية للسيطرة على طرابلس لكنها فشلت مع تدخل تركيا في الصراع. ومع تراجع قوات "حفتر" إلى شرق البلاد، تحول الموقف إلى جمود عسكري في عام 2020.

وتوسط المجتمع الدولي في وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020 فيما رعت الأمم المتحدة لاحقا عملية أصبحت تعرف باسم "منتدى الحوار السياسي الليبي"، الذي ضم 75 مندوبا من مناطق مختلفة من البلاد. ثم قامت هذه المجموعة بتعيين حكومة وحدة وطنية بقيادة رجل الأعمال "عبد الحميد الدبيبة".

وكانت المهمة الرئيسية لهذه الحكومة المؤقتة هي ترتيب انتخابات رئاسية وبرلمانية تجري في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021. وكان الأمل أن تسمح الانتخابات لليبيين بتسوية نزاعاتهم من خلال صندوق الاقتراع بدلا من البندقية، وأن يكون لديهم ممثل حقيقي وحكومة موحدة.

تعقّد القضايا وتأجيل الانتخابات

واجهت العملية الانتخابية عراقيل جدية. وانتقد المجلس الأعلى للدولة، ومقره طرابلس، القواعد الانتخابية التي وضعها مجلس النواب في طبرق. وكرر "الدبيبة" هذه الانتقادات. كما دعا كل من المجلس الأعلى للدولة و"الدبيبة" إلى تأجيل الانتخابات.

وتعقدت الأمور أكثر مع ظهور المرشحين الرئاسيين المثيرين للجدل. وأعلن "سيف الإسلام القذافي" في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2021 ترشحه للانتخابات الرئاسية. وفي البداية تم استبعاده من قبل لجنة الانتخابات الليبية لكنه عاد بحكم قضائي. وبعد ذلك بوقت قصير، قدم "حفتر" أيضا أوراق ترشحه كما فعل "الدبيبة". وبالرغم أن 98 مرشحا سجلوا أسماءهم للتنافس على الرئاسة، فقد حاز هؤلاء الثلاثة على أكبر قدر من الاهتمام.

وفي حين أن هؤلاء المرشحين يحظون بالدعم من الفصائل المختلفة في ليبيا، إلا أنه لا يُنظر إليهم على أنهم قادرين على توحيد الليبيين باستثناء "الدبيبة" نسبيا بالرغم أن نجمه تراجع لأنه نكث بوعده بعدم الترشح للرئاسة.

ويعتقد الكثير من الليبيين أنه إذا فاز "القذافي" أو "حفتر"، فستكون هناك عودة إلى إراقة الدماء في البلاد لأن الجانب الخاسر لن يقبل النتائج. وبالنظر إلى هذه القضايا الخلافية، بالإضافة إلى عدم قدرة لجنة الانتخابات على إنهاء قائمة المرشحين للرئاسة، أعلنت مفوضية الانتخابات في 22 ديسمبر/كانون الأول تأجيل الانتخابات. وخرج مئات الليبيين في مدن مختلفة إلى الشوارع للاحتجاج على التأجيل.

انتخابات جديدة

وبعد إعلان التأجيل، اقترحت لجنة الانتخابات أن يكون 24 يناير/كانون الثاني هو الموعد الجديد لهذه المنافسة. لكن هذا التاريخ غير مقبول عالميا. وشكل مجلس النواب في طبرق لجنة لبحث الأمر وأصدر تقريرا في 27 ديسمبر/كانون الأول يفيد بأن تحديد موعد جديد للانتخابات في هذه المرحلة أمر محفوف بالمخاطر.

ومع ذلك، أوصت اللجنة البرلمانية "بخارطة طريق جديدة وواقعية وذات مراحل محددة، بدلا من تحديد مواعيد جديدة وتكرار نفس الأخطاء". كما دعت إلى تشكيل لجنة جديدة لصياغة دستور جديد للبلاد، رغم عدم التوصل إلى قرارات بعد.

وفي غضون ذلك، أعلن "الدبيبة" أنه سيبقى رئيس الوزراء المؤقت. ورفض منتقدوه هذا القرار وقالوا إن "الدبيبة" وحكومته فشلوا في إعداد البلاد للانتخابات وتوحيد مؤسساتها وتفكيك الميليشيات أو ضمها إلى القوات المسلحة النظامية.

ودعت اللجنة المذكورة نفسها في مجلس النواب إلى إعادة تشكيل الحكومة المؤقتة في طرابلس، قائلة إن ولاية "الدبيبة" كان يجب أن تنتهي في 24 ديسمبر/كانون الأول.

