السبت 30 أبريل 2022 09:05 ص

في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، قتل الصحفي السعودي المقيم في الولايات المتحدة، "جمال خاشقجي"، داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية، ليؤدي مقتله إلى انهيار علاقة مهتزة بالفعل بين تركيا والسعودية.

لكن بعد 3 أعوام ونصف العام من الحادث، يبدو أن تركيا والسعودية تسعيان لإعادة بناء الجسور المنهارة، والمضي قدماً في إفاق العلاقات بين البلدين، و"طي صفحة خاشقجي"، كما تقول "أسوشيتدبرس".

وفي أول رحلة إلى السعودية منذ ٥ سنوات، احتضن الرئيس التركي، "رجب طيب أردوغان"، ولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان"، معلناً بداية صفحة جديدة من العلاقات، ومشيراً إلى تقارب وشيك بين القوتين المسلمتين السنيتين.

ماذا وراء التحركات الدبلوماسية التركية؟

تتزامن التحركات الدبلوماسية التركية نحو دول الخليج، مع أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها أنقرة منذ عقدين.

وتسعى تركيا إلى جذب استثمارات خارجية إلى البلاد، عبر توطيد العلاقات مع دول الخليج الثرية والتعاون معهم كشركاء وحلفاء.واتخذت تركيا خطوات مماثلة لتحسين العلاقات مع مصر وإسرائيل.

وبعد إصلاح تركيا علاقاتها مع الإمارات، أعلنت أبوظبي تدشين صندوق بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا واتخذت خطوات أخرى لدعم الاقتصاد.ومع وضع اقتصادي سيئ، بلغ معدل التضخم الرسمي في تركيا 61%، بينما تراجعت قيمة الليرة بنسبة 44% مقابل الدولار العام الماضي.

لا تبشر تلك الأرقام "أردوغان" بالخير، وتكشف حجم المشاكل الاقتصادية بتركيا، ما قد يهدد قبضة الرئيس التركي على السلطة، مع اقتراب موعد الانتخابات العامة التركية والمقرر لها العام القادم.وعلى العكس تماماً، تنعم السعودية بعام اقتصادي مزدهر، في ظل توقعات بارتفاع حجم الاحتياطات الأجنبية في المملكة.

ومن المتوقع أن تدر أسعار الطاقة المرتفعة على المملكة أكثر من 400 مليار دولار من العائدات هذا العام، مما يعني أن الرياض لديها رأس مال للاستثمار في تركيا.

لماذا تغير موقف السعودية؟

يأتي تغيير موقف السعودية مع تركيا، في الوقت الذي تسعى فيه المملكة إلى توسيع تحالفاتها في وقت تتوتر فيه علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ولم يجر ولي العهد السعودي، حتى الآن مكالمة مباشرة مع الرئيس الأمريكي، "جو بايدن"، منذ أن تولى منصبه قبل أكثر من عام.وطالب عدد من المشرعين الديمقراطيين الأمريكيين، "بايدن" بالمزيد من "الصرامة" مع السعودية.

ووصفوا المملكة بأنها "شريك استراتيجي سيئ"، لأنها تلتزم باتفاق تقوده "أوبك" مع روسيا يقول منتقدون إنه أدى إلى تفاقم أزمة إمدادات النفط في ظل الحرب بأوكرانيا.

وقد يكون الدافع الأقوى للمصالحة، أن "ولي العهد يريد وضع حد نهائي لفضيحة مقتل خاشقجي التي ألقت بظلالها عليه وألقت بظلالها على سمعته".وقبل مقتله، كان "خاشقجي" يكتب أعمدة في صحيفة "واشنطن بوست"، يشيد فيها بالإصلاحات الاجتماعية لـ"محمد بن سلمان"، بينما يعرب عن قلقه من الاعتقالات المستمرة لمنتقديه.

كيف كانت تضغط تركيا على السعودية؟

بعد مقتل "خاشقجي"، شاركت السلطات التركية تسجيلا صوتيا لعملية القتل المروعة مع أجهزة مخابرات غربية، في إشارة إلى أنه تم التنصت على القنصلية السعودية ومقتل الصحفي السعودي.

وخلصت المخابرات الأمريكية في وقت لاحق إلى أن العملية لم تكن لتحدث بدون موافقة الأمير "محمد بن سلمان"، لكن ولي العهد نفى أي تورط له.ولم يذكر "أردوغان" اسم "محمد بن سلمان" صراحة، لكنه قال إن العملية التي قتلت "خاشقجي" تمت بأوامر من "أعلى المستويات" في الحكومة السعودية.

ورفعت تركيا قضية مفتوحة ضد 26 مشتبهاً سعودياً، ولكن قبل أيام من وصول "أردوغان" إلى السعودية، أوقف المدعي العام التركي القضية عن طريق إحالتها إلى المملكة.

ماذا حدث عند توتر العلاقات السعودية التركية؟أطلقت السعودية حظراً غير رسمياً على الصادرات التركية، مما قلص من حجم التجارة الثنائية بين البلدين بنحو 5 مليارات دولار.

ومنعت الرياض مؤقتًا المسلسلات التركية التي تحظى بشعبية كبيرة والتي تمت دبلجتها إلى العربية من البث على المحطات التلفزيونية الفضائية التابعة لها.

وخلال السنوات الماضية، ساعدت المسلسلات التركية على تعزيز النفوذ الثقافي لأنقرة عبر الشرق الأوسط وجذبت السياحة والاستثمار إلى تركيا، وقبل مقتل "خاشقجي"، كانت الاستثمارات السعودية في تركيا قد بلغت نحو ملياري دولار.

بينما كانت تقدر استثمارات تركيا في السعودية بنحو 660 مليون دولار. وكانت أكثر من 200 شركة تركية تعمل في السعودية، وفقًا لوزارة الخارجية التركية. واشترى مواطنون سعوديون أكثر من 3500 عقار في تركيا، قبل عام من قتل "خاشقجي" وتحديداً عام 2017.

ما تداعيات عودة التقارب السعودي التركي؟

في الوقت الحالي تمثل إيران، مصدر القلق الأكبر للسعودية والإمارات، في وقت تتجه فيه طهران ببطء نحو اتفاق نووي مع الولايات المتحدة يمكن أن يرفع العقوبات الرئيسية.

وخلال السنوات الماضية، تنافست تركيا وإيران، رغم أنهما ليسا خصمين، على الاستحواذ على السلطة في سوريا والعراق، رغم أنهما تحافظان على متانة العلاقات الاقتصادية.

وقد يؤدي تحالف تركيا الوثيق مع دول الخليج إلى زيادة الضغط على إيران. ويمكن أن يؤدي الانفراج إلى نزع فتيل التوترات في ليبيا التي شهدت حرب بالوكالة بين تركيا والإمارات. كما يمكن أن يؤدي التقارب إلى تخفيف العزلة الدبلوماسية التي واجهتها تركيا عن بعض الدول الغربية.

ولكن وفقاً لـ" أسوشيتد برس"، فمن شبه المؤكد أن انعدام الثقة سيعود للظهور مرة أخرى بين "أردوغان"، و"محمد بن سلمان".

المصدر | أسوشيتد برس