الأحد 7 ديسمبر 2014 03:12 ص

أدت الأحداث غير المسبوقة المتعلقة بالطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تغيّر جذري في الجغرافيا السياسية للنفط؛ عن ذلك يكتب «محمد أقاسيم».

قررت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» الإبقاء على سقف الإنتاج دون تغيير في مواجهة انخفاض أسعار النفط. وعلى الرغم من الدعوات الموجّهة لصقور الأسعار بالحد من إنتاج النفط لدعم تراجع أسعار النفط إلى معدلاتها الطبيعية إلا إن قرارات «أوبك» تجاهلت الدعوات. وفي الوقت الذي تركز فيه الدول المستهلكة للنفط اعتمادها على المنظمة النفطية، إلا أنه قد حان الوقت للنظر في الاتجاه المعاكس: إلى أي مدى تركز اقتصاديات دول «أوبك» اهتمامها على كل تحرك لأسعار النفط وتأثيره، ليس فقط على اقتصاداتها، ولكن على بقائها السياسي المحتمل؟

بادئ ذي بدء؛ لقد غيّر الربيع العربي الجغرافيا السياسية للنفط. والحكومات الآن مُطالبة بتلبية احتياجات وتطلعات شعوبها، وتبقى الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي من خلال عائدات النفط. وهذا يجعل من كل حكومة على حدة مضطرة للحفاظ على ضخ النفط بمعدلات قد تكون أعلى من الرفاهية التي تطلبها الاتحادات المنتجة.

ويوضح جدول فجوة أسعار النفط أدناه المعضلة التي تواجهها دول «أوبك». كما يبين أيضًا الفرق بين السعر الحالي للنفط وما تحتاج إليه هذه البلدان. ويمكن للكويت وقطر فقط العيش مع سعر النفط الحالي البالغ نحو 73 دولارا للبرميل. وستضطر باقي الدول إلى ضخ المزيد من النفط لتوليد المزيد من العائدات بهدف تحقيق التوازن في ميزانياتها. ويمكن لبعض تلك الدول أن تستفيد من صناديق الثروة السيادية للقيام بذلك، لكن الكفاح من أجل الحفاظ على الحصة السوقية يجعل من ذلك الخيار أقل جاذبية.

«جي أوبك»

كتبت على صفحات صحيفة «وول ستريت جورنال» قبل ثلاثة عقود تقريبًا أن اتحاد منظمة «أوبك» قد ينقسم إلى قسمين.

وتمثل الاقتراح في ذلك الوقت في إنشاء منظمة نفط أصغر بكثير يحمل اسم «جي أوبك» أو «المنظمة الخليجية للبلدان المصدرة للنفط». وتتألف هذه المنظمة النفطية الجديدة من أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي؛ لأن لديهم الكثير من القواسم المشتركة سياسيًا وكذلك اقتصاديًا. الأهم من ذلك؛ هو أن لديهم قاعدة سكانية صغيرة نسبيا، و يمتلكون قاعدة موارد نفطية أكبر مقارنة مع منتجي النفط الآخرين في «أوبك». وينبغي من الناحية النظرية ترجمة ذلك إلى مسار أسعار نفط أكثر اعتدالاً ما دامت قاعدة مواردهم كبيرة، وأنهم لا يرغبون في تشجيع بدائل تأتي في صورة أشكال أخرى من النفط غير التقليدي.

من ناحية أخرى؛ فإن بقية دول «أوبك» لديها في المتوسط قاعدة سكانية كبيرة، والأهم من ذلك قاعدة موارد نفطية صغيرة باستثناء ليبيا. وهم بطبيعة الحال صقور أسعار، ومن وجهة نظر اقتصاديات الموارد الطبيعية هم كذلك بالفعل. كل برميل يقومون باستخراجه من الأرض اليوم يساوي الكثير بالنسبة لهم أكثر من برميل تنتجه المملكة العربية السعودية - وبالتالي فإن ما يجري داخل «أوبك» في كل اجتماع ما هو إلا محاولة التوفيق بين متناقضين.

ومما يجعل الأمور أكثر سُوء بالنسبة لكلا الفريقين هو إلى أي مدى يتم دعم الوقود. ويبين الجدول أدناه أن دعم الوقود يبدأ في الإكوادور بدعم يزيد قليلاً عن 50٪ ويصل لقمته في فنزويلا بنسبة 90٪. ولا يمكن تحمّل هذه المعدلات على المدى الطويل؛ حيث إنها تستنزف الخزينة العامة للدولة، والأهم من ذلك أنها لا تستهدف شرائح السكان التي تحتاج بالفعل إلى المساعدة. وبدلاً من ذلك؛ فإنها تميل إلى مساعدة المواطنين الأكثر ثراء على حساب الفقراء. ويوضح الجدول أيضًا أنه لا يوجد فرق كبير بين البلدان الغنية بالموارد والبلدان الفقيرة عندما يتعلق الأمر بدعم الوقود. فكلاهما يستهلك المزيد والمزيد من نفطها تاركين القليل والقليل للصادرات، الأمر الذي يضغط لإنتاج كميات أكبر تؤدي بدورها إلى انخفاض أعمق في أسعار النفط.

ولم تخرج «جي أوبك» في نهاية المطاف إلى النور، لكن الربيع العربي غيّر الجغرافيا السياسية للنفط؛ بمعنى أن منتجي النفط سيبحثون عن تحالفات طبيعية لتعزيز مصالحهم. ربما تكون منظمة «جي أوبك» واحدة من تلك التحالفات. وإذا كان الأمر كذلك فسيتم تخفيف الضغوط المتزايدة على أسعار النفط. وفي المقابل سيسعى باقي أعضاء «أوبك» لحماية مصالحهم أيضًا، ولكن نظرًا لعدم وجود تنويع اقتصادي فسيتم الاعتماد أكثر فأكثر على خفض الموارد النفطية، ما يجعلها بحاجة إلى مزيد من العائدات. وهذا كله من شأنه أن يخفف الضغوط على الأسعار. وستكون حصة السوق كما رأينا معيارًا من جديد كما جربنا نفس الظروف في فترة الثمانينيات من القرن الماضي. ومع ذلك؛ فإن كل هذا يخضع للأحداث في الشرق الأوسط بالإضافة إلى الطلب في سوق النفط. وستشكل القارة الأسيوية بصفة خاصة ومعدل النمو الاقتصادي في العالم الصناعي بشكل كبير التوقعات المتعلقة بمستقبل أسعار النفط.

وفي النهاية؛ سواءً أصبحت «جي أوبك» واقعًا أم لا فلن يتغير في الأمر شيء. كلا الفريقين – الدول الغنية في الموارد النفطية من بين «جي أوبك» وباقي أعضاء «أوبك»، يسعون لأهداف مختلفة تمامًا وبشكل جذري. وسوف يمتد ذلك بالطبع إلى نطاق السوق الأكثر اتساعًا، وعلى الأرجح سيتدخل في ارتفاع أسعار النفط. لقد أصبح النفط الآن بمثابة أصول مالية مثل غيره، ولذلك تتم الرهانات عليه من قبل العديد من المستثمرين، وتضيفه صناديق التحوط (المحافظ الوقائية) إلى تقلباتها. وهذا لا يغير أساسيات جانب العرض. وعندما يتعلق الأمر بدور «أوبك» في أسواق النفط العالمية، فليس من الواقعية المطالبة بزوالها. والتاريخ يقول إنها نجت من ظروف أصعب من التي نتوقع أن تعصف بها. لكن ربما غيرت الضغوط السكانية والربيع العربي الجغرافيا السياسية للنفط بشكل كافٍ لنفترض معه أن المعركة على الحصة السوقية سوف تستمر.

المصدر | محمد أقاسيم ، يور ميدل إيست