رد المجتمع الدولي

وأصدر عدد من الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا، بيانا مشتركا في 24 ديسمبر/كانون الأول دعا إلى تطبيق إطار زمني جديد للانتخابات في أقرب وقت ممكن. وأشارت هذه الدول إلى ضرورة بقاء حكومة "الدبيبة" في السلطة لحين إعلان نتائج الانتخابات.

وفي 12 نوفمبر/تشرين الثاني، اجتمعت هذه المجموعة في باريس للمصادقة على خطط الانتخابات الليبية، لذلك أصيبت بخيبة أمل واضحة عندما تم تأجيل الانتخابات. وقال مسؤول أمريكي إن إدارة "بايدن" تعتقد أن الحكومة الليبية المنتخبة سيكون لها "ثقل" أكبر لإجبار القوات العسكرية الأجنبية على مغادرة البلاد، بالرغم أن دبلوماسيا غربيا آخر حذر من أنه سيتعين على الليبيين الاتفاق على نزاهة الانتخابات لاعتبارها شرعية.

وأصدرت مستشارة الأمم المتحدة الخاصة لليبيا "ستيفاني ويليامز" بيانا أكثر تحفظا في 23 ديسمبر/كانون الأول في أعقاب التأجيل. وقالت إنها "مستعدة من خلال الوساطة والمساعي الحميدة للأمم المتحدة، للعمل مع المؤسسات الليبية المعنية والمحاورين لمواجهة تحديات الانتخابات". كما دعت المسؤولين الليبيين إلى "احترام ودعم إرادة 2.8 مليون ليبي سجلوا أسماءهم للتصويت".

وفي غضون ذلك، أكد الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" في بيان مكتوب، عبر المتحدث باسمه، أن "الانتخابات الرئاسية والبرلمانية يجب أن تجري في ليبيا في الظروف المناسبة لإنهاء الانتقال السياسي سلميا ونقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة ديمقراطيا".

مشكلة الميليشيات والقوى الأجنبية

وعلى مدى الأعوام العديدة الماضية، دعا المجتمع الدولي إلى الكف عن إرسال أسلحة وقوات عسكرية إلى ليبيا. وبالفعل، نص جزء من اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020 على أنه ينبغي سحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة خلال 3 أشهر وأن على جميع الأطراف احترام حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. ولكن لم يتم احترام أي من هذه الشروط.

وفي أعقاب تأجيل الانتخابات، اتهمت منظمة العفو الدولية الميليشيات الليبية بخنق المجتمع المدني، وقمع أصوات المعارضة، ومهاجمة مسؤولي الانتخابات. وساهمت القوات الأجنبية في زعزعة الاستقرار في البلاد. وحصل "حفتر" على مساعدة من المرتزقة الروس من مجموعة "فاجنر" سيئة السمعة، التي يقال إن قادتها قريبون من الكرملين. بالإضافة إلى ذلك، ساعدت مصر والإمارات قوات "حفتر" بالسلاح والضربات الجوية، في حين أدخلت تركيا عدة آلاف من المرتزقة السوريين إلى البلاد تحت إشراف ضباط أتراك.

وبالرغم من تعهد جميع اللاعبين الأجانب بسحب قواتهم ومستشاريهم من الصراع الليبي، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك. وأدى ذلك إلى تفاقم الاضطرابات في البلاد. وأعلنت فرنسا في أوائل يناير/كانون الثاني الجاري أن نحو 300 مرتزق أجنبي، يقال إنهم من تشاد وكانوا يساعدون قوات "حفتر"، غادروا ليبيا في أواخر عام 2021. لكن هذا العدد لا يمثل سوى جزء صغير من المرتزقة الأجانب الذين يقدر عددهم بـ 20 ألفا في البلاد. وقد لعبت فرنسا نفسها دورا مزدوجا في ليبيا في الأعوام الأخيرة، حيث تعهدت بدعم حكومة موحدة في نفس الوقت الذي ساعدت فيه "حفتر" في الصراع.

النفط والاقتصاد والفساد

ويعتمد جزء كبير من الاهتمام الأجنبي بليبيا على احتياطياتها النفطية الكبيرة وموقعها الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط. وتأمل العديد من الحكومات الأجنبية في الحصول على عقود نفطية مربحة بمجرد استقرار الوضع في ليبيا. لكن عائدات النفط غالبا ما تغرق في مستنقع الفساد، وهناك تصور واسع بين الشعب الليبي أن الشخصيات السياسية الحالية لها دور في ذلك.

وربما للتعامل مع هذا التصور، أعلن المدعي العام الليبي في أوائل يناير/كانون الثاني 2022 أن وزير الثقافة الليبي قد تم اعتقاله لسوء استخدام الأموال العامة وتزوير وثائق رسمية لإخفاء المخالفات المالية. ومع ذلك، فإن هذا الحادث هو مجرد قطرة في بحر من مشكلة أكبر بكثير.

وفي إشارة إلى التصور الشعبي لانتشار الفساد، قال رجل أعمال في ليبيا لمراسل غربي: "لا أؤمن بأي منهم (المرشحين للرئاسة). كلهم لصوص".

توصيات بخارطة طريق جديدة

وفي حين أنه من المفهوم أنه بعد عقد من الصراع والحرب الأهلية، يريد المجتمع الدولي وكذلك العديد من الليبيين إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، فإن الحقيقة هي أن الانتخابات في حد ذاتها لا تضع نهاية للصراعات.

وحتى في ديمقراطية متقدمة مثل الولايات المتحدة، رأى الأمريكيون في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 حدثا مثيرا للاستقطاب، ولا يزال جزء كبير من الشعب الأمريكي يعتقد أن النتيجة مزورة. وهناك خوف في ليبيا من أنه إذا فاز "حفتر" أو "القذافي"، فإن الجانب الخاسر سيدعي تزوير الانتخابات وستبدأ دوامة العنف من جديد. علاوة على ذلك، يشعر الليبيون الذين يتطلعون إلى حكومة ديمقراطية أنه إذا انتصر أحد هؤلاء المرشحين، فسيعود الاستبداد.

ولتهدئة مثل هذه المخاوف، قد يكون من المنطقي أن يبدأ الليبيون بصياغة دستور جديد للبلاد لتحديد السلطات الفعلية للرئيس والبرلمان وضمان الحريات الشخصية لجميع المواطنين. فبدون دستور جديد، من المحتمل أن يستمر التوتر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما أظهر العقد الماضي.

ثانيا، لا بد من إجراء الانتخابات النيابية قبل الانتخابات الرئاسية. لأن البرلمان سيتألف من فصائل مختلفة من المجتمع، وسيكون الليبيون من مختلف الولاءات الإقليمية والأيديولوجية قادرين على رؤية مصالحهم ممثلة في الهيئة التشريعية الجديدة. ومن شأن ذلك أن يؤكد لهم على الأقل أن ممثليهم سيكون لهم رأي في صياغة القوانين. وبمجرد تشكيل البرلمان، يمكن إجراء انتخابات رئاسية حيث سيتعين على الفائز مواجهة هيئة تشريعية يفترض أن يكون لها سلطات كبيرة وتمثل الشعب على نطاق واسع. 

ثالثا، يجب دمج الميليشيات في البلاد في جيش ليبي جديد. ولن تكون هذه مهمة سهلة، ولكن إذا عاد الاستقرار إلى البلاد بعد اتخاذ الخطوات السابقة، فمن المرجح أن تزداد صادرات النفط وعائداته، ما يسمح للحكومة بدفع رواتب مثل هذا الجيش المتكامل، على عكس الوضع القائم. 

رابعا، يجب على المجتمع الدولي القيام بدور أكبر في فرض حظر بيع الأسلحة داخل ليبيا وإجبار القوات الأجنبية والمرتزقة على المغادرة. ومن الواضح أن التشدق بهذه السياسات ليس كافيا. وفي ظل الاهتمام الأجنبي بالنفط وعقود العمل في ليبيا، يجب تكليف الأمم المتحدة بتسمية وفضح الدول التي تستمر في انتهاك هذه السياسات.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجتمع الدولي إقناع البرلمان الليبي الجديد بحظر أي عقود نفطية أو أعمال تجارية أخرى مع الحكومات والشركات الأجنبية حتى يتم سحب جميع القوات الأجنبية من البلاد.

ومع عدد سكان صغير نسبيا يبلغ نحو 7 ملايين شخص واحتياطيات نفطية كبيرة، يمكن أن يكون لليبيا مستقبل مشرق إذا امتنعت الحكومات الأجنبية عن استخدام البلاد كساحة لتحقيق المزيد من المصالح وإذا تم تحقيق الاستقرار وتمثيل مكونات الشعب في البرلمان وليس في الميليشيات. لكن الوصول إلى هذا الهدف سيكون مهمة صعبة للغاية.

المصدر | جريجوري أفتاندليان/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد