الاثنين 24 نوفمبر 2014 04:11 ص

قدّم «عبدالفتاح السيسي» نفسه للعالم الخارجي كخليفة لأنور السادات، وكحارس أمين لنظام 1979 وتوجهاته الأمنية الإقليمية وتبعيته العسكرية للولايات المتحدة الأميركية. أما داخلياً، فيداعب الوجدان الشعبوي لجمهوره بتقمّصه غير المتقن لدور وريث جمال عبد الناصر. اعتمد خطاب حملته الانتخابية على هذه الاستراتيجية لإثبات جدارته بإرث زعيم الإصلاحات الاجتماعية الاقتصادية في مقابل منافسه الصوريّ، أو بالأحرى «محلّله» الانتخابي، «حمدين صباحي»، الذي عُرف في مسيرته السياسية كلها بناصريّته.

كانت نتيجة مسرحية الانتخابات محسومة، لكن حملته أخذت الخطاب الناصري على محمل الجدّ، وأصرّت على انتزاع تأييد أسرة «عبدالناصر» والمخرج السينمائي الناصري «خالد يوسف»، الداعم والمموّل الرئيس لحملة صباحي في انتخابات 2012. وحين أقيم حفل التنصيب بحضور ممثلي الدول العربية والأفريقية والأجنبية، وجدت أسرة «عبد الناصر» مقاعدها في آخر الصفوف، على عكس أسرة «السادات» التي اختير لها مقاعد متقدّمة.

يحاول «السيسي» اللعب المتوازي على هذين الوترْين دائماً، فيذهب إلى نيويورك طالباً الإفراج عن المعونة العسكرية الأميركية المجمّدة بسبب انتهاكاته المنهجية ضد المتظاهرين السلميين، ورابطاً إيّاها بالمشاركة المصرية في التحالف الدولي ضد «الدولة الإسلامية» وغيرها من تنظيمات إقليمية تصنف «إرهابية».

أما الداخل المصري الملتهب سياسياً واقتصادياً، فيبحث فيه عن «سدٍ عالٍ» جديد يشحذ وراءه الطاقات والتأييد والتعاطف الوطني الجارف. وهو بذلك يحقق هدفين مهمّيْن: أولهما تسكين الأوجاع الملحّة بالأمل في مستقبل رغيد، وثانيهما تثبيت ملامح صورته المنشودة كزعيم وصاحب مشروعات قومية كبرى تُحدث نقلات نوعية في معيشة المصريين المريرة.

إخراج ركيك لنص فقير 

ظهر «السيسي» في شهر رمضان الماضي، في أول خطاب متلفز له بعد تنصيبه رسمياً، مثنياً على الجماهير التي تحمّلت الرفع الجزئي لدعم المحروقات، واختتم كلمته بوعد مبهم بفتح مُبين بعد عيد الفطر. وحين أتى موعد الوفاء بالوعد الخارق، فوجئ المصريون بحفل يضم الرئيس وقادة القوات المسلحة وهيئة قناة السويس، مع استعراضات ركيكة لمعدّات الحفر، حيث تم الإعلان عن حفر «قناة سويس جديدة»، وإنشاء منطقة دعم لوجيستي مجاورة لها. لم تكن فكرة المشروع اللوجيستي جديدة، بل تعود بذرتها إلى عهد «مبارك»، واشتهرت في عهد «مرسي» الذي هوجم بشدّة بسببها.

إلا أن أهم ما جاء في الحفل ليس نسبة المشروع إلى الزعيم المشير الرئيس، بل حواره مع رئيس هيئة قناة السويس، زميله السابق في المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقائد القوات البحرية السابق. وقف الفريق «مهاب مميش» يستعرض الخطط المحْكمة التي تمّت دراستها بعناية لتنفيذ المشروع القومي الذي سيغيّر وجه مصر، وأثناء العرض قال إن مدة تنفيذ المشروع هي ثلاث سنوات، فقاطعه «السيسي» طالباً تكثيفها إلى سنة واحدة.

ارتبك القائد البحري المخضرم أمام زميله السابق الأصغر رتبة، الذي قفز فوقه فنال أعلى رتبة في الجيش في وقت قياسي،ٍ قبل أن يحوز أعلى منصب مدني في البلاد، لكن ارتباكه لم يدُم طويلاً، وأعطى التمام في مشهد سوريالي لم يخلُ من التصفيق الحاد وشغر أفواه المشاهدين الذين لم يعودوا يفهمون شيئاً.

نال حفل تدشين المشروع ما استحقّه من سخرية على شبكات التواصل الاجتماعي، ثم بدأت التخوّفات العملية التنفيذية تتصدّر المشهد. أتى التخوف الأكبر (الذي ضم تخوفات فرعية عدة) مع إسناد المشروع للهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة بالأمر المباشر، أي بدون منافسة اقتصادية أو شفافية في قيمة التعاقدات.

فالهيئة الهندسية تلك هي التي أعلنت عن مشروع الجهاز الطبي الذي سيعالج الإيدز وفيروس التهاب الكبد الفيروسي من فئة «سي» وغيره من أمراض، بتقنية فيزيائية وترددات الموجات الصوتية. وفي دولة تحوي أعلى نسبة إصابة بالالتهاب الكبدي الفيروسي في العالم، كان طبيعياً أن تتعلق الآمال بالإنجاز المنشود، على الرغم مما شاب الإعلان عنه من شوفينية متطرفة ترفض منح العلاج لغير المصريين، وكوميديا عبثية تمثلت في وعد «مخترع» الجهاز المزعوم بتحويل فيروس الإيدز إلى «سندوتش كفتة» يتغذّى عليه المريض.

حان موعد استحقاق وضع العلاج في التنفيذ في 30 حزيران /يونيو الماضي، أي في الذكرى السنوية الأولى للانتفاضة ضد حكم الإخوان، والتي أعقبها الانقلاب العسكري في 3 تموز/ يوليو، فتمّ تأجيل الموعد ستة شهور أخرى.. وهي الهيئة ذاتها التي فشلت في إنشاء جسر لمرور المشاة فوق أحد الطرق السريعة في العاصمة، فانهار فوق السيارات ولقي مواطنون حتفهم وأصيب آخرون.

في المشروع المزعوم تفاصيل اقتصادية وفنية كثيرة، لكن الاشتباك مع خطوطه الرئيسة لا يتطلب خبرة متخصصة. فالتضارب في الأرقام وتحوير الحقائق واضح بيِّن وسهل الاكتشاف: القناة الجديدة ليست في الحقيقة قناة جديدة، وإنما مجرد «تفريعة» من القناة الأم، لا يزيد طولها عن 76 كيلومتراً. وهي التفريعة الثالثة، حيث توجد بالفعل تفريعتان أخريان إلى الشمال منها، ويراد منها جميعاً تقليل معدل تقاطر البواخر بين البحر الأحمر والبحر المتوسط ليقترب من التوازي بين قافلتي الجنوب والشمال عوضاً عن التوالي والانتظار.

أما الجدوى الاقتصادية فهي مرتبطة بتضاعف حجم التجارة العالمية في زمن قصير، كي يُستفاد من الطاقة الاستيعابية التي ستكون أكبر من واقع التبادل التجاري البحري. على المستوى الفني، ظهرت المياه الجوفية على عمق 9 أمتار مع بداية الحفر، على الرغم من توقع ظهورها على عمق 25 متراً، وهو ما يعني التقليل الإجباري للحفر البري «على الناشف» وزيادة الاعتماد على «التكريك»، أو توسيع المجرى باستخدام حفارات بحرية، وهو الأصعب والأكثر كلفة في الوقت والمال.

