الأربعاء 9 ديسمبر 2015 05:12 ص

كلنا، أو معظمنا، يتذكر اللقطة الشهيرة التي جمعت يوم 30 يونيو 2005 بين وزير البترول المصري «سامح فهمي»، ووزير البنية التحتية الإسرائيلي «بنيامين بن إليعازر»، ونتذكر معها التصفيق الحاد الذي دوّى في القاعة عقب تصافح الوزيرين بحرارة ملفتة لأنظار المتابعين لملف العلاقات بين البلدين.

كانت المناسبة هي توقيع الحكومة المصرية اتفاقا مع نظيرتها الإسرائيلية يقضي بتصدير الغاز المصري لـ(إسرائيل)، ولمن نسي الحدث، أو الجرم، أعود وأذكره بأن الاتفاقية الموقعة قضت بتصدير مصر 1.7 مليار متر مكعب سنويا من الغاز لـ(إسرائيل) ولمدة 20 عاما، وبثمن بخس يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما كان سعر التكلفة التي تتحملها مصر من استخراج الغاز وتصديره وخلافه 2.65 دولار.

أي أن مصر لم تبع الغاز بسعر التكلفة ولكن بأقل 50% من التكلفة، ولن أتحدث هنا عن خسارة مصر 10 مليارات دولار، بسبب بيع الغاز لإسرائيل بنحو 10% فقط من السعر السائد في الأسواق العالمية آنذاك، والذي كان يتراوح ما بين 8 إلى 10 دولارات.

لم يقف الاتفاق الموقع عند ذلك الحد، بل حصلت شركة الغاز الإسرائيلية المملوكة للدولة العبرية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008، أي أن الحكومة كانت تعفي الإسرائيليين من الضرائب المستحقة عن صفقة تصدير الغاز الضخمة، في الوقت الذي كانت تلاحق المصريين بمزيد من الرسوم والضرائب.

إذن نحن أمام توقيع اتفاق موثق بالصوت والصورة ولا يمكن أن ينكره أحد، لأن صورة الوزيرين، المصري والإسرائيلي، وهما يتبادلان الاتفاق كانت حديث وسائل الإعلام العالمية حينئذ، لكن الحكومة المصرية أنكرت أمس ما حدث، حينما نفضت يدها من حكم التحكيم الدولي الذي قضى بتغريم مصر 1.67 مليار دولار، بسبب توقفها عن تصدير الغاز لـ(إسرائيل) منذ عام 2012.

وفي أقل من 24 ساعة مضت، خرج بيانان عن الحكومة المصرية وهيئة قضايا الدولة يؤكدان أنه لا علاقة لمصر بالغرامة الضخمة المحكوم بها لمصلحة (إسرائيل)، وأنه لا يجوز التحفظ على أموال مصر في الخارج لسداد قيمة الغرامة التي تزيد قيمتها على 13 مليار جنيه.

وحسب بيان صادر من المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء المصري، فإن الحكومة ليست طرفا في نزاع الغاز مع (إسرائيل) والذي أسفر عن صدور حكم دولي بتغريم الهيئة العامة للبترول والشركة المصرية القابضة للغازات (إيجاس) 1.7 مليار دولار لمصلحة (إسرائيل).

وسارت هيئة قضايا الدولة، المسؤول عن ملف النزاعات الدولية لمصر، في هذا الاتجاه حينما أكدت أن الدولة المصرية لم تكن طرفا في النزاع الذي أسفر عن صدور حكم تغريم مصر، وإن الحكم يتعلق بنزاع تجاري بين شركات من البلدين.

الآن تحولت صفقة تصدير الغاز لـ(إسرائيل) إلى صفقة لقيطة لا تجد من يتبناها أو يعترف ببنوتها، وتحاول الحكومة المصرية الابتعاد عنها لأنها باتت شبهة ومكلفة مالياً، خصوصاً مع إصرار (إسرائيل) على الحصول على التعويض المالي السخي، بحسب حكم التحكيم الصادر من مركز التحكيم الدولي ICC في جنيف.

إذا سلمنا بالرواية الحكومية المصرية، فإن السؤال هنا هو: ما هي الصفة التي كان يحملها «سامح فهمي»، عندما وقع اتفاق تصدير الغاز مع وزير البنية التحتية الإسرائيلي «بنيامين بن إليعازر»، هل وقعها بصفته وزيرا لبترول مصر ومسؤولاً بنظام مبارك، أم بصفته الشخصية وأنه صديق «حسين سالم» صاحب شركة شرق البحر المتوسط؟

السؤال الثاني هو: من الذي أعطى تعليمات بتصدير الغاز المصري لـ(إسرائيل) بثمن بخس، ومن الذي أعطي تعليمات بوقف تصدير الغاز لـ(إسرائيل) عقب ضغوط شعبية مورست على الحكومة عقب ثورة 25 يناير؟

إنها الحكومة أو نظام «مبارك»، أي الدولة؟

أما السؤال الثالث فهو: من سيدفع الغرامة الضخمة لـ(إسرائيل) والبالغ قيمتها 1.7 مليار دولار؟

الإجابة هي الخزانة العامة للدولة المصرية لسبب بسيط؛ وهو أن الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة إيجاس تابعتان لوزارة البترول المصرية، والوزارة تابعة للدولة وليس للقطاع الخاص، وبالتالي فإن قصة محاولة الحكومة المصرية التملص من قرار تصدير الغاز، وبالتالي التملص من سداد قيمة التعويض غير واقعية.

لو كنت مكان صانع القرار في مصر لرفضت سداد التعويضات المحكوم بها لمصلحة (إسرائيل)، بل وطالبت حكومة دولة الاحتلال بسداد 10 مليارات دولار قيمة الغاز الذي سرقته من مصر في الفترة من 2005 وحتى 2012، فلا احترام لاتفاقات مع دولة نهبت ثروات مصر نصف قرن.