الثلاثاء 12 يوليو 2016 03:07 ص

قدّمت بريطانيا إلى العالم نموذجاً جديداً ملتبساً لما تتيحه ديمقراطيتها من خلال لجنة التحقيق في ملابسات «قرار الحرب» على العراق، الذي اتخذه رئيس الوزراء السابق توني بلير. وعلى رغم الوقت الطويل الذي استهلكته لجنة جون تشيلكوت إلا أن نتائج عملها لم تخرج عن إطار ما كان متوقّعاً.

فباستثناء جهد تحليلي لفت حتى إلى مواقف دول عارضت تلك الحرب أو حذّرت من تداعياتها، كما فعلت السعودية ومصر آنذاك، لم يأتِ «تقرير تشيلكوت» بجديد لم تكشفه الصحافة البريطانية على مدى الأعوام الثلاثة عشر الماضية. أو لعل جديده أنه نشر نسخاً لرسائل بلير بخط يده إلى صديقه جورج بوش وتعهّد فيها بالمشاركة في الحرب قبل شهور من إعلانها رسمياً.

حصل الغزو والاحتلال وحقّق هدفه «النبيل» (إسقاط نظام صدّام حسين)، ولم يحقّق هدفه الأهمّ، وهو إثبات الجدوى المتوخّاة من تلك الحرب. ولذلك جاء «تقرير تشيلكوت» بمثابة محاكمة -غير مباشرة- لكل ما حدث، من عملية صنع قرار الحرب إلى إثبات «ضرورتها» والحرص على وضوح «شرعيتها».

وبالتالي جدّد النقاش على مسألة «تغيير الأنظمة» بتدخل خارجي، امتداداً إلى تقويم نتائج هذا التدخّل والمخطّطات المسبقة لما ينبغي عمله بعد انتهاء العمليات العسكرية. هنا لا يختلف اثنان على أن نظام ما بعد صدّام، في حقبتَيه الأميركية والإيرانية، كان فشلاً خالصاً، بل سوّغ الترحّم على الديكتاتور حتى بلسان مَن كانوا أشدّ الداعين إلى التخلّص منه.

أما الاستخلاص الآخر، وهو أن إرهاب تنظيم «داعش» وغيره كان من نتائج التدخّل، فأصبح من البديهيات التي يتسابق السياسيون والمحللون إلى إبرازها، إذ أثبتت التجربة أن مأسسة الفوضى والفساد صنعت البيئة الخصبة للإرهاب.

وكلّما دافع توني بلير وعاند في ردّ الاتهامات عن نفسه ساهم في إغراق سمعته، فالحدّ الأقصى الذي بلغه بإبداء «الحزن» و«الأسف» لم يشكّل اعتذاراً أو اعترافاً بالأخطاء التي سلّط «تقرير تشيلكوت» الضوء عليها. ولكن التقرير نفسه أعفاه عملياً من مسؤولية التلفيقات التي استخدمت لتبرير الحرب، بل لام الأجهزة لأنها وفّرت «معلومات استخبارية مغلوطة وغير دقيقة»، أي أن بلير وقع «ضحيّتها»...

غير أن الإعلام البريطاني كان عرض بشكل مفصّل وقائع البلبلة التي شهدتها حكومته والتوتّر الذي شاب العلاقة بينها وبين الأجهزة آنذاك، مبلوراً فهماً عاماً بأن بلير ومعاونيه طلبوا صراحة تضخيم معطيات متحفّظة أوردتها التقارير ولم تكن كافية لتمكين رئيس الوزراء من بناء ملف صلب لـ«قضية» الحرب... ولم تكذّب «لجنة تشيلكوت» هذه المعطيات لكنها لم تثبتها لأنها لم تجد وثائق تستند إليها.

ومعلوم أن تلك الوقائع، ومنها مقتل خبير الأسلحة ديفيد كيلي تسبّبت بفتح تحقيقَين مبكرين (لجنة اللورد هاتون 2003 ولجنة روبن باتلر 2004) ولكنهما أجريا بتكليف من حكومة بلير وبالقواعد التي حدّدتها لهما، ولذلك اتّهما بالاهتمام أكثر بـ«تبييض الغسيل» مما بنشره متسخاً.

لاشك في أن ثمة حقائق أُخفيت في حينه بعد انكشاف التلاعب بالمعلومات في بريطانيا كما في الولايات المتحدة، فحتى الآن لا يزال وزير الخارجية الأميركي السابق يردّد بأن أكثر ما ندم عليه كان ظهوره في مجلس الأمن حاملاً أنبوباً صغيراً قال إنه عيّنة لسلاح بيولوجي يملكه نظام صدّام.

أما توني بلير فلا يبدي أي ندم حتى بعدما أصبح أول رئيس وزراء في «دولة حرب» كـ«بريطانيا العظمى» يُتّهم بإساءة التقدير في صنع قرار الحرب.

ولعل عذره أن «مؤسسة الحكم» تتقبّل تهرّبه من الاعتراف بالخطأ وتتفهّمه، بل لا تريد له أن يُحَاكم أو يُحَاسَب، لئلا يقوّض هيبة مَن يخلفونه وقدرتهم على اتخاذ القرار إذا اقتضت الضرورة. وكان خلفه الحالي ديفيد كاميرون لافتاً في تنبيهه إلى أن أعضاء البرلمان كانوا شركاء في المسؤولية عن قرار الحرب، فبدا أيضاً كمن يدافع عن منصبه وصلاحياته.

ولا يخشى بلير أي مساءلة قضائية، فالنظام يحصّنه ويحميه، ولكن القاضي تشيلكوت بدا متفائلاً بقوله إنه «لن يكون في الإمكان مستقبلاً الخوض في مسعى عسكري أو دبلوماسي قبل إخضاعه للتحليل والدرس ولحكم جمعي دقيق للغاية».

فهذه هي الرسالة التي أريدت من التحقيق ولكنها لا تقترح قانوناً بل مجرد قواعد سلوك. ولعل شيئاً من ذلك ظهر بوضوح في مناقشات البرلمان ورفضه المشاركة في ضربات أميركية للنظام السوري عام 2013 ثم في موافقته المشروطة أواخر 2015 على الانضمام إلى الحرب على «داعش».

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحافي لبناني.

المصدر | الاتحاد الظبيانية