الاثنين 16 مايو 2022 11:53 م

توجد مفارقة مؤسفة ومثيرة للشفقة حول طلب فنلندا والسويد الانضمام إلى "الناتو".

فخلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفييتي قوة عظمى احتلت معظم أوروبا الوسطى وتمركزت قواته في قلب ألمانيا، وبدا أن الشيوعية السوفييتية تشكل تهديدا حقيقيا للديمقراطية الرأسمالية الغربية. لكن خلال تلك العقود، ظلت فنلندا والسويد محايدتين رسميا.

وفيما يخص فنلندا، كان الحياد شرطا للمعاهدة التي تم إبرامها مع موسكو لإنهاء الحروب مع الاتحاد السوفييتي. أما السويد فقد كانت هناك مزايا عملية كبيرة لتكون تحت المظلة الأمنية الأمريكية دون الالتزام بتقديم أي مساهمة أو مخاطرة. وكانت هناك أيضا مزايا نفسية كبيرة من التمتع بالحماية من الولايات المتحدة مع الاحتفاظ بالحرية لاستعراض التفوق الأخلاقي المفترض للسويد على أمريكا الإمبريالية والعنصرية.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، تراجعت روسيا ألف ميل إلى الشرق بينما توسع "الناتو" والاتحاد الأوروبي بشكل كبير. واليوم، تظهر حرب أوكرانيا أن القوات البرية الروسية غير قادرة على تشكيل أي تهديد خطير لحلف شمال الأطلسي أو الدول الإسكندنافية، بشكل لم يحدث من قبل.

وللوصول إلى السويد، سيتعين على روسيا عبور فنلندا أو بحر البلطيق. وخلال الحرب الباردة وبعدها، لم تهدد موسكو فنلندا أبدا، وقد احترم الاتحاد السوفييتي بشدة شروط المعاهدة مع فنلندا، حتى إنه انسحب من قاعدة عسكرية هناك كان يمكنه الاحتفاظ بها لمدة 40 عاما أخرى بموجب المعاهدة.

وكان أحد الأسباب أن معركة فنلندا البطولية ضد الجيش السوفييتي أقنعت موسكو بأن فنلندا صعبة للغاية أمام محاولة سحقها (وهو ما يشبه الحال الآن في أوكرانيا) ولا يزال الأمر كذلك، وسيظل كذلك بدون عضوية "الناتو"، لأن الفنلنديين مصممون على الدفاع عن بلدهم مثل أوكرانيا.

ولم يكن هناك أي سبب على الإطلاق للاعتقاد بأن روسيا ستغير هذه السياسة وتهاجم فنلندا. وبالرغم أن الغزو الروسي لأوكرانيا أمر غير مقبول، فإن الأسباب التي دفعت موسكو إلى هذا التحرك واضحة.

ومنذ أن بدأ توسع "الناتو" في التسعينات، حذر كل من المسؤولين الروس وعدد من الخبراء الغربيين، بمن في ذلك 3 سفراء سابقين للولايات المتحدة في موسكو والرئيس الحالي لوكالة الاستخبارات المركزية، من أن احتمال انضمام أوكرانيا إلى تحالف مناهض لروسيا قد يشعل الحرب.

وبالتالي فإن عضوية السويد وفنلندا في "الناتو" غير ضرورية لأمنهما، بل قد تؤدي لزيادة التوتر. في المقابل، لن تقدم أي منهما ميزة إضافية لـ"الناتو". وإذا تسببت الحرب في أوكرانيا في تحركات عسكرية عدائية بين الولايات المتحدة وروسيا، فسيكون الطرفان على خط مواجهة مباشر على أي حال.

ومن خلال الانضمام إلى حلف "الناتو"، تضحي فنلندا بأي احتمال للعب دور وساطة بين روسيا والغرب، ليس فقط للمساعدة في إنهاء الحرب في أوكرانيا، ولكن في مرحلة ما في المستقبل لتعزيز مصالحة أوسع.

وبدلا من ذلك، ستكون فنلندا آخر لبنة في في تشكيل الحرب الباردة الجديدة عبر أوروبا، والتي من المرجح أن تدوم بغض النظر عن طبيعة النظام الذي سيخلف "بوتين" في روسيا.

وقد يُنظر أيضا إلى انضمام فنلندا والسويد إلى "الناتو" على أنه دلالة على أن الدول الأوروبية تخلت عن أي حلم لتحمل المسؤولية عن قارتهم، واستسلامها للاعتماد الكامل على واشنطن.

وفي نهاية افتتاحية في "فايننشال تايمز" مليئة بالمشاعر المريرة المعادية لروسيا، التي تستند جزئيا إلى فهم ضعيف للغاية وربما متعمد للحقائق، كتب رئيس الوزراء الفنلندي السابق "ألكسندر ستوب": "الأمن ليس لعبة صفرية. وآمل أن يتفهم النظام الروسي يوما ما هذا الأمر. سيسمح لنا هذا بإعادة العلاقات الطيبة مع روسيا. وفي غضون ذلك، سنساعد في تحقيق أقصى قدر من الأمن في أوروبا من خلال الانضمام إلى الناتو. إنه ليس ضد أحد ولكن من أجلنا كلنا".

وهذا هو نفس المنطق الغريب الذي أفسد السياسة الغربية تجاه روسيا وسياسة الولايات المتحدة تجاه معظم العالم. ومنذ نهاية الحرب الباردة، كانت سياسة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تجاه روسيا صفرية بشكل ساحق، وستنضم فنلندا الآن إلى هذه الاستراتيجية عديمة المنطق.

وسيؤدي الطرد الكامل لموسكو من الهياكل الأوروبية (لطالما كان الهدف العام لأمريكا وحلف شمال الأطلسي) إلى اتجاه روسيا للاعتماد على الصين بشكل كامل، ما يجلب القوة العظمى الصينية إلى الحدود الشرقية لأوروبا. وقد تكون هذه نتيجة مثيرة للسخرية للاستراتيجية الأوروبية. لكن قد يجد المرء هذا الأمر ممتعا إذا لم يكن أوروبيا.

المصدر | أناتول ليفين | ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد