الخميس 3 مارس 2022 06:56 ص

تواجه العلاقات المتوترة تاريخيًا بين تركيا وروسيا اختبارًا جديدًا مع غزو القوات الروسية لأوكرانيا واصطفاف حلفاء أنقرة الغربيين في جبهة لعزل ومعاقبة موسكو.

ومن المرجح أن تقاوم تركيا الضغط للانضمام إلى حملة عزل موسكو، نظرا لحاجتها إلى علاقات مستقرة مع روسيا.

وتعتمد تركيا على السياح الروس والطاقة الروسية، كما أن موسكو مهمة بالنسبة لأنقرة من الناحية الدبلوماسية ولتنويع علاقاتها الدفاعية بعيدًا عن الناتو.

لذلك تتردد تركيا في تبني استراتيجية العقوبات الغربية، وقد تجنبت أنقرة حتى الآن تخفيض العلاقات الاقتصادية مع روسيا.

موازنة صعبة

في 27 فبراير/شباط، قالت تركيا إنها ستفعّل أحكام معاهدة "مونترو" التي تسمح لها بإغلاق مضايقها الرئيسية أمام البلدان المنخرطة في حرب.

ومع ذلك، تمسكت أنقرة أيضًا بشروط المعاهدة التي تسمح للسفن الحربية الروسية بالعودة إلى قواعدها، مما يجعل هذه الخطوة غير فعالة في تغيير ديناميات حملة موسكو العسكرية الجارية، خاصة أن السفن الروسية اللازمة للغزو كانت موجودة بالفعل.

وما لم تستفز موسكو أنقرة مباشرة بطريقة ما، فإن التدابير التي تتخذها تركيا ضد روسيا من المرجح أن تظل رمزية إلى حد كبير.

وهناك علاقات اقتصادية ودفاعية عميقة بين تركيا وروسيا.

وفي 2020، كانت روسيا عاشر أكبر سوق للصادرات التركية، كما كانت روسيا ثالث أكبر مصدر للواردات إلى تركيا في نفس العام.

وبالإضافة إلى ذلك، وصل عدد السياح الروس إلى 4.7 مليونًا من أصل 24.7 مليونا زاروا تركيا في 2021.

ويجري على الأراضي الروسية 21% من أنشطة البناء التركية في الخارج، كما إن 64% من القمح الذي تستورده تركيا يأتي من روسيا.

واشترت تركيا منظومة الصواريخ الروسية "S-400" لتنويع قطاع الدفاع لديها.

وفي المقابل، فإن علاقات تركيا مع أوكرانيا أقل من تلك التي لديها مع روسيا، ولكنها لا تزال مهمة لأنقرة.

وكانت أوكرانيا هي السوق العشرين للصادرات التركية في 2021، فيما زار أكثر من 2 مليون أوكراني تركيا في نفس العام.

كما أن 13.4% من القمح الذي تستورده تركيا يأتي من أوكرانيا، وباعت تركيا أيضًا طائرات "بيرقدار تي بي 2" المسيرة إلى أوكرانيا.

وفي فبراير/شباط 2022، وافقت على مشاركة إنتاج هذه الطائرات مع كييف.

وتسمح اتفاقية "مونترو" لتركيا بمنع السفن الحربية من المرور في المضائق أثناء الحرب، وهو ما فعلته خلال الحرب العالمية الثانية لمنع سفن المحور من مهاجمة الاتحاد السوفيتي، وكذلك خلال الحرب الروسية الجورجية عام 2008 لمنع السفن الأمريكية الكبيرة من دخول البحر الأسود.

خطورة الانتقام الروسي

وفي محاولة من تركيا لتجنب الانتقام الروسي وإظهار استقلالها عن الناتو، فإنها لن تمنع بشكل كامل النشاط العسكري الروسي في البحر الأسود، أو تقطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، أو تنضم إلى العقوبات الغربية المصممة لمنع الأعمال التجارية الروسية على المستوى الدولي.

وفي عام 2015-2016، فرضت روسيا عقوبات على تركيا بعد أن اندلعت توترات بشأن دعم الفصائل المتناحرة في الحرب الأهلية السورية.

وكجزء من العقوبات، أوقفت موسكو تذاكر السفر إلى تركيا، مما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار في السياحة الروسية التي كانت قد بدأت لتوها في التعافي.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، قصفت روسيا أيضًا قوات تدعمها تركيا في شمال غرب محافظة إدلب كانتقام من موقف تركيا في الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في تلك السنة، مما يدل على أن روسيا تستجيب للإجراءات المتخذة في مسرح ما بالانتقام في آخر.

وحاليا، ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة في تركيا بشكل كبير، ووصل معدل التضخم السنوي إلى نحو 50%، مما يجعل تركيا أكثر عرضة للتأثر بالقيود المفروضة على الصادرات الروسية من القمح والطاقة.

وضع لا يسمح بالمخاطرة

في سوريا، تدعم أنقرة جماعات مختلفة في إدلب التي تضم حوالي مليون لاجئ تخشى تركيا من تدفقهم إلى حدودها في حال حدوث توترات. 

ولا تزال حكومة "بشار الأسد" المدعومة من القوات الروسية والإيرانية بإمكانها إجراء عمليات عسكرية جديدة ضد القوات المدعومة من تركيا.

وكانت تركيا تأمل أن يكون موسم السياحي في الصيف القادم فرصة لتعافي معدل صرف عملتها مقابل العملات الأجنبية واستعادة قطاع السياحة لحيويته بعد الضربة الكبيرة التي تلقاها خلال جائحة "كوفيد- 19".

وفي يناير/كانون الثاني، اضطرت تركيا إلى خفض إمدادات الطاقة بنسبة 40% إلى مناطقها الصناعية بسبب انقطاع الغاز من إيران المجاورة.

وأثر ذلك على قطاع الصناعة الذي يعد قطاعًا حيويًا في تركيا.

ويجعل ذلك أنقرة أكثر حذرا لأي مخاطرة قد تعرضها لانقطاعات مستقبلية.

عدم الاستجابة للضغط

ومع استمرار غزو روسيا لأوكرانيا، من المرجح أن يصعّد الحلفاء الغربيون العقوبات وحملة عزل روسيا فيما ستتواصل الجهود لضم تركيا إلى الحملة.

لكن ما لم تستفز روسيا نفسها تركيا، فمن غير المرجح أن تحول أنقرة استراتيجيتها.

وفيما يفرض الغرب العقوبات على الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ودائرته الداخلية، فإن تركيا ستقاوم على الأرجح دعوات الانضمام إلى العقوبات الغربية عن طريق قطع علاقاتها الاقتصادية الكبيرة مع موسكو.

ومن المحتمل أيضًا أن تقاوم أنقرة دعوات قطع جميع العلاقات الدفاعية مع روسيا، مثل تفكيك منظومة الصواريخ الروسية "S-400" التي استلمتها تركيا، خوفا من أن تقوض هذه الخطوة حملة تركيا للاستقلال عن النفوذ الغربي.

ومع ذلك، فإن حسابات تركيا بشأن الانضمام إلى حملة عزل روسيا ستتغير بناء على الاستفزازات الروسية المحتملة، سواء كانت ضربات عرضية على الشحن التركي في البحر الأسود، أو ضرر للمدنيين الأتراك في الخارج، أو اندلاع جديد للقتال في سوريا بين المتمردين المدعومين من تركيا والقوات الروسية.

موقف على الحافة

في 24 فبراير/شباط، تم تدمير سفينة تركية في البحر الأسود بقذيفة، ولم تُلقِ تركيا بالمسؤولية على أحد بشكل فوري، لكن الهجوم يسلط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها الشحن التركي في المنطقة حيث يستمر القتال.

وإذا كانت روسيا مسؤولة بوضوح عن هجوم مستقبلي، فيمكن لتركيا فرض عقوبات على روسيا.

كما يمكن أن تضلّ صواريخ الدفاع الجوي وصواريخ المقاتلات الروسية طريقها وتضرب المناطق المدنية المحايدة أو السفن أو الطائرات.

وإذا تعرض المدنيون الأتراك لحادث مثل هذا، وحملت أنقرة المسؤولية لروسيا، فقد يقرّب هذا أنقرة من حملة الغرب لعزل روسيا.

وبالتزامن مع التحركات الاستفزازية من الحكومة السورية وحلفائها بالقرب من الأراضي التي تسيطر عليها تركيا لتذكير أنقرة بقدرتها على التصعيد بسرعة، تتزايد أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني مما يزيد من الاضطراب في كل من الأراضي التي تسيطر عليها تركيا والنظام السوري، وقد يحفز ذلك هجمات من قوات المعارضة لإجبار دمشق على زيادة المساعدات.

ويمكن أن تتصاعد هذه الهجمات وتجعل كلًا من تركيا وروسيا على جانبين مختلفين، مما يحفز تركيا على الاقتراب من حملة عزل روسيا.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد