الأربعاء 4 يونيو 2014 06:06 ص

جان عزيز – المونيتور

يستمرّ «الانقلاب الأبيض» في السعوديّة، وتستمرّ خطواته التمهيديّة تدريجيا. غير أن وتيرتها المتسارعة في الأسابيع الماضية باتت توحي وكأن الخطوة الكبرى، خطوة التتويج وانتقال السلطة بشكل رسمي ونهائي، باتت وشيكة.

لا يمكن لأي مراقب إلا أن يتوقّف عند هذا التبديل المتكرّر في منصب واحد معبّر، هو منصب نائب وزير الدفاع في المملكة. فقبل عام ونيّف كان قد عيّن في هذا المنصب «خالد بن سلطان»، ابن وليّ العهد الراحل. لكن بعد وفاة والده، ووصول عمه «نايف» إلى مركز وليّ العهد، صدر في 20 نيسان/أبريل 2013 قرار قضى بإقالة «خالد» وتعيين «فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود». لكن الأمر لم يستقرّ على هذه الحالة إلا لأشهر قليلة. ففي السادس من آب/أغسطس 2013 أقيل «فهد» وعيّن «سلمان بن سلطان» مكانه. غير أن «ابن سلطان» الآخر لم يكن حظه في نيابة وزارة الدفاع أفضل من حظ شقيقه «خالد». إذ لم يستمرّ في موقعه أكثر من تسعة أشهر. ففي 14 أيار/مايو 2014 أقيل من منصبه، ودائما «بناء على طلبه» وفق الصيغة التي تعتمدها قرارات الملك دائما، وتم تعيين الأمير «خالد بن بندر بن عبد العزيز» مكانه.

أربعة أشخاص تناوبوا على مركز واحد في غضون عام وشهر. ليس الأمر عاديا، ولا عرضيا أو مصادفة. إنه مجرّد مؤشّر إلى تسارع عمليّة نقل الخلافة في السعوديّة، والتي شهدت في 27 آذار/مارس الماضي خطوة أساسيّة في تحديد مسارها مع تعيين الأمير «مقرن» وليا لوليّ العهد. أي الملك المقبل بعد وفاة أو "تنحي" شقيقَيه الملك الحالي «عبدالله» ووليّ عهده الراهن «سلمان».

لكن الواضح أن هذا التسارع بات يرتكز على ثابتتَين اثنتَين مع الانتقال إلى الجيل الثاني من أبناء المؤسس «عبد العزيز»: أولا، إبعاد أبناء الملوك وأولياء العهد السابقين، وخصوصا السديريّين منهم. وثانيا، تركيز مواقع القوة والنفوذ في أيدي أبناء الملك الحالي «عبدالله» والقريبين منهم. وهو ما يتمّ بشكل بطيء وتدريجي، وأحيانا بقدر كبير من التكتيك والمناورة.

 

هذا ما يفسّر تماما تغيير أربعة أمراء في موقع دقيق واحد، مثل نائب وزير الدفاع. فهذا المنصب الذي كان حكرا على السديريّين منذ تولي «سلطان» مسؤوليّة الوزارة طيلة نصف قرن، لم يكن سهلا انتزاعه منهم بخطوة واحدة، ما اقتضى تنفيذه على أربع مراحل. فتمّ نقله ضمنهم، أو بين الأخوة، أو بين قريبين منهم، حتى صار نقله إلى سواهم قابلا للتحقيق. هكذا بدأ التبديل من ابن سلطان «خالد» إلى «فهد» القريب منه. ثم من «فهد» إلى شقيق «خالد». حتى جاء «مقرن» وبدأ تسريع الانتقال. فطار المركز من السديريّين وكذلك من القريبين منهم، وعيّن «خالد بن بندر بن عبد العزيز» القريب من أبناء الملك الحالي.

 

والأهم أن انتزاع الموقع من هؤلاء ترافق مع سلسلة تعيينات شملت كل المواقع العسكريّة، في رئاسة أركان القوات المسلحة وقيادة القوات الجويّة والبحريّة بعدما كان التغيير قد طاول القوات البريّة قبل أسابيع. ما يعني فعليا أن "انقلابا عسكريا" كاملا قد نفّذ في وزارة الدفاع، بشكل سلمي. وبالتالي، لم يعد وليّ العهد الحالي «سلمان»، إلا وزيرا شكليا وصوريا للدفاع.

يمكن لجرد سريع بالتعيينات الأخيرة في المملكة أن تظهر ذلك: «مطاردة» واضحة لأبناء الملكَين الراحلَين «فيصل» و«فهد» ووليّ العهد الراحل «سلطان» ووليّ العهد الحالي «سلمان».

