الأحد 13 فبراير 2022 10:20 ص

على مدار أكثر من عام، واصل الرئيس الأمريكي "جو بايدن" غض الطرف عن انتهاكات النظام المصري، مقدما له الدعم بصور مختلفة عسكريا ودبلوماسيا واقتصاديا.

وعلى الرغم من الآمال التي كانت معلقة بـ"بايدن"، حينما تعهد لدى توليه سدة الرئاسة الأمريكية عدم منح أي "شيكات على بياض" للرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، فإن الممارسات القائمة على أرض الواقع كانت داعمة للرجل الذي وصف في وقت سابق بأنه "ديكتاتور ترامب (الرئيس الأمريكي السابق) المفضل".

وبات من الواضح بشكل جلي، أن موقف الإدارة الأمريكية تجاه نظام "السيسي" يشهد ليونة سياسية كبيرة، وتفاهمات عدة، لن يكون مفاجئاً معها أن تواصل إدارة "بايدن" صرف الشيكات على بياض لنظام "السيسي".

المكافآت تتوالى

بينما تواصلت حملة "السيسي" لقمع المعارضين، وملاحقته المجتمع المدني، لم يتجاوز المبلغ الذي حجبه "بايدن" من المساعدات المقدمة لمصر 130 مليون دولار، وهو مبلغ لا يساوي سوى نسبة 10% من 1.3 مليارات دولار تقدمها الولايات المتحدة كمساعدات سنوية للقاهرة.

وكانت منظمات حقوق الإنسان تمني نفسها بحجب كامل مبلغ الـ 300 مليون دولار، المتبقية من المساعدات المقررة لمصر سنويا، لكن قرار "بايدن" اعتبر "خيانة لالتزامه تجاه حقوق الإنسان وحكم القانون"، وفق صحف أمريكية.

وتعلق شبكة "بلومبرج" الأمريكية، على الموقف الحاصل، بالقول إن "بايدن لا يعاقب السيسي بل يربت على يديه"، مذكرة البيت الأبيض بالسجل الرهيب للحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان، وقائمة انتهاكاتها الطويلة من القتل خارج القانون، واعتقال المعارضين السياسيين، والإخفاء القسري، وحجب الصحف، والتضييق على المجتمع المدني.

ويقضي القانون الأمريكي أن يقوم وزير الخارجية بإصدار شهادة بأن القاهرة قامت "بخطوات فعالة ودائمة" لتحسين سجلها الحقوقي قبل الإفراج عن المال، لكن وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" مارس امتيازاته باستثناء 170 مليون دولار من هذه الشروط.

وإضافة إلى المكافأة السابقة، جاءت موافقة الإدارة الأمريكية أخيرا على صفقة محتملة تشمل أجهزة رادار للدفاع الجوي وطائرات من طراز سي-130 إلى مصر بقيمة إجمالية تزيد عن 2.5 مليار دولار، لتزيد الشكوك حول وعود "بايدن" الانتخابية تجاه ملف حقوق الإنسان في مصر.

وقبل أيام، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال "فرانك ماكينزي"، القاهرة، وبحث مع وزير الدفاع المصري "محمد زكي"، التعاون العسكري، مقللا من قرار خفض المعونة، بالقول إنه "لا يمثل سوى جزء يسير من المساعدات التي تخصصها الولايات المتحدة لمصر سنويا والبالغة 1.3 مليارات دولار".

دعم دولي

بموازاة المكافآت الأمريكية، يمكن القول إن نظام "السيسي" حصل على 3 مكافآت دولية أخرى خلال عام، ربما بضوء أخضر أمريكي، أو على الأقل دون فيتو معارض من البيت الأبيض.

المكافأة الأولى، كانت منح الرئيس المصري، أول مشاركة له دوليا في قمة المناخ بمدينة جلاسكو الأسكتلندية، بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" الذي تولت بلاده رئاسة القمة رقم 26، نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وجاءت المكافأة الثانية باختيار مصر لاستضافة قمة الأمم المتحدة المقبلة للمناخ، والمقرر عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، على الرغم من أزمة حقوق الإنسان العميقة في البلاد.

ووفق نائب مدير قسم الشرق الأوسط في "هيومن رايتس ووتش"، "جو ستورك"، فإن "منح مصر حق استضافة قمة المناخ 27 خيار سيئ جدا ويُكافئ الحكم القمعي للرئيس السيسي".

وكانت المكافاة الثالثة والأكثر فجاجة، ترشيح مصر بالاشتراك مع الاتحاد الأوروبي لرئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، مارس/آذار المقبل، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تكريما على الجرائم التي يرتكبها نظام "السيسي"، ومؤشرا خطيرا على قبول الاتحاد الأوروبي للانتهاكات المصرية المرتكبة بحق المعارضين.

وتعلق المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا، على تلك المكافآت، بالقول في بيان صادر عنها: "إلى جانب التعامي الدولي عن انتهاكاته المنهجية بحق المعارضين، يحصل هذا النظام على كمٍّ هائل من المساعدات العسكرية، ويحظى بالاستقبال الدبلوماسي التقليدي في مختلف المحافل الدولية، بل يُدعى لترأس منتديات دولية ذات صلة وثيقة بما يمارسه من جرائم".

مصالح أمريكية

ويلقى موقف "بايدن" انتقادات في الداخل الأمريكي، عبر عنها السيناتور الديمقراطي "كريس ميرفي"، واصفا خطوة الحجب الأخيرة للمساعدات بأنها "تطبيق فاتر للقانون"، ومحذرا من استفادة الديكتاتوريين الآخرين من هذا.

ويرى الكاتب الأمريكي من أصل هندي "بوبي غوش"، أن "بايدن" خفف موقفه تجاه "السيسي" عندما ساعدت مصر على التوسط بوقف الحرب في غزة بين "حماس" وإسرائيل، مايو/أيار الماضي، مشيرا إلى أن الرئيس المصري حصل على نقاط أخرى في واشنطن عندما استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" في شرم الشيخ، سبتمبر/أيلول الماضي.

وتبرر نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط "دانا سترول"، الموقف الأمريكي تجاه "السيسي"، بأن مصر تؤدي دورا بناء في ما يتعلّق بأمن الحدود وليبيا وسد النهضة والنزاع في غزة، مشيرة كذلك إلى الطلعات الجوية للجيش الأميركي وحركة عبور قناة السويس، وذلك خلال إفادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أغسطس/آب الماضي.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن العلاقة مع القاهرة معقدة، بالنظر إلى أن مصر هي أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان وحليف مهم للولايات المتحدة، وإن الصفقة التي تبلغ قيمتها 2.5 مليار دولار تخدم المصالح الأمريكية بشكل محدد، بحسب "رويترز".

ووفق الدبلوماسية الأمريكية السابقة "ميشيل دن"، فإن دور مصر في التوسط باتفاقيات السلام في الشرق الأوسط وتعاونها في مكافحة الإرهاب ومعاملتها التفضيلية للسفن والطائرات الأمريكية التي تعبر قناة السويس والمجال الجوي المصري دائما ما تفوقت على الطبيعة الديكتاتورية للحكومة المصرية.

بشكل جازم، يمكن القول إن إدارة "بايدن" كافأت نظام "السيسي" بسخاء بالرغم من أنه أحد أكثر الأنظمة استبدادا في العالم، وفق تقاير حقوقية، لكن لغة المصالح تؤكد أن الشيكات على بياض ستتواصل مستقبلا، طالما ظل الحليف المصري محافظا على المصالح الأمريكية، بصرف النظر عن سجله السيء في ملف حقوق الإنسان.

المصدر | الخليج الجديد