الأحد 18 سبتمبر 2022 09:36 ص

تحت وسم "رحيل الرئيسين (رئيس البرلمان ورئيس الحكومة السابق) مطلب شعبي تحقق"، غرد النائب الكويتي السابق المعارض "بدر الداهوم"، وسط تفاؤل واسع، بالإقبال على تغيير حقيقي في الوضع الداخلي، بعد سنوات عايشت فيها البلاد أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة.

يترقب الشارع الكويتي الانتخابات البرلمانية التي ستُعقد في 29 سبتمبر/أيلول الجاري، والتي من المحتمل أن تشهد وصول أسماء جديدة إلى مجلس الأمة، وعودة أسماء عريقة غابت خلال السنوات الماضية.

ووفق مراقبين، فإن القيادة الكويتية تبحث من خلال إجراء الانتخابات، تصحيح المسار السياسي في البلاد، بعدما عانت خلال السنوات القليلة الماضية من توتر العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما أعاق خطوات مهمة للإصلاح الاقتصادي والمالي.

ويتمتع البرلمان الكويتي بنفوذ أكبر مما يحظى به أي مجلس مماثل في دول الخليج العربية الأخرى، ويشمل ذلك سلطة إقرار القوانين ومنع صدورها، واستجواب رئيس الحكومة والوزراء، والاقتراع على حجب الثقة عن كبار مسؤولي الحكومة.

وبعد صراع طويل بين الحكومة والمعارضة أعلن ولي العهد الشيخ "مشعل الأحمد الصباح"، الذي يتولى معظم صلاحيات أمير البلاد، في يونيو/حزيران، حل مجلس الأمة والدعوة لانتخابات عامة جديدة وفقا للدستور، وهي الخطوة التي لقيت ترحيبا واسعا من المعارضة باعتبارها انتصارا لمطالبها.

وأكد ولي العهد في كلمته في حينها "أننا لن نتدخل في اختيارات الشعب لممثليه ولن نتدخل كذلك في اختيارات مجلس الأمة القادم في اختيار رئيسه أو لجانه المختلفة ليكون المجلس سيد قراراته".

وفي يويو/تموز، تم تكليف الشيخ "أحمد النواف الصباح"، بتشكيل حكومة جديدة.

وترشح للانتخابات 376 مرشحا (349 رجلال و27 امرأة)، في ظل توقعات بمنافسة شرسة بين كافة المرشحين للفوز بمقاعد المجلس الـ50.

وشهدت الدائرة الأولى العدد الأقل في أعداد المرشحين، بتسجيل 53 مرشحاً بينهم 3 نساء، بينما حصدت الدائرة الخامسة على العدد الأعلى، بواقع تسجيل 101 مرشح بينهم 3 نساء، فيما بلغ عدد المرشحين في الدائرة الثانية 67 مرشحاً بينهم 7 نساء، وفي الدائرة الثالثة 56 مرشحاً بينهم 9 نساء، وسجّلت الدائرة الرابعة 99 مرشحاً بينهم 5 نساء.

وكان لافتا إعلان رئيس مجلس الأمة في الأربع دورات الماضية "مرزوق الغانم"، عن عدم ترشحه للانتخابات، بعد عامين عاصفين من الصدام مع أغلبية النواب داخل المجلس.

وخلال السنوات الماضية، كان "الغانم" هدفا مباشرا للنواب المعارضين الذين رفعوا شعار "رحيل الرئيسين" كمطلب أساسي للإصلاح في البلاد، في إشارة إلى رئيس البرلمان "مرزوق الغانم"، ورئيس الحكومة الذي استقال بالفعل الشيخ "صباح الخالد الصباح".

وعُرف "الغانم"، الذي تولى رئاسة البرلمانات المتعاقبة منذ 2013، بقربه من الأمير السابق الشيخ "صباح الأحمد الصباح"، ورغم أنه كان رئيسا للمؤسسة التشريعية إلا أن المعارضة كانت تتهمه دوما بموالاته للحكومة، محملين إياه مسؤولية الكثير من المشكلات التي عانت منها البلاد خلال الفترة الماضية.

في المقابل، يعود إلى الترشح في الانتخابات رئيس مجلس الأمة السابق وعرّاب العمل البرلماني منذ سبعينيات القرن الماضي "أحمد السعدون"، بعد غياب دام 10 أعوام، بسبب مقاطعته الانتخابات وفق مرسوم "الصوت الواحد"، الذي أقره أمير الكويت الراحل الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح".

ومن غير المحتمل أن يلقى "السعدون" (87 عاما) منافسة كبيرة على رئاسة مجلس الأمة، علما بأنه ترأس المجلس في أربع دورات سابقة (1985، 1992، 1996، 2012).

وشهد التسجيل في الانتخابات عودة "حركة العمل الشعبي" (حشد)، التي يتزعمها النائب السابق والمعارض البارز "مسلّم البراك"، عن قرارها بالمقاطعة.

كما عاد "المنبر الديمقراطي الكويتي"، المقاطع للانتخابات هو الآخر، إلى الترشح، وكذلك سجّلت في الانتخابات، "كتلة الـ5" المعارضة في مجلس الأمة السابق.

وقدمت "الحركة الدستورية الإسلامية" (حدس)، وهي الجناح السياسي لـ"الإخوان المسلمين" في الكويت، ومقربون منها كذلك مرشحين للانتخابات، بالإضافة إلى تقدم عدد من أعضاء المعارضة في المجلس السابق.

ترشح هذا العدد يعيد إلى الأذهان ما جرى في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 2020، عندما عززت المعارضة الكويتية موقعها، بعد فوز 24 نائباً محسوباً عليها بمقاعد في مجلس الأمة.

إلا أن المحلل السياسي "فيصل الشريفي"، يرى أن هذه الانتخابات ستكون مختلفة عن سابقاتها، بسبب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لضمان نجاحها، واتجاهها في طريق الإصلاح السياسي وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة.

وأعرب "الشريفي"، في تصريح لموقع "الجزيرة نت"، عن اعتقاده بأن النواب الذين كانوا في الصفوف المعارضة سيقومون بالتعاون مع الحكومة في المجلس المقبل، قائلا: "ومن المفترض أن تكون رقابتهم رشيدة دون أي تعسف".

وأضاف: "هذه الانتخابات ستكون فرصة لإصلاح أي خلل في السابق، ولا أعتقد أنه سيكون هناك دخول في متاهات تشغل المجلس عن دوره الحقيقي في الرقابة والتشريع".

واستبعد "الشريفي" أن يقوم النواب الذين كانوا يعطلون القرارات الحكومية في المجلس السابق بنفس الموقف في المجلس المقبل، لأن الأكثرية ستكون متعاونة مع الحكومة.

الأمر ذاته يراه المحلل السياسي "مساعد المغنم"، حين قال لموقع "الحرة"، إن المؤشرات حتى الآن "هادئة" بشأن التصويت المقبل، مشيرا إلى أن الكويتيين متمسكين بـ "أمل" التغيير.

ويجادل "المغنم" بأن خطاب الأمير الأخير (الشيخ نواف الصباح) الذي ألقاه ولي العهد، سيغير من قناعات كثير من المرشحين والناخبين على حد سواء، لا سيما وأنه صرح بإجراءات "ثقيلة الوقع" حال عودة البلاد للأزمة مرة أخرى.

ويتابع قائلا، إن "الكرة باتت في ملعب الشعب أكثر من أي وقت مضى لتصحيح المسار السياسي في الكويت"، معلقا آماله على الجيل الشاب بتصحيح المسار المعقد منذ سنوات طويلة.

ويستطرد: "إذا تصرفت المعارضة بذات سلوكها، فهي لا تملك الحصافة السياسية بسبب وجود توافق بين الشعب والسلطة التنفيذية".

وحال عودة الأزمة السياسية للمربع الأول، توقع "المغنم" أن تكون هناك إجراءات "غير مسبوقة"، قد تصل لـ"تعليق الحياة البرلمانية لفترة طويلة".

الأمر ذاته، ذهب إليه الباحث الكويتي "بدر موسى السيف"، في تحليله لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، حين قال إن الخطاب الذي تلاه ولي العهد وضع الانتخابات المقلبة في إطار "الفرصة الأخيرة" لتجنب الوضع القائم، قبل اللجوء إلى تدابير الأخرى.

