الأحد 27 ديسمبر 2015 08:12 ص

مضت خمسة أشهر على توقيع الاتفاق النووي بين دول مجموعة «5+1» وإيران، وتستمرّ التساؤلات عما بعد الاتفاق بين من يقول إنه بدأ عملياً في اليمن كتطور استراتيجي هو الأول الذي يصدم إيران منذ هزيمتها في الحرب مع العراق، وبين من يحاجج بأن ما بعد الاتفاق لم يبدأ بعد، لأن أمرين سيحدّدانه ولم يتحققا حتى الآن:

الشروع في رفع العقوبات الدولية وإعادة الأرصدة المجمدة إلى إيران؛ وحسم نزاعات في عدد من الدول العربية تداخلت فيها الانتفاضات الشعبية بظهور «داعش» وبإقحام إيران نفسها في معظم تلك النزاعات في إطار سعيها إلى بناء نفوذ إقليمي عبر تأجيج الصراعات المذهبية.

يُفهم «ما بعد الاتفاق» عموماً بأنه سياسة إيرانية «جديدة»، لكن كل ما ظهر حتى الآن عن انعكاسات الاتفاق على المراحل المقبلة لا يزال في حدود التوقعات، إمّا بمراهنات يغلّب فيها الباحثون منطق الأشياء خصوصاً في ما يتعلّق بالداخل الإيراني، كالقول بأن الأموال التي ستتلقاها طهران، أو حتى بمزيج من النصائح والتحذيرات بضرورة إنفاق هذه الـ 150 مليار دولار لتطوير قطاعات الإنتاج والبنى التحتية وتصحيح أوضاع الاقتصاد عموماً.

غير أن الداخل مرشح لتفاعلات طبيعية ضمن محدّدات عدة أهمها:

أولاً، الاعتراف بأن مرحلة جديدة تبدأ في إيران وتستوجب وضوح التوجهات العامة للدولة والطبقة السياسية بالنسبة إلى الخيارات المقبلة وما يتعلق بمساري الدولة و«الثورة»، لأن استمرارهما متوازيين ومتنافسين لم يعد عملياً.

وثانياً، تولّي الدولة مهمة الإصلاح الاقتصادي، بعد رفع العقوبات وانتهاء العزلة الاقتصادية، يفترض أن يترافق ببداية انفتاح سياسي داخلي، وكلاهما يمسّان بنفوذ مصادر السلطة والمكوّنات الرئيسية للحكم وحدود نفوذها وصلاحياتها.

وثالثاً، ضرورة تطوير مفهوم «الجمهورية» وقيمها العامة في ضوء مستقبل مرجعية «الولي الفقيه» ودور المرشد في إدارة اللعبة الداخلية بين «إصلاحيين» و«متشددين» وبين تناقضات تصوّراتهم للدولة ودورها.

بين الأبيض والأسود

أما التوقعات بشأن تأثير الاتفاق النووي في السياسة الإيرانية الخارجية، فلا تزال تراوح بين الأبيض والأسود، مع كثير من التكهّنات والاستنتاجات التحليلية، ومنها:

أولاً، أن السياسات التي أتاحها «التهديد النووي» أيام الأزمة التي طالت أكثر من عشرة أعوام، كذلك المغامرات التي أتاحتها المفاوضات إنهاء الأزمة، لن تكون أو لم تعد متاحة بعد الآن.

ثانياً، إن عدم وجود سلاح نووي لدى إيران يحجّم خطرها العسكري واقعياً، وإنْ امتلكت ترسانة هائلة من الأسلحة المتطورة والتقليدية.

ثالثاً، أن «المرحلة النووية» وما رافقها من عقوبات جعلت إيران في حالة حرب، ما أعطى واجهة النظام لـ «الحرس الثوري»، الذي استغلّ العقوبات ليضع يده على جانب كبير من الاقتصاد ويستثمر في استراتيجية «تصدير الثورة» في الخارج، وإذا لم يكن هذا النمط السياسي موضع مراجعة الآن لأن ظروفه تتغيّر، فمن المحتمل ألا يستمر على ما كان عليه.

رابعاً، أن السقف العالي الذي حدّدته إيران لطموحاتها ونفوذها لا ينفكّ ينخفض بحكم تدويل الأزمات الإقليمية، بالأحرى العربية، التي عملت إيران على افتعالها وتأجيجها ودفعها بسوريا والعراق واليمن إلى حروب أهلية تقود إلى تفكك الدول وتقسيم البلدان. وحتى لو كان التدويل محسوباً لدى إيران إلا أنها لا تستطيع معه أن تكون، كما خطّطت، شريكة «وحيدة» في إيجاد التسويات، لكنها تأمل بأن يمنحها التدويل حصصاً متناسبة مع ما استثمرته أو تلوّح بالعمل على تعطيل تلك التسويات.

وخامساً، إن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة كان ولا يزال هدفاً تتطلّع إليه إيران لكنها وضعت له قبل الاتفاق النووي سيناريوهات مشروطة تراوحت بين إقامة نوع من «النديّة» وبين اجتذاب أميركا كلياً للاعتراف بالنفوذ الإيراني في المنطقة، غير أن حسابات ما بعد الاتفاق اختلفت بالنسبة إلى طهران التي وجدت من جهة أن عقدة «الشيطان الأكبر» لا تزال تتحكم بعقلها السياسي، ومن جهة ثانية أن التطبيع مع أميركا قد يكون متلازماً مع التطبيع مع إسرائيل.

وسادساً، أن تهافت الدول الغربية على العقود والصفقات وفرص الاستثمار يطرح على إيران أنماطاً وقواعد عمل للتكيّف مع بيئة دولية لم تعتد عليها في التعاقدات التي تجريها مع روسيا والصين وكوريا الشمالية التي سهّلت طبيعة أنظمتها السياسية المناوئة أيضاً للولايات المتحدة سبل خرق العقوبات، وأي تغيير لا بدّ أن يلد آخر.

وسابعاً، إن الانفتاح على العالم لن ينجح على النحو الذي يتمنّاه النظام الإيراني مع استمرار حال الانغلاق والصراع مع دول الخليج العربي، وبالتالي فإن التطبيع مع العرب له مقدمات ومتطلبات تعرفها طهران جيداً لكنها تتعمّد تجاهلها أو تطرحها بحثاً عن مساومات ومحاصصات، وهذا نهج لا يؤدي الى علاقات جوار سليمة.

هذه الاعتبارات المتعلّقة باستحقاقات ما بعد الاتفاق النووي تخضع على اختلافها للقيود الأيديولوجية التي ألزم النظام الإيراني نفسه بها، ويخشى أو يرجئ أي تغيير فيها تجنباً لتنازلات لا يعرف قاعها أو لحراك داخلي لا سقف له. فالداخل أظهر مقداراً كبيراً من التضامن مع «القضية النووية»، وجعلها قضية وطنية، لكنه عانى كثيراً من العقوبات وانعكاساتها على الاقتصاد والمعيشة فضلاً عن ضغوط «الحرس» ومتشددي المؤسسة الدينية على الحريات الضئيلة أصلاً.

لذلك فإن انتظاره وصبره لا يعادلان سوى توقعاته العالية، وقد تبيّن له الآن أن القيادة والحكومة وضعتا البلاد على شفا حرب دفاعاً عن «قنبلة» لم تحصلا عليها، لتحتفظا بـ «مشروع» لا شك في قيمته وأهميته علمياً، لكن كان في الإمكان الاحتفاظ به من دون خوض لعبة التأزيم والتحدّي مع الدول الكبرى.

الهدف: رفع العقوبات

صحيح أن هذا التقويم الواقعي لما جرى طوال عقد ونيّف قد يقتصر على النخبة، لكنها النخبة المتعايشة داخل النظام وتحت سقفه.

وهذه رأت بموازاة الكفاءة في التفاوض مساراً تنازلياً للتعجيل بإنجاز الاتفاق، وأدركت أن حتى المستوى الأعلى في القيادة كان معنياً بالتوصّل إلى اتفاق للحصول على رفعٍ «فوري» للعقوبات، لكنه لم يستطع انتزاعه، كما أنها استشرفت مفاعيل الاتفاق من خلال المكتسبات والتقنية والسياسية التي روّجت لها الحكومة حتى قبل حصول الاتفاق.

قبل ذلك دار جدل بعدما أعلن المرشد علي خامنئي أن استخدام الأسلحة النووية «حرام في ديننا»، وأنه «انتهاك لحقوق الإنسان وجريمة ضد الإنسانية»، وكان التساؤل عن سبب تأخر ما اعتبر بمثابة «فتوى» أكثر من ستة أعوام على الأزمة فيما كانت الولايات المتحدة ودول أخرى تركّز على أن المشكلة تكمن في «عدم مصداقية» الادعاءات الإيرانية، بدليل اكتشاف مفاعلات ومراكز تخصيب سرّية.

مكتسبات ما بعد الاتفاق

لا شك أن هناك مكتسبات لإيران من الاتفاق النووي، ويتلاقى باحثون متعددو الانتماءات على إجمالها في الآتي:

1. رفع العقوبات. 2. الاحتفاظ بمشروعها وأبحاثها كجواز مرور لدخولها النادي النووي. 3. تأكيد تخلّصها من هاجس التهديد الخارجي. 4. الاعتراف بنظامها وشرعيته. 5. الشروع في توطيد علاقاتها الدولية. 6. تكريسها كقوة إقليمية بارزة...

غير أن بعض هذه العناوين بُني أساساً على معطيات ساهم الجانبان، الغربي والإيراني، في تضخيمها سابقاً لاستغلالها في تبادل الضغوط والتحدّيات. فحتى في أيام جورج بوش الابن، الذي كان المنحى العسكري واضحاً في سياسته، لم يذهب التهديد الخارجي معه أبعد من القول إن «الخيار العسكري موجود على الطاولة» رغم أن إسرائيل واللوبي اليهودي في واشنطن ضغطا لحسم الأمر خلال وجود بوش في الإدارة. 

وبوصول باراك أوباما إلى البيت الابيض تراجع هذا الخيار كلياً، ولم يعد وارداً إطلاقاً، ليحلّ محله تبادل الرسائل والمجاملات، بل إن أوباما أخضع استراتيجيته وسياسته الخارجية للمنطقة لخدمة خيار المفاوضات. وحين قامت إسرائيل بمناورات عدة، بينها التهديد بضربات عسكرية أحادية الجانب، لإحراج إدارة أوباما ودفعها إلى حسم أمرها، كان ردّ واشنطن حازماً بأنها لن تنسّق معها، ولن تساند استخدام القوة طالما أن المفاوضات جارية.

العراق وسيطاً لمنع الصدام

ومثلما أن عملية التفاوض نفسها، بمشاركة روسيا والصين، قطعت الطريق على أي انزلاق إلى مواجهة حربية، كذلك أدّت الاتصالات الأميركية - الإيرانية في بغداد إلى تحقيق أمرين:

الأول طي التهديد الأميركي بالعمل على تغيير النظام في طهران، كما برز غداة غزو العراق عام 2003.

والآخر مباشرة التفاهم على نوع من «التقاسم الوظيفي» في إدارة الشأن العراقي، ثم تطوير هذا التفاهم لتأمين انسحاب أميركي آمن، وبالتالي تسليم إدارة العراق كلياً للإيرانيين.

بغضّ النظر عما إذا كان ذلك يعني «اعترافاً» بنظام طهران وقبوله كما هو أم لا، فإن نتيجته المحققة كانت تعاملاً مع هذا النظام، حتى قبل أن تكون المفاوضات قد أحرزت أي تقدّم. بل يمكن القول إن إيران اعتبرت زوال التهديد الخارجي والتعامل معها في العراق اختبارين إيجابيين يتيحان لها دخول مفاوضات.

وعلى هذا الأساس استبدل التوجه «الإصلاحي» مع الرئيس حسن روحاني بالتوجه «المحافظ» الذي كان يمارس عبر الرئيس السابق محمد أحمدي نجاد، لكن مع المواظبة على التعبئة العسكرية كما لو أن التهديد الخارجي وشيك.

طهران تبحث عن معادلات جديدة

أما بالنسبة إلى توطيد إيران علاقاتها الدولية وتأكيد قوتها الإقليمية، كـ «مكاسب» من الاتفاق النووي، فإن صيروتهما لا تتعلّق فقط برفع العقوبات وتوفّر أموال لم تكن متوقّعة، بل تتوقف على سلوك إيران ومفهومها للعلاقة مع العالم وللسلام والاستقرار في الإقليم.

فالاتفاق النووي يتزامن مع متغيّرات لا بد لإيران أن تتعامل معها برؤى مختلفة لا ترضي فقط رغبة القيادة في التمثّل بالنموذج الصيني (انفتاح تجاري على الخارج يأخذ ببعض قواعد النمط الغربي مع استمرار الشدّة وفرض العزلة على الداخل حفاظاً على النمط الإيديولوجي السائد) بل تعبّر عن طموحات مجتمع إيراني يتوق إلى مزيد من الحريات ويتطلّع إلى التصالح مع الخارج.

من هنا أن الحكم الإيراني والطبقة السياسية باتا مضطرّين لإيجاد معادلات جديدة لإدارة العلاقة بين مكوّناتهما، وكذلك لإدارة الدولة. وهناك إرهاصات لمخاض هذه المعادلات أمكن رصدها في النقاش الداخلي حول انعكاسات الاتفاق النووي والاستحقاقات الداخلية كانتخابات «مجلس الشورى» و«مجلس خبراء القيادة» أواخر فبراير 2016.

اشتباك بين «المحافظين» والإصلاحيين» بطبيعة الحال انتج الاتفاق النووي بدايات مناخ سياسي بات اشتباك رموز الإصلاحيين والمحافظين فيه من الوقائع اليومية، اذ انتعش الأوّلون بالفرص التي تفتحتها نهاية الأزمة النووية، فيما يرفع الآخرون أصواتهم للتحذير من المآلات الانفتاحية التي يتوقعونها من جهة ويحاولون إحباطها من جهة أخرى.

والأمثلة كثيرة في هذا المجال، لعل أحدها يعطي فكرة جلية عن طبيعة مخاوف المتشدّدين: إذ حذّر رجل الدين أحمد علم الهدى، وهو إمام صلاة الجمعة في مشهد وعضو«مجلس الخبراء»، مما سماه عواقب انتعاش الاقتصاد، قائلاً «إن الازدهار والجشع سيضعان الأمة في يدي العدو«وحضّ الإيرانيين على عدم تمكين عناصر معادية للثورة»، «لأن هؤلاء سيأتون بسياسات لا تنسجم مع قيم الثورة».

وإذ لم يشر بوضوح الى من يعنيهم، فإن علي سعيدي ممثل المرشد خامنئي في «الحرس الثوري» نبّه في اليوم نفسه إلى أن الولايات المتحدة «تحاول توسيع نفوذها بين صانعي القرار لتحقيق أهدافها»، ودعا الناخبين إلى توخّي الحذر في مَن سيصوّتون لهم ناصحاً بانتخاب «مؤيدي ولاية الفقيه».

فريق أميركا و«ولاية الفقيه»

من الواضح أن صانعي القرار يُقصد بهم رئيس الجمهورية الحالي وفريقه الذي بات يُشار اليه على أنه «فريق أميركا»، لكن اللافت أن إقحام «ولاية الفقيه» في الشأن الانتخابي يعبّر عن احتدام صراع الخيارات الاستراتيجية في اقتراع فبراير.

ما يؤكّد ذلك نزول روحاني شخصياً إلى حلبة الجدل حول الانتخابات والتحضيرات اللازمة لضمان نزاهتها وحريتها، وهو ما صار الرئيس يخوض فيه بوتيرة سريعة وبمطالب واضحة. فمن بين مواجهاته الأخيرة برز تباينه مع خطيب صلاة الجمعة «كاظم صديقي»، إذ كرر روحاني دعوته «إلى السماح للجميع بالمشاركة في السباق الانتخابي»، فيما حذّر صديقي من«تغلغل أفراد غير صالحين في إدارة البلاد».

وطالب روحاني بأن يعمل الجميع لتنظيم انتخابات تلتزم القوانين والشفافية وتحظى بنسبة تصويت مرتفعة «محبذاً»انتخاب نواب متعلّمين وحكماء يساهمون في تطوير إيران. كما كرّر دعوته إلى تقليص صلاحيات مجلس صيانة الدستور الذي يقوم بتصفية قوائم المرشحين. أما صديقي فدافع عن هذا المجلس مذكّراً بالذين احتجوا على إعادة انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد (أنصار«الحركة الخضراء») مطالباً بـ«مزيد من الدقة في مراقبة هذه العناصر». 

ومن الواضح، أن الانتقادات الحادة التي يوجهها روحاني لـ«مجلس صيانة الدستور» تشير الى خشيته من استهداف المرشحين المحسوبين على التيار الإصلاحي، خصوصاً بعد إعادة تعيين أحمد جنّتي أحد عتاة المحافظين أميناً عاماً لهذا المجلس ورئيساً للجنة مراقبة الانتخابات.

رهانات على الانتخابات

والواقع أن الرهان على الانتخابات المقبلة كمؤشّر«إصلاحي» وتغييري يتلاقى مع الرهانات الغربية، خصوصاً الأميركية، على مفاعيل الاتفاق النووي كمحفّز للمراجعة والواقعية وكبديل بعيد المدى من العمل المباشر والمكشوف لتغيير النظام. ورغم الجو السياسي السائد الآن ويوحي بإمكان صعود الخط الإصلاحي بمنهج روحاني، إلا أن الأخير يحتاج إلى مزيد من المقوّمات لتأمين انتصاره، ومنها على الأخص تسريع رفع العقوبات، لكن النظام المعقّد لهذه العملية لا يتيح حصوله في الوقت المناسب لتوظيف آثاره الملموسة في الانتخابات.

لذلك قد لا يتمكن «الإصلاحيون» من الاعتماد على العامل الاقتصادي لاستقطاب الناخبين. بل إن خصومهم قد يستغلون بطء التحسينات ضدّهم وقد يتهمونهم بعدم الكفاءة والمبالغة في الربط بين الاقتصاد الجيد بالتسوية النووية. وفيما يسيطر المتشدّدون على وسائل الإعلام ويفرضون قيوداً على رموز الإصلاحيين (محمد خاتمي» مير حسين موسوي ومهدي كروبي...) وحظراً على تنظيماتهم السياسية («جبهة مشاركت إيران» و«مجاهدين انقلاب إسلامي» وغيرهما)، فإن هؤلاء مضطرون الى خفض توقعاتهم لكن روحاني يتعامل مع الاستحقاق الانتخابي باعتباره اختباراً لـ «عملية انتقالية» لا بد أن تفرض فيها الحقائق نفسها على الجميع.

ما بعد خامنئي

بموازاة الاندفاع الذي يبديه روحاني، حصل أيضاً ما أذهل المراقبين عندما طرح رئيس «مصلحة تشخيص النظام» علي أكبر هاشمي رفسنجاني بدء الإعداد لـ«الخلافة»، أي لما بعد علي خامنئي، معلناً تشكيل مجموعة خاصة لانتخاب مرشد للجمهورية في حال تعرّض المرشد الحالي لـ«حادث».

ولعل مجرد التداول بهذه القضية الحساسة والتقليل من حرمتها يعني وجود مناخ جديد في طهران، إذ أدلى رفسنجاني بتصريحات على هامش الموضوع تثبت تغييراً في العمق، ومنها قوله إن إيران تستطيع درس إقامة علاقات مع الولايات المتحدة إذا غيّرت هذه سلوكها «العدائي» تجاهها، فضلاً عن هجومه على الأصوليين الذين وصفهم بـ «المتطرّفين» قائلاً إن «كل شيء لا يرضيهم يسمّونه تغلغلاً».

صحيح أن مرض خامنئي يعطي مبرراً لرفسنجاني وسواه، وأن الأخير ربما يريد تصفية حسابات كثيرة متراكمة مع المرشد، إلا أن حديثه عن «سلوك» واشنطن يرجع الصدى لطلب أميركا من إيران «تغيير سلوكها» لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المشكلة باتت محصورة في يد خامنئي الذي استعاد خطاب التحريض ضد أميركا ومواصلة المواجهة معها بعدما أقلقه التحوّل الداخلي، الذي أحدثه الاتفاق النووي.

ويتبدّى منذ الآن أن الثلاثي رفسنجاني وروحاني وحسن أحمد الخميني هو الذي سيقود معركة انتخاب «مجلس الخبراء»، والهدف هو التحضير لانتخاب مرشد يجنّب إيران الصراعات ويكون لجميع الإيرانيين.

تساؤلات عن «الحرس الثوري»

وهكذا فإن الصراع الانتخابي سيزداد سخونة بين أقطاب النظام ومكوّناته، بعدما أصبح الكلام علنياً عن المرشد وموقعه، وبعدما ازدادت أيضاً المؤشرات والتساؤلات بشأن «الحرس الثوري» وأنه قد يكون الهدف التالي للنقاش العلني، ما يستحثّه لتعزيز التصاقه بالمرشد والتعاون معه في «هندسة» مسبقة للانتخابات بهدف قطع الطريق على الاصطفافات المفاجئة والتي قد تكون بالغة الإزعاج لهما لاحقاً.

فالمتشدّدون يجدون في خطاب خامنئي وقراراته وتوجيهاته ملاذاً أخيراً لتحصين مواقعهم، غير أن قبوله بهذا الاصطفاف يؤجج اتهامات الآخرين له بالانحياز ويشجعهم على انتقاده علناً كما لو أنه يتبوأ منصباً تنفيذياً. ويعتقد العديد من المصادر أن كثيراً من المآخذ على المرشد هي موجّهة أساساً ضد «الحرس» ومعبّرة عن رغبة في مساءلته ومحاسبته ليس فقط عن استثماره في اقتصاد العقوبات بل أيضاً عن مغامراته في الخارج.

وإذ كُشف أن مسؤولي الإذاعة والتلفزيون منعوا بث مقابلة أجراها صحفي رياضي مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف، فهذا يبيّن مدى الحساسية التي يبديها الطرف المحافظ إزاء كل ما يمكن أن يشكّل نوعاً من الدعاية لأي شخصية إصلاحية، كما أنه يشي بأن المنافسة ستكون بالغة الشدّة.

التغيير من الداخل

هذه الحركة تؤكد ما ذهبت إليه خلاصات الدراسات والأبحاث، وهو أن أي تغييرات متوقعة في إيران ما بعد الاتفاق النووي تبدأ في الداخل أو لا تكون أبداً. واذا بدأت فعلاً ونجحت في إحداث نقلة في التفكير والعمل فلا بد أن تنعكس حكماً على السياسة الخارجية، ولو بدرجات ومقاربات متفاوتة. ولا يعني ذلك أن الحركتين الداخلية والخارجية ستكونان منفصلتين بل متوازيتين، لكن كلاً منهما ستؤثّر في الأخرى. ذاك أن تلبية توقعات الداخل قد تقلّص إمكانات الاندفاع الخارجي، وتكبح جماحه، والعكس صحيح أيضاً أي أن مواصلة النهج الخارجي بكل أكلافه ستحدّ من استجابة تطلعات الداخل.

يعتبر بعض المتخصصّين بالشأن الإيراني أن الحل الذي انتهت إليه الأزمة النووية لا معنى استراتيجياً له اذا كانت طهران تقصره على رفع العقوبات ولا تستثمره في تطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة. فحتى رفع العقوبات لن يكتمل وسيبقى مزعجاً من دون هذا التطبيع، وفيما تبدي مداخلات «المرشد» وبعض رموز «المحافظين» تمسّكاً أيديولوجياً بالمواجهة مع أميركا، فإن مواقفها تُظهر أيضاً خشية من اختراق هذا «العدو» بمقدار ما توحي بأن تماسك النظام نفسه مرتبط بذاك العداء، في حين أن انفتاحية الإصلاحيين تمدّهم بالشجاعة وتشعرهم بأنهم ماضون في الطريق الصحيح.

ويفصل هؤلاء المتخصصّون بين المشروع النووي واستغلالاته، إذ يشيرون مثلاً إلى أن الرئيسين السابقين العراقي صدّام حسين والليبي معمر القذافي حاولا الاستقواء والمناورة بالسلاح النووي ردعاً لأميركا، فضُرب الأول وأُسقط نظامه رغم معرفة مسبقة بأنه لا يملك ذلك السلاح، وأُرهب الآخر وأُجبر على تسليم معدات لا ترقى لأن تكون مشروعاً نووياً مقابل عدم استهدافه ونظامه.

أما في الحال الإيرانية فتأكّدت أميركا بأن هناك مشروعاً وأصرّت على تقنينه ونزع طموحه العسكري، وهو ما تحقق بالتفاوض، أو هذا على الأقل ما يبدو حتى الآن.

غير أن إيران ذهبت الى أقصى ما يمكن في استغلال تهديد محتمل و«قنبلة» غير متوفّرة لتفعيل قنبلة أخرى، بشرية، قوامها مجموعات مذهبية استخدمتها لاختراق المجتمعات العربية، كما وظّفت تعثّرات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل لتصادر الملف وتعيد إطلاق هذه القضية بعدما قررت قمم عربية متوالية «التمسّك بالسلام كخيار استراتيجي»، ورمت إسرائيل هذا الخيار مفضّلة استجابة التحدّي الإيراني كمصلحة استراتيجية لها.

التجاهل الأميركي للانتهاكات

في ذروة توترات الأزمة النووية، وفي أحلك مراحل التفاوض وأفضلها، دأبت الولايات المتحدة على تسليف إيران من حساب «التطبيع» الآتي لا محالة. وكان الموفدون والدبلوماسيون الأميركيون يؤكدون باستمرار أن «لا أدلة» لديهم على ما يقول العرب أنه «تدخل إيراني» هنا وهناك. لا أدلة على تورّط إيران في الإرهاب رغم أن لدى واشنطن كل ملف فلول «القاعدة» الهاربة من أفغانستان إلى إيران، ولا أدلة على دور إيران في العراق رغم أنه سلّم من يد الى يد، ولا أدلّة على دورها في اليمن رغم شحنات السلاح التي ضُبطت في سفنها بمعرفة واشنطن.

وقد أدى هذا التجهيل الأميركي الى تمكين إيران التي ما كان لها أن تحقق حتى بقنبلة نووية ما حققته باستغلال قنبلتها البشرية المذهبية. ومع ذلك، يقول المتخصصّون أن الجانبين الأميركي والإيراني بلغا، مع الاتفاق النووي، لحظة الحقيقة. ذاك أن تنظيف الخراب الذي أحدثه تواطؤهما، حتى في عز سلبيته، لا يمكن أن يتم بالسياسات ذاتها، تحديداً من الجانب الإيراني، فكلاهما يحتاج الآن الى العمل على استعادة الاستقرار حيثما انهار في الشرق الأوسط، وبالأخص على تعزيز الاستقرار، حيث استطاع أن يستمر ويصمد، كما في منطقة الخليج.

لكن إيران طمحت الى تنازل أخير من الصديق الأميركي اللدود، علّه يعين مرشدها وحرسها ومتشدديها على التخلي عن العداء لأميركا، تطلّعت الى اعتراف أميركي مثبت بنفوذها حيثما استثمرت في التخريب، من بيروت الى صنعاء، مروراً بدمشق وبغداد، وهي عواصم «الإبراطورية» كما سمّاها مستشار بائس للرئيس روحاني.

كل ذلك كان عشية الاتفاق الإطاري أوائل أبريل 2015 ولكن بعد انطلاق «عاصفة الحزم» في اليمن في 26 مارس الماضي، أدركت طهران سريعاً أن ما بعد الاتفاق النووي بدأ سعودياً وخليجياً، وأنه سواء كانت واشنطن متحمّسة للحدث اليمني أم لا فإنها لم تتجاهل جانب المصلحة فيه، وسواء كان جميع أطراف «التحالف العربي» فاعلين وناشطين في حرب اليمن فإنهم على أي حال مشاركون في اصطفاف مؤكّد ضدّ سياستها.

فجأة وجدت إيران أن أطراف «امبراطوريتها» مشتعلة وأن حلفاءها أنظمة وحكومات واهية أو ميليشيات منبوذة، وأصبح عليها أن تقدم على ما تتجنّبه وما لا تستطيعه، وهو أن تخرج من الحروب بالوكالة لتنبر الى الحرب المباشرة. ولكن ماذا عن العقوبات، وماذا عن كل السيناريوهات المستقبلية التي بنتها لنفسها، بل ماذا عن هذا المشروع الخارجي الذي بات ينذر بانهيار داخلي أسوأ مما لو كانت البلاد تعرّضت لإحدى الحروب الوهمية التي طالما رطنت بها دعايتها.

في كواليس «التطبيع» في إحدى عواصم الخليج، حيث يتحادث أميركيون وإيرانيون من دون انقطاع تقريباً، حاولت طهران ولا تزال تحاول حثّ واشنطن على تحرك لوقف الحرب في اليمن، إلى مبادرة لإطلاق حوار سعودي إيراني وتطبيع مع دول الخليج.

ورغم أن الأميركيين يبذلون جهوداً بل يمارسون الضغوط لإرضاء محاوريهم، إلا أنهم ينتهزون الفرصة لإبلاغ الإيرانيين أن مجاملات ما قبل الاتفاق النووي لم تعد صالحة لما بعده، وأن أي «تطبيع» يرومونه لا يمرّ إلا عبر «تغيير السلوك»، وبالتالي تغيير العقلية السياسية.

ما بعد النووي

خارج كواليس التطبيع مع الولايات المتحدة، وعدا المسألة اليمنية، تمثّل ما بعد الاتفاق النووي في سوريا باضطرار إيران إلى اللجوء لروسيا كي تحفظ مصالحهما معاً من خلال إنقاذ نظام بشار الأسد، وفي العراق بانتفاضة شيعية أولى من نوعها وكان واضحاً أنها تضع الحكم الذي هندسته إيران ورعته موضع مساءلة عن الفساد المالي والسياسي الذي أهلك اقتصاد واحد من أغنى البلدان العربية.

وفي لبنان بمواجهة اتهامات مباشرة لميليشيا «حزب الله» بتعطيل الدولة والحكومة والاستحقاقات الدستورية. لا شك أن هذا الكمّ من السلبيات لا يصنع إيجابية واحدة، فـ«الإيجابية» الوحيدة التي تتغنّى بها إيران هي ما تسميه «خط المقاومة»، الذي تجيّره لمواجهة أميركا رغم أن التطبيع معها يشكّل أحد رهاناتها الاستراتيجية. لذلك فإن الخروج من نهج استغلالات التأزيم النووي، يستدعي الاعتراف بالحقائق والتعامل معها بعد التخلّي عن الأوهام.