الأربعاء 1 يونيو 2022 09:49 ص

ترتبط الاضطرابات الاجتماعية المتزايدة في العراق اليوم بعجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء. وازدادت حالات انقطاع التيار الكهربائي في الأعوام الأخيرة، ومن المتوقع أن تتفاقم المشكلة هذا الصيف، ما يشكل ضغطا هائلا على علاقة الحكومة بالشعب العراقي.

وبعد ما يقرب من عقدين من سقوط "صدام حسين"، لا تزال الحكومة العراقية تكافح لتزويد البلاد بالكهرباء على مدار الساعة. وعانى قطاع الكهرباء العراقي حتى قبل غزو عام 2003، لكن الأعوام الـ19 الماضية شهدت ضعفا أكبر بسبب الفساد الشديد والإهمال الجسيم.

وفي كثير من الأحيان، أثبتت الخطط التي وضعتها الحكومة لمعالجة نقص الكهرباء أنها وصفة سهلة للمسؤولين لاختلاس الأموال من خلال العقود المربحة أكثر من كونها وسيلة لتحسين حياة المواطنين العراقيين. وكانت النتيجة أن العراق الغني بالموارد أصبح أكثر اعتمادا على إيران لتلبية احتياجاته من الكهرباء.

أزمة متصاعدة

ويعد انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع جزءا من الحياة اليومية في العراق ويؤثر على كافة طبقات المجتمع. ومن المرجح أن تتسع الفجوة بين الكهرباء المتاحة وحجم الطلب في المستقبل.

وخلال الأعوام الـ5 الماضية، تزايدت هذه الفجوة بشكل كبير مع زيادة الاستهلاك بنحو 30% خلال هذه الفترة ما يعقد جهود الحكومة العراقية لتلبية الطلب المتزايد. 

وتسببت حالات انقطاع الكهرباء أيضا في تقويض قدرة الحكومة على توفير الخدمات في المستشفيات والمطارات والهيئات الحكومية الأخرى. ومن المتوقع أن تتفاقم هذه المشاكل في المدى المنظور.

وسيكون التحدي أكثر صعوبة على المدى الطويل. وتشير بعض التقديرات إلى زيادة الطلب بنحو 10% على أساس سنوي، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أنه إذا زاد عدد سكان العراق بمقدار مليون شخص سنويا، سيتضاعف إجمالي الطلب على الكهرباء بحلول عام 2030.

وفي الوقت نفسه، سعت الجماعات المتشددة إلى تأجيج استياء العراقيين من الحكومة من خلال تخريب شبكات وخطوط نقل الكهرباء. وبالفعل، حذر مراقبون من أن أزمة الكهرباء قد تتسبب في موجة جديدة من الاحتجاجات والمظاهرات.

لعنة الفساد

لا يزال الفساد المستشري هو السبب الرئيسي وراء الانقطاع المتكرر للكهرباء في العراق. ومع احتياج العراق إلى تحديث سلسلة إمداد الكهرباء بالكامل (من التوليد إلى النقل والتوزيع)، يحاول رجال الأعمال والسياسيين والجماعات المسلحة استغلال الوضع للحصول على عقود حكومية مربحة على حساب البلاد.

ويتم استنزاف الخزينة العامة عبر المبالغة في أسعار مواد البناء، ويواجه أولئك المسؤولون الذين يرفضون المشاركة في هذه الممارسات الفاسدة التهديدات، ويفقدون وظائفهم في كثير من الأحيان. والنتيجة هي نقص الكهرباء وإهدار الموارد الطبيعية للبلاد وأموال دافعي الضرائب.

وزعم رئيس الوزراء العراقي أن البلاد أنفق أكثر من 62 مليار دولار على تحسين شبكة الكهرباء. وذكرت لجنة برلمانية رقما أعلى من ذلك؛ حيث قدر تحقيق في قطاع المرافق أن العراق استثمر 81 مليار دولار منذ 2005 دون أي تحسن ملحوظ في إنتاجه الكهربائي أو موثوقية الشبكة.

