الأحد 23 نوفمبر 2014 01:11 ص

تبدو الأوضاع في فلسطين المحتلة حرجة أكثر من أي وقت مضى، اعتداءات الصهاينة تتصاعد في القدس ومناطق السلطة الفلسطينية، والأراضي المحتلة كافة، لتدق المسمار الأخير في نعش أي أمل في تسوية سلمية. ذلك النعش الذي دشّن بعد أعوام قليلة من «اتفاقية أوسلو»، عقب التملص الإسرائيلي من بنودها.

«أوسلو» التي عاشت في الإنعاش لعقد من الزمان، حتى ذبحت نهائياً بداية الألفية. ومع تصاعد الاعتداءات الصهيونية، يستمر الحصار على قطاع غزة، الذي استمر منذ 2006، وفوز حركة حماس بالانتخابات آنذاك.

يحدث هذا كله وسط انقسام حاد بين الفلسطينيين ممثلين بقطبيها، حركة «فتح» في الضفة الغربية، وحركة «حماس» في غزة، وعلى رغم إعلانات الوحدة المتكررة، وإعلان نهاية الخلافات، والقبول بحكومة وحدة وطنية، إلا أن هذه الشعارات لم تترجم لا من «فتح» ولا «حماس» على أرض الواقع، وأكبر دليل على هذا؛ التوتر الذي رافق ذكرى استشهاد «ياسر عرفات» في قطاع غزة، والتفجيرات التي استهدفت منازل قادة «فتح» في القطاع؛ إذ اتهمت حركة «حماس» متشددين، واتهمت «فتح» حركة «حماس»، في استمرار لدوامة الانقسام.

علاوة على هذا، يبدو العالم العربي اليوم أبعد ما يكون عن القضية الفلسطينية، فالحرب على الإرهاب ممثلا بالتحالف مع الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» من جهة، والخلافات الداخلية بين الدول العربية، من جهة أخرى، كلها عوامل تجعل الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الفلسطينيين تمر من دون الحد الأدنى من التغطية الإعلامية، أو الإدانة والشجب، فضلاً عن اتخاذ إجراءات فاعلة حيالها. يبدو وكأن المنطقة يعاد تركيبها من جديد، إذ تحتل القضية الفلسطينية الهامش، لا قلب الأوضاع العربية كما كانت.

هذه العوامل - منفردة - ليست جديدة، فاعتداءات الصهاينة لم تتوقف منذ ثلاثينات القرن الماضي، أي من قبل إعلان نشأة كيان الاحتلال، وكذلك انعدام آمال السلام، فهو وليد رفض القادة الصهاينة التوقف عن التمدد وارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين منذ لحظة نشأة الكيان الغاصب، وتجاهل العرب للقضية الفلسطينية حدث في أعوام سابقة، أما انقسام الفلسطينيين فهو أمر طبيعي، مرده الاختلافات السياسية والأيديولوجية حول استراتيجيات المقاومة، وكان حاداً وعميقاً منذ الستينات والسبعينات. الأمر المفزع اليوم هو في اجتماع كل هذه العوامل في لحظة واحدة، مما يستحيل معه التنبؤ بمستقبل القضية ككل.

«حماس» من ناحيتها تحاول تثوير الضفة والأراضي الفلسطينية المحتلة داخل خط 48، بعد استمرار الحصار على قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية، حركة «فتح» من جهتها تحاول استبقاء الأمر على ما هو عليه في الضفة، معوّلة على الضغط الدولي على «إسرائيل»، الذي لم يفلح يوماً في تخفيف معاناة الفلسطينيين، فضلاً عن استرجاع أراضيهم من خلال الجهود الدولية.

الولايات المتحدة، وبدلاً من الضغط على «إسرائيل» لتنفيذ بنود وقف إطلاق النار المبرمة مع «حماس»، من أجل فك الحصار عن قطاع غزة، ما زالت ترى الأوضاع بالعين الإسرائيلية ذاتها، التي لا تجد إلا «إرهاباً فلسطينياً» وسط «استخدام مفرط للعنف» من الإسرائيليين مع التأكيد على حق المعتدي باضطهاد من هم تحت الاحتلال!

دائماً ما كانت مشكلة العرب مع القضية الفلسطينية، أنهم لا يفكرون في بديل للسلام. دائماً ما كانت أكفهم ممدودة للسلام، خصوصاً منذ بدايات ثمانينات القرن الماضي، من دون أن تكون لهم خطة بديلة عنه. عند تكرار هذه المسألة دائماً ما كان الجواب من خلال طرح سؤال، يبدو تهكمياً، «هل المطلوب أن يحارب العرب؟» الجواب بالتأكيد نعم. المطلوب أن يحارب العرب من أجل حقوقهم، وإلا سيتحارب الآخرون على أراضيهم، ويجلس العرب في المدرجات للفرجة على استباحتهم. لكن مع هذا، تطوير بديل للسلام لا يعني الحرب المباشرة بالضرورة، بقدر ما يعني دعم المقاومة الفلسطينية بأشكالها كافة بشكل كامل وحاسم. عندما وقَّع أنور السادات معاهدة «كامب ديفيد» مع الصهاينة، وعلى رغم أن المعاهدة أضعفت العرب ولم تقوّهم، إلا أنها جاءت نتيجة حرب وقوة مصرية، جعلت السلام ممكناً، وإن كانت نتائجه سلبية على الموقف العربي ككل، أي أن تذهب مصر منفردة إلى سلام لم يضمن استرجاع الحقوق العربية كاملة.

في سياق آخر، عندما مدّ العرب أيديهم للسلام في 2001 من خلال مبادرة السلام العربية، كان الرد قاسياً ومدمراً من «أرييل شارون» آنذاك، بتصعيد الاعتداءات على الفلسطينيين، تلك التي تفاوتت حدتها من دون أن تتوقف. ولم يملك العرب مع هذا الرد الإسرائيلي إلا التهديد بسحب المبادرة، أي بكلمات أخرى: لا شيء. هذا هو الخطأ الذي يكرره العرب من دون ملل. استجداء السلام بدلاً من فرضه. ستبقى القضية الفلسطينية نقطة اختبار لأمور عدة، لتنظيرات العدل والشرعية والقانون الدولي، كما تنبأ «ميشال» شيحا منذ أربعينات القرن الماضي. كما ستبقى محدداً لمدى تماسك العرب وقوتهم وفاعليتهم السياسية في المنطقة. لكن ما دام المجتمع الدولي «إن كان ثمة شيء بهذا المسمى!» يمارس ازدواجيته وخضوعه للأقوى، والعرب يرفلون في ثياب انتظار الآخرين أن يأتوا لترتيب أوضاعهم، يبدو ألا تطور يلوح في أفق تحرير الأراضي الفلسطينية، إلا ذاك الذي يُصنع بأيدي الفلسطينيين أنفسهم. 

* بدر الراشد كاتب سعودي

اقرأ أيضاً

أخي الفلسطيني.. لا تحزن

الإمارات تفتتح مسجدا على أراض صادرها الاحتلال في القدس ينافس ”الأقصى“

اقتحام الأقصى.. حلقة جديدة من الانحطاط العربي!

المساعي الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يعلن النفير العام لحماية الأقصى

«معهد الأمن القومي الإسرائيلي»: «نتنياهو» و«عباس» يتحالفان لمنع «انتفاضة ثالثة» في فلسطين

الصيادون الفلسطينيون ممنوعون من العمل منذ الهجوم الإسرائيلي على غزة

«رائد صلاح» من الأقصى ردا على خطاب «نصر الله»: ‏لن يحرر فلسطين من يشتم فاتحها «بن الخطاب»

أردوغان: لن تعود علاقتنا مع إسرائيل لطبيعتها طالما واصلت عدوانها علي فلسطين

«نتنياهو»: مبادرة السلام العربية لم تعد تتلاءم مع تطورات المنطقة

عاهل الأردن يدعو إلى استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

«الاتحاد الأوروبي» يسعى لإحياء محادثات السلام بين «إسرائيل» والفلسطينيين

(إسرائيل) تعلق دور الاتحاد الأوروبي في عملية السلام مع الفلسطينيين

المصدر | الحياة