ابن سلطان الأكثر شهرة ونفوذا، «بندر»، أُبعد من الاستخبارات في 15 نيسان/أبريل الماضي ليحلّ محله عسكري من غير الأمراء (يوسف بن علي الإدريسي)، مما يجعله مجرّد موظف، لا شريكا في السلطة كما الأمير. شقيقه «خالد» أقيل من نيابة وزارة الدفاع وتُرك بلا موقع تنفيذي. شقيقه الثاني «سلمان» أبعد من المجلس الأمن الوطني للشؤون الأمنيّة والاستخباراتيّة ثم من وزارة الدفاع وترك بلا منصب. شقيقهم الآخر «فيصل» نقل أميرا على المنطقة المنوّرة، وهو مركز ثانوي مقارنة بحلقة السلطة الفعليّة.

الأمر نفسه يمكن رصده مع أبناء «فيصل» و«فهد« و«سلمان»: فقد أبعد الأمير «محمد بن فهد» من موقعه كحاكم للمنطقة الشرقيّة في 25 نيسان/أبريل الماضي. كذلك أسقطت عضويّة شقيقه الآخر «عبد العزيز» في مجلس الوزراء. «خالد بن فيصل»، أبعد عن إمارة مكّة المهمّة وعيّن وزيرا للتربية، موقعا لم تشتهر المملكة يوما في كونه عنوانا من عناوين قوتها. شقيقه الأبرز «سعود» وزير الخارجيّة ما زال في موقعه، لكنه بات محاصرا في وزارته بالتعيينات التي تقوّي نفوذ أبناء «عبدالله». ففي 23 تموز/يوليو 2011 صار «عبد العزيز» ابن الملك الحالي، نائبا لوزير الخارجيّة وبرتبة وزير. ويحكى أن الكثير من مهمات الوزارة وملفاتها بات بين يديه.

ابن آخر لـ«عبدالله»، «تركي»، صار في 14 شباط/فبراير 2013 نائبا لأمير الرياض منطقة العاصمة، وبرتبة وزير كذلك، قبل أن يصير في 14 أيار/مايو 2014 أمير العاصمة. ابن ثالث للملك، «متعب»، وهو الأكثر قوة ونفوذا اليوم، صار في27 أيار/مايو 2013  رئيسا للحرس الوطني القوي جدا في المملكة. وذلك بعدما قرّر الملك تحويل هذه الوحدة إلى وزارة، ليصبح ابنه وزيرها. ابن رابع للملك، وهو «مشعل»، صار حاكما لمنطقة مكّة.

هكذا باتت مواقع السلطة الأساسيّة بعيدة عن أيدي أبناء «فيصل» و«فهد» و«سلطان» و«سلمان»، ومتجمعة لدى أبناء «عبدالله»، مع استثناء واحد ما زال ظاهرا ويتمثل في الحفاظ على مواقع أبناء وليّ العهد الراحل «نايف». فابنه «محمد» ما زال وزيرا للداخليّة، الموقع الواسع النفوذ في المملكة. وشقيقه «سعود» ما زال حاكما لإحدى المناطق الرئيسة فيها، المنطقة الشرقيّة.

هل هو دليل على تحالف أبناء «نايف» مع أبناء «عبدالله» حول المرحلة المقبلة؟ أم هو تكتيك يعتمده هؤلاء من أجل استفراد خصومهم، وبالتالي التعاون مع «محمد بن نايف» مرحليا، حتى تصفية أبناء عمومهم الآخرين؟ مسألة متروكة للأيام المقبلة من أجل توضيحها. أيام قد لا تكون بعيدة على ما يبدو.

فعمر الملك ووليّ عهده وكذلك وضعهما الصحي، يفسران هذه الوتيرة المتسارعة في التمهيد للخطوة الكبرى. حتى أنه لا يُسبتعد أن يفيق السعوديّون في يوم قريب على خبر من نوع تنحي الملك «عبدالله» ووليّ عهده «سلمان»، ليعلن «مقرن» ملكا و«متعب» وليا للعهد. فتصير الدرب سالكة للمرة الأولى منذ تأسيس المملكة، أولا لنقل الخلافة إلى الجيل الثالث مع «متعب» نفسه، وثانيا لحصر معظم مفاصل السلطة في أيدي جناح واحد من أجنحة العائلة الوحيدة في عالم اليوم، التي تملك بلدا لا يحمل اسما ولا هويّة إلا اسمها. ■