الأربعاء 9 مارس 2016 05:03 ص

يمكن التقاط ما هو جوهري جدا في المسألة من المفارقة التي يسجلها ناشط مثقف من وزن «نائل الزبيدي» في الأردن وهو يتحدث عن الوطن العالق ما بين الخلايا النائمة وشقيقتها الجاثمة.

العبارة تبدو خفيفة ورشيقة وترادفية لكنها في حال التعمق وتطوير السجال عميقة وهادفة لانها تختصر تلك المساحات الكبيرة التي تدفع بعض الأردنيين الموتورين إلى تشكيل خلايا نائمة ضد وطنهم في الوقت الذي تمتنع فيه الخلايا الجاثمة على قلوب المواطنين ومؤسساتهم عن تجنب إعاقة كل فكرة نبيلة تسعى لايقاظ جميع الخلايا وسط الأردنيين في اطار الوحدة الوطنية والحرص على القانون والنظام ودولة المؤسسات.

مفارقة من وزن ثقيل انتجتها حالة التجاذب الوطني بعد الاستيقاظ الجماعي على وقع الصدمة التي زرعتها في اعماق بنية المجتمع عملية مداهمات إربد الاخيرة.

فجأة انطلق الدخان الابيض وبانت الحقائق والوقائع.. بين الأردنيين للأسف الشديد مواطنون مستعدون لاستعارة فكرة الانتحار المجنون والموت في مواجهة مجتمعهم ودولتهم.

هذه المرة ليس بالحوار أوعبر منابر السياسة والإعلام بل بالبارود والأحزمة الناسفة.

ما نعلمه كأردنيين حتى اللحظة هو أن سبعة مواطنين منا من أبناء خيرة العشائر والعائلات قرروا الموت وهم يقاومون رجال الأمن بعدما جلسوا فوق مخزن من ترسانة الأسلحة والمتفجرات وخطفوا في الأثناء من الأردنيين أحد أبهى شبابهم وهو الشهيد «راشد الزيود» قبل أن يجرحوا خمسة آخرين وهم يرفضون الاستسلام لمنطق القانون.

الله وحده أعلم بالكيفية التي كان ينوي فيها هؤلاء استخدام المتفجرات ضد مجتمعهم وبلدهم.

الله وحده أعلم بتلك الخطة الشريرة التي خططت لتبديد واقع يعيشه الأردنيين ويحتفون به دوما بعنوان الأمن والاستقرار.

استيقظ الأردن على ما سمي بخلية إربد حيث شبان كان يمكن أن يكونوا مثل غيرهم من الأردنيين ساعون نحو الرزق ومحتفلون بأولادهم وعائلاتهم لكنهم قرروا أن الموت هو طاقة الحياة بالنسبة إليهم طبعا على أساس أن الجنة بانتظارهم.

لا أحد يريد رغم حالة الرفض الإجتماعية الشاملة للعنف والتشدد وقوى الظلام والإرهاب أن يبحث في أعماق مثل هذه الحالات ليكشف النقاب عن السبب الحقيقي الذي يدفع أردنيا لإعلان الجهاد على هذا النحو ويدفعه للتفكير بايذاء الأبرياء من مواطنيه وأقاربه البسطاء بتفجير هنا أو إطلاق رصاصة هناك لأن الإرهاب أعمى فعلا ولا يقف عند حدود المنطق ويختار في لحظات اليأس المناطق الرخوة التي لا تؤذي الحكومة بقدر ما تؤذي الناس مباشرة.

حصل ذلك عام 2006 في تفجيرات الفنادق عندما وجه الأردني «أبو مصعب الزرقاوي» رسالة مريضة أراد فيها أن يوحي بقدرته على الايذاء والاختراق فقتل بسطاء وأبرياء وضيوف لا علاقة لهم بأي شأن سياسي.

الإرهاب الذي يضرب في مقهى أو مطعم أو فندق أو مستشفى في أي مكان يتميز بالجبن والخسة ولا يمكنه أن ينتهي بتثبيت أي قيمة أو تغيير أي واقع لأن الجيوش والحكومات والانظمة والاجهزة الأمنية لا يمكن المساس بها في اضعف البلدان بتفجير خاصرة رخوة هنا اوهناك.

الاردنيون اسيقظوا على فكرة وجود فئة منحرفة منهم يمكنها ان تفتك او تقتل باسم الإسلام وللرد على مواقف رسمية او عسكرية خارج الاردن.

خلية اربد التي نجح النظام الأمني الأردني بحمد الله في التعاطي معها وهي نائمة مسترخية فتحت الأعين على احتمالات وجود الخلايا النائمة في أماكن اخرى.

المؤسف بعض الآراء المشنجة التي تتطرف وهي تدعي الحاجة للمواجهة دون ان تنتبه لتورطها بنفس المنطق.

يدفع الابرياء دوما ثمن هواة الموت والباحثون عن الجنة ولا تدفع الثمن الأنظمة الرسمية.

ثمة في الافق معالجات لا يمكن الاقتناع بها لظاهرة التطرف والتشنج في مجتمع تميز بأخلاق القبيلة والتسامح مثل المجتمع الأردني.

الخلايا النائمة لا يمكن مواجهتها بالمنطق الأمني فقط على أهميته والتطرف والتشدد كذلك ولابد من اجراءات موازية بنفس كفاءة الأداء الأمني تعمل مجددا على إعادة انتاج النقاش إلى مربعه الأساسي وبشكل صريح.

هنا حصريا تبرز عبقرية الحديث عن الخلايا الجاثمة التي تحبط مئات البسطاء من المواطنين وتسمح بتشكل رغبة في تأسيس خلايا نائمة.

الخلايا الجاثمة يمكن التحدث عنها ببساطة لانها المسؤولة عن انتاج كميات كبيرة من الأمل المنقوص في المستقبل بالنسبة للمواطنين الاردنيين حيث الامتناع عن التصدي الجذري للفساد والخمول البيروقراطي الممل والكسل في كل الحلقات الوسيطة والنخب المشغولة بمصالحها وحساباتها الضيقة والفساد.

وحيث رموز الاستبداد والمؤمنين بتزوير الإنتخابات ودعاة المحاصصة وكل القيم التي تعاكس المهنية والإنتاجية والتصرفات الراشدة الموزونة ووكلاء الأزمة السورية بالساحة المحلية.

النخب يتم تدويرها في الأردن فتجثم على صدور الناس وتغتفر أخطاؤها والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية لا تعالج ولا تحل والأزمات والمشكلات تترحل تلك هي الخلايا الجاثمة في مفاصل الأداء الاداري والتي تنتهي بغياب العدالة وتكريس الفقر وتلاشي الانصاف فيجد بعض البائسين بوصلتهم في تلك الخلايا النائمة التي تحلم بالموت رغم ان الإسلام دين الحياة.

نعم نقولها ونعيدها معالجة الخلايا النائمة تتطلب الان تقليص حضور ونفوذ تلك الجاثمة.

٭ بسام البدارين إعلامي أردني.