ويلفت إلى أن "الخطاب كشف عن مقاربة جديدة في طور التكوين تتسم بمسارين: أحدهما (التوقف للمراجعة)، والآخر (إجراءات ثقيلة الوقع والحدث)".

وحول مطالبة الأمير للكويتيين بـ"حُسن الاختيار في الانتخابات المقبلة"، يقول "السيف" إن ذلك إن لم يكن مصحوبا بإصلاحات شاملة وجذرية، فليست سوى إعادة إنتاج نفس الوضع الراهن، مضيفا أن ذلك "ليس لقلة وعي الكويتيين بالتحديات التي تواجهه، خصوصًا أن غالبية الشعب من جيل الشباب الواعي، ولكن لأن تقليص حريات التعبير، وتقييد القوانين الانتخابية، وتعدد الهويات التي تتنافس مع الهوية الوطنية لا تمنحهم الفرص الكافية لتحقيق تطلعاتهم كما يجب".

ويتابع: "تعد الدعوة إلى الوحدة الوطنية خطوة في الاتجاه الصحيح من الناحية السياسية، ولكنها غير مفيدة إن لم يكن هناك سياسات حكومية حازمة تدعمها وتدفعها قدما".

فيما يتنبأ الباحث الكويتي "محمد جمال اليوسف"، بأنه وبعد تحقق مطلبي رحيل الرئيسين، فإن من المتوقع أن تشهد الكويت مرحلة قادمة أقل صداما.

ويقول "اليوسف" لموقع "عربي 21"، إن المرحلة المقبلة ستبدأ من خلالها الحكومة والمجلس الجديد بمراجعة قضايا عالقة، أبرزها "ملفات الفساد".

ويضيف أنه "يبدو أن الحكومة بدأت بفتحها في الآونة الأخيرة، إذ تمت إحالة عدد من المسؤولين إلى هيئة مكافحة الفساد والنيابة العامة"، كما أنها تمت إعادة فتح قضية الصندوق الماليزي، وقضية غسيل أموال لم يتم سابقا إدانة المتورطين فيها.

ويستدرك "اليوسف" بأن حالة التفاؤل العامة يجب أن يرافقها التزام تام من السلطة بوعودها، "وترجمة الخطاب السامي بجدية، إضافة إلى تعاون النواب مع الحكومة، بدلا من التصعيد والصدام".

ويقول إن على المعارضة حسن إدارة المشهد، والتعامل معه بشكل احترافي كي لا "تنقلب الطاولة عليهم".

وسبق أن مر البرلمان الكويتي بمنعطفات أدت لحله عشر مرات، بدأت عام 1976 في أعقاب استقالة الحكومة، بعد خلاف نشب بينها وبين المجلس، تلاه حل آخر للسبب ذاته في 1986.

وعلى نحو ذلك، أصدر أمير البلاد الراحل "صباح الأحمد الجابر الصباح" مرسوماً أميرياً يقضي بحل البرلمان في 2006 على خلفية الأزمة التي شهدتها الكويت بسبب سعي الأعضاء إلى تعديل "قانون الدوائر الانتخابية".

ودعا حينها "الصباح" إلى انتخابات نيابية مبكرة انتهت بانتخاب مجلس تم حله أيضاً في 2008، وذلك إثر خلاف نشب بين الحكومة والنواب انتهى باستقالة الأولى، تلاه بعام حل آخر لأسباب مشابهة في 2009.

وفي عام 2011، كان المجلس قبل حله قد شهد أزمة لم تنته بعض فصولها بعد، حين اقتحم المجلس أعضاء واجهوا محاكمات وسجناً وحجباً عن الترشح حتى اليوم في ما يعرف بـ"قضية اقتحام مجلس الأمة".

وفي عامي 2012 - 2013 كان الحل هو الحل الأنسب للمجلس بعد نشوب خلافات بين سلطاته التشريعية والتنفيذية، وأصدر حينها الأمير الراحل مرسوما تضمن "الحل التاسع" في عمر البرلمان، نظراً لـ"عدم دستورية مرسوم إنشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات"، حسب وصف المرسوم.

وحل البرلمان مرتين أخيرتين بعد ذلك في 2016 والعام الحالي، إذ عادة ما يكون حله بمرسوم أميري أو بقرارات قضائية.

المصدر | الخليج الجديد