فقاعةٌ لا تُزْعج الكفيل

طلب «السيسي» تمويلاً شعبياً للمشروع الهائل التكلفة، حدّده بــ 60 مليار جنيه مصري (أكثر من 8.5 مليار دولار أميركي)، فصدر تشريع خاص، وابتكرت دولته اكتتاباً أهلياً لا يمنح صكاً بالملكية أو أسهماً في المشروع، بل سندات استثمارية بعائد أعلى من نظائرها في أية شهادات استثمارية أخرى. نجحت التعبئة الشعبوية في اجتذاب حجم غير صغير من السيولة غير البنكية (مدّخرات «تحت البلاطة»)، لكنها ورطت البنوك في نقص الودائع. يعتمد النظام على استحالة إفلاس الدولة طالما كانت ديونها بالعملة المحلية، فالبنك المركزي بنكهم والبنكنوت ورقهم، وكلما ضاقت عليهم طبعوا.. ولينتعش التضخم كما يشاء.

لكن المشاهدات الموضوعية ترفض اختزال هيستيريا السندات في البحث عن العائد المالي المضمون، وتكذّب التهكم السياسي القائل بأن الجماهير قد تشتري سندات لردم القناة إذا كان عائدها أكبر بواحد في المئة. لا يمكن لمن رأى الاحتشاد في البنوك أن يُنكر وجود الدوافع الوطنية والسياسية، سواء بمعناها الشعبوي أم الواعي النخبوي، فكثيرون تعلّقوا بالأمل لرغبتهم في وجود الأمل، والبعض أراد عن وعي ـ دعم نظام الحكم الجديد دعماً مدفوعاً تأكيداً للاقتراع الانتخابي.

وفي الخلفية الإقليمية للمشروع، يكمن الصراع القطري/الإماراتي الذي ظهر منذ عهد «مرسي» ويستمر في عهد «السيسي»، حول استحواذ أيّهما على الكنز الاستثماري المحتمل إذا أقيمت بالفعل منطقة خدمات لوجيستية على ضفتي القناة. بالنسبة إلى قطر، يمثل المشروع فرصة اقتصادية وسياسية استثنائية. أما بالنسبة للإمارات، وإمارة دبي خصوصاً، فهو تهديد وجودي للجدوى والعائد الاقتصادي لمشروع «جبل عليّ» وشركة موانئ دبي.

لا يمكن رؤية مشروع «تفريعة السيسي» منفصلاً عن استحواذ موانئ دبي على حق تشغيل مينائيْ العينة السخنة وشرق تفريعة بورفؤاد، على مدخليْ قناة السويس من ناحيتيْ السويس جنوباً وبورسعيد شمالاً، وهو ما يُعدّ امتداداً لهيمنة دبي على ميناء عدن في اليمن، بغرض الإبقاء عليها جميعاً متأخرةً عما تستحقه مواقعها المتميزة من مكانة في مجال الخدمات البحرية عالمياً. تطول مدة إبحار البواخر في المحيط الهندي كي تدخل إلى خليج جبل عليّ في دبي للحصول على خدماتها البحرية واللوجيستية، وهو ما يعني تفضيل الحصول على الخدمات ذاتها إذا توفرت في خليج عدن، أو في خليج السويس، أو على ضفّتي القناة في مصر. 

ورغم افتراض تدشين مشروع السيسي ليشمل التفريعة المسمّاة بـ«القناة الجديدة» جنباً إلى جنب منطقة المشروعات التكنولوجية واللوجيستية، إلا أن شكوكاً قوية تحوم حول جديّة السيسي في تهديد حليفه الخليجي الإماراتي. وهو ما دفع بعض خبراء التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي للتعبير عما فعلته الإمارات في مشروع تطوير محور قناة السويس بسلوك «الدولة الشركة» في الاستحواذ على منافسيها. أي أن عجز الإمارات عن إلغاء المشروع المنافس لمشاريعها من حيث الوجود والتدشين، جعلها تلجأ، كدولة تُدار بعقلية الشركات، إلى الاستحواذ الذي يجمع بين الشكل الاقتصادي المعروف في سلوكيات الشركات الكبرى، وبين المضمون السياسي والاستراتيجي إقليمياً.

* إسماعيل الاسكندراني باحث في علم الاجتماع السياسي ــ من مصر

المصدر | السفير العربي