كما تنبع أزمة الكهرباء من إخفاق الحكومات المتتالية في الاستفادة من الموارد الطبيعية للبلاد. على سبيل المثال، يمتلك العراق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي لكنه يفتقر إلى إمكانيات استخراجه. وفي الوقت نفسه، تحرق البلاد كميات هائلة من غاز الميثان المرتبط باستخراج النفط. ووفقا للبنك الدولي، يعد العراق واحدا من 7 دول مسؤولة عن "ما يقرب من ثلثي المحروق من الغاز العالمي".

وفي عام 2017 وحده، أحرق العراق أكثر من 600 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ما جعله في المرتبة الثانية بعد روسيا. وكلما زاد إنتاج العراق من النفط، زاد الغاز الذي يحرقه حتما. وإذا قام العراق بتسخير الغاز الطبيعي المنبعث من آباره النفطية بدلا من إهداره بهذه الطريقة، فيمكنه تخفيف بعض مشاكل الكهرباء المحلية.

وأدى هذا الإهمال والفساد إلى جعل العراق أكثر اعتمادا على إيران للحصول على الغاز الطبيعي ما يعني كهرباء أكثر تكلفة. وبحسب وزير النفط العراقي "إحسان إسماعيل"، فإن العراق يدفع لإيران 8 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقابل الغاز الإيراني. وبالمقارنة، تشير التقديرات إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي العراقي سيكلف الحكومة أقل من 2 دولار.

وتوفر إيران ثلث احتياجات العراق من الكهرباء، لكن هذا الأمر أيضا لا يحل المشكلة، فعندما خفضت إيران إمدادات الغاز من 50 مليون قدم مكعبة إلى 8.5 مليون قدم مكعبة إلى العراق بسبب عدم تسديد الفواتير، عانى وسط وجنوب العراق من انقطاعات كبيرة في الكهرباء.

وبالرغم أن بغداد سعت إلى تنويع إمدادات الكهرباء من خلال مبادرات مع دول مثل السعودية وتركيا والأردن والكويت، إلا أن التقدم على هذه الجبهات صار صعبا بسبب الخلافات حول الأسعار.

ولن تتحقق خطة الحكومة لشراء الغاز الطبيعي من قطر قريبا، حيث يتطلب ذلك إعادة تشكيل البنية التحتية العراقية عبر استثمارات كبيرة وعلى مدى فترة طويلة من الزمن.

وفضلا عن ذلك، يتزايد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي وسط الحرب الروسية الأوكرانية، ما يدفع الدول المصدرة للغاز (مثل قطر) لإعطاء الأولوية للعقود الحالية قبل جذب عملاء جدد.

إهمال الموارد المتجددة

وأخيرا، يمكن إرجاع جزء من مشكلة الكهرباء في العراق إلى إهمال موارد الطاقة المتجددة. وبالنظر إلى أشعة الشمس الشديدة في العراق، لا سيما في الأجزاء الغربية والجنوبية من البلاد، يمكن لأكثر من نصف العراق الاعتماد على الطاقة الشمسية.

وتزعم الحكومة أن لديها خططا لتوليد ما بين 2.24 و7.5 جيجاواط من الكهرباء من الطاقة المتجددة بحلول عام 2025. لكن سيكون من الصعب تحقيق ذلك بسبب الافتقار إلى سياسة متماسكة ونظام قانوني قوي وقدرة على جذب الاستثمار الأجنبي نتيجة البيروقراطية الشديدة.

وفي الوقت نفسه، يجب على الحكومة أن توازن بين رغبتها في تنوع الطاقة وأهدافها الأخرى، بما في ذلك التوزيع والنقل وتحصيل الرسوم وإعادة بناء البنية التحتية للكهرباء.

وبالرغم أن الحكومة الحالية تحاول تحسين الوضع من خلال وضع خطط جديدة وتنويع إمداداتها من الطاقة، إلا أن هذه الإجراءات (إن نجحت) ستثبت أنها حل قصير المدى لمشكلة عميقة الجذور ومتفاقمة.

ونظرا لأن التحسينات الكبيرة في البنية التحتية للكهرباء في العراق لا تزال بعيدة المنال، فإن احتمالية الاحتجاجات ستزداد مع مرور الوقت.

المصدر | مصعب الألوسي | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد