الجمعة 5 أغسطس 2022 11:59 ص

أضحى المصريون يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على بعض السلع الاستهلاكية، بعد أن كانت مصاعبهم مقتصرة في وقت سابق على سلع الرفاهية.. هكذا خلص تقرير لوكالة "بلومبرج"، على خلفية معاناة اقتصاد البلاد من قلة سيولة الدولار، والانخفاض النسبي لقيمة العملة المحلية.

وفي حين توجد السلع الأساسية بوفرة، بات واضحا وجود نقص  في الكثير من المنتجات التي تحمل علامات تجارية معروفة، بدءاً من الملابس الصيفية وليس انتهاء بالسيارات المستوردة.

وتراجعت اختيارات المستهلكين في اقتناء ملابس وأزياء تحمل ماركات عالمية.

وأما بالنسبة للواردات من السلع الغذائية الأجنبية، مثل حبوب الإفطار واللحوم المصنعة (هوت دوج) ورقائق البطاطا (الشيبس) وغيرها من أنواع صلصة البيتزا والشواء، فإنها أصبحت "قابلة للنفاد بسرعة"، والحصول عليها أمسى يزداد صعوبة يوما بعد آخر.

ووفقا لخبراء، فإن النقص الموجود في السلع، هو ناجم عن سياسة تطبقها الحكومة، منذ حوالي 6 شهور، إذ شددت الرقابة على الواردات حفاظا على العملة الصعبة، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات إضافية دعماً لماليتها العامة.

وكل ذلك وهي تخوض محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج جديد لحماية الاقتصاد، البالغ حجمه 400 مليار دولار.

ولتقليل الطلب على الدولار، طبّقت القاهرة نهجاً، يُلقى باللوم عليه في حال حدوث فجوات بالمعروض من بعض المنتجات، وباشرت الحكومة المصرية منذ فبراير/شباط الماضي، بمطالبة المستوردين بتأمين "خطاب اعتماد" من مصارفهم، حتى يتمكنوا من شراء البضائع المستوردة.

وقال موظف في شركة مصرية رئيسية تبيع السلع الاستهلاكية الأجنبية، إنَّ وارداتها تراجعت من إجمالي شهري، يبلغ حوالي 25 مليون دولار، إلى حوالي مليون دولار، في الأشهر الأربعة التي أعقبت تطبيق القواعد الجديدة.

وأضاف الموظف الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أنَّ جميع السلع المستوردة قد نفدت حالياً.

وفي سياق ذي صلة، تفاقم مأزق شركة مصرية تستورد السيارات، إذ لم تحصل على موافقة واحدة لجلب سيارات من الخارج منذ نهاية مارس/آذار، حسب أحد الموظفين بالشركة.

وفي حين أن القواعد الجديدة قد منحت إعفاء لعدد من المنتجات الضرورية، بما في ذلك الأدوية وبعض المواد الغذائية، ولا تُطبّق إلا على المعاملات التي تتجاوز 5 آلاف دولار، فإن الإجراء الجديد الحصول على الاعتمادات بات عملية أكثر تعقيداً من ذي قبل، ما تسبب بارتفاع التكاليف وتأخير في الأعمال التجارية.

وأوضحت سيدة أطلقت على نفسها اسم "أم ليلى"، رافضة كشف هويتها لأسباب تتعلق بسلامتها، أنها "عندما ذهبت لشراء بعض الملابس الصيفية لأطفالها الثلاثة، وجدت معظم المتاجر تعرض أشياء أساسية للغاية، بالإضافة إلى ملابس شتوية مختلفة رغم أن فصل البرد ما زال بعيدا".

ولفتت تلك السيدة إلى أن بائعا في متجر بأحد مراكز التسوق بالعاصمة القاهرة، قد ألقى باللوم إزاء ما يحدث على المخزونات، التي أوشكت على النفاد، قائلا لها إنهم اضطروا لوضع الملابس الشتوية لملء الأرفف الفارغة.

وزادت "أم ليلى": "لم أصدق ما رأيته بعيني".

من جانبه، يقول "هشام إبراهيم" أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، إن هناك ضغوطا على النقد الأجنبي في مصر، سببها تراجع السياحة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

ويؤكد أن الضبط الحكومي الذي يحدث حاليا لحركة الاستيراد مازال يحافظ على ثبات نسبي لقيمة الجنيه، لكن الضغوط على الاحتياطي الأجنبي وسعر الصرف والاقتصاد المصري بشكل عام ستستمر طالما استمرت الحرب.

بينما يوضح "فاروق سوسة" الخبير الاقتصادي في بنك "جولدمان ساكس"، أن كل ما سبق يؤكد أنَّ "هناك نقصاً بالعملة الصعبة لدى الحكومة المصرية"، مستشهداً بتدهور صافي الأصول الأجنبية للبنوك وتراجع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي.

فيما تشير "كارلا سليم" الخبيرة الاقتصادية في "ستاندرد تشارترد"، إلى أن إدارة العملة في مصر ربما تكون حالياً "محط تركيز بالغ الأهمية"، في مناقشات القاهرة مع صندوق النقد الدولي.

وتنبه إلى أن الصندوق "سوف يجعل على الأرجح مرونة سعر الصرف أولوية".

وهنا تجدر الإشارة إلى هذا بالفعل من كان من بين طلبات الصندوق الدولي عقب تخفيض قيمة العملة المصرية في مارس/آذار، بالإضافة إلى حثه القاهرة على إجراء المزيد من الإصلاحات العميقة.

وقدر مصرف "جولدمان ساكس"، أن مصر قد تكون بحاجة من صندوق البنك الدولي إلى حزمة بقيمة 15 مليار دولار للوفاء باحتياجاتها خلال السنوات الثلاث المقبلة.

بيد أن وزارة المالية المصرية كانت قد أكّدت سابق أن المبلغ المطلوب أقل من ذلك، خاصة أنها حصلت على تعهدات بأكثر من 22 مليار دولار على شكل ودائع واستثمارات من السعودية والإمارات وقطر.

وكانت مصر باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، أحد أكثر الاقتصادات الناشئة الأكثر عرضةً للصدمات التي عصفت بأسواق السلع بعد غزو روسيا لأوكرانيا.

وأعلنت مصر في يونيو/حزيران الماضي أنه في ظل الضغوط المتزايدة على أمنها الغذائي فإنها ستتلقى تمويلا بقيمة 500 مليون دولار من البنك الدولي.

وقد ساهمت موجة التضخم وما يرافقها من اضطرابات بنشوب أسوأ أزمة على صعيد سعر الصرف، منذ أن أدّت ندرة الدولار في السوق قبل 5 أعوام إلى خفض قيمة الجنيه، ودفع الحكومة في نهاية المطاف طلب قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

ويبدو أن إجراءات الحكومة المصرية منذ بداية العام لكبح الاستيراد قد سلطت الضوء، حسب خبراء، على كيفية اجتذاب مصر لمستثمري المحافظ الدوليين، وذلك بالتزامن مع سعيها الدؤوب لجذب رأس مال أجنبي على المدى الطويل.

ولكن تلك الإجراءت قد جعلت الاقتصاد مكشوفاً عند اقتراب تأثيرات الصراع في أوروبا من البلاد، إذ أدّت العجوزات المالية الراسخة في الحساب الجاري، والمستمرة منذ أكثر من عقد، إلى الاعتماد على التدفقات الأجنبية المتقلّبة إلى الأوراق المالية المحلّية لتمويل النقص المزمن في سلة العملات الصعبة.

في غضون ذلك، شهد الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي طالما روجت له السلطات باعتباره أولوية، ركوداً بعد انتعاش قصير، إذ أبقت الحكومة على استقرار الجنيه إلى حدٍّ كبير، بعد تخفيض قيمته في عام 2016، إلى أن سمح البنك المركزي له بالتراجع بشكل حاد في مارس/آذار 2022.

وانخفضت العملة المحلية الثلاثاء إلى ما يزيد على 19 جنيهاً مصريا للدولار للمرة الأولى منذ يناير/كانون الثاني 2017.

وكانت القاهرة قد أعلنت في مايو/أيار الماضي، أنَّ المستثمرين الأجانب سحبوا نحو 20 مليار دولار من سوق الدين المحلية منذ بداية 2022، في حين انخفض صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري، والتي كانت تنمو منذ منتصف عام 2020.

بينما يعتبر الخبير الاقتصادي "أحمد ذكر الله"، أن اقتصاد مصر يعاني مجموعة من الاختلالات الهيكلية المزمنة التي لم تستطع السلطة التعاطي معها خلال الفترة الماضية.

ويوضح أن أهم هذه الاختلالات هو العجز الكبير في الميزان التجاري، نتيجة زيادة الواردات التي لا تقابلها زيادة في الصادرات، وعدم تنويع أسواق صادرات القمح وغيره من المواد الحيوية، فضلا عن عدم تنويع السوق السياحية.

ويقول إن العوامل الخارجية العالمية لأزمة الاقتصاد المصري لا تشكل إلا حوالي 10 إلى 20% فقط من جملة الأسباب الموجودة.

ويشير إلى أن مدفوعات الدين الخارجي من أهم عوامل الضغط على الاقتصاد المصري الآن، إذ من المقرر أن تسدد مصر حوالي 5 مليارات دولار في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، و5 مليارات أخرى في فبراير/شباط 2023، ما يشكل ضغطا هائلا على الاحتياطي النقدي الذي تناقص بشدة خلال الفترة الماضية.

وتبلغ ديون مصر الخارجية ما يقرب من 90% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعد مصر أكبر بلد في العالم العربي، التي يعيش فيها ما يقرب من ثلث السكان تحت خط الفقر الرسمي، وتبلغ نسبة التضخم، وفقا للأرقام الرسمية، حوالي 15%.

المصدر | الخليج الجديد