الاثنين 8 ديسمبر 2014 05:12 ص

الدول المصدرة للنفط تقف على ساق واحدة، وقلق منذ أشهر عدة؛ بسبب تراجع الأسعار وتقلص مداخيلها، ودخول السوق في منافسة شديدة بين أعضاء «أوبك»، التي تسعى إلى استقرار الأسواق والتعامل معها وفق العرض والطلب، ودخول منافس جديد وهو النفط الصخري على الخط، إذ يتوقع أن تكون الولايات المتحدة الأميركية أكبر منتج للنفط الصخري بحلول عام 2015.

أما الصراع الآخر في أسواق النفط -التي لا تزال تشكل قلقاً-، هو الآثار السلبية لـ«الربيع العربي»، وظهور جماعات إرهابية، واحتدام الصراعات الطائفية، التي شملت بعض الدول العربية، مثل: ليبيا والعراق وسورية واليمن، وهو ما أدى إلى اشتعال بعض آبار النفط، وكذلك السيطرة على بعض الآبار المهمة، وبيع منتجها في الأسواق بأسعار منافسة، إذ وصل سعر البرميل الذي تبيعه «داعش» في الأسواق إلى 20 دولاراً، وبحسب تصريحات الأمم المتحدة، فقد بلغت مبيعات تنظيم «داعش» من النفط المسروق من العراق وسورية إلى أكثر من مليون دولار يومياً، في المقابل تراجع تصدير النفط في الكثير من الدول العربية؛ بسبب الإرهاب واشتعال بعض آبار النفط، كما حدث في العراق واليمن وسورية وحتى ليبيا.

كل هذه الأحداث سبقت اجتماع قمة «أوبك»، التي عقدت في فيينا أواخر الشهر الماضي، وفي الوقت الذي كان المراقبون ينتظرون قرارات حاسمة تسهم في رفع الأسعار، إلا أن وزير النفط السعودي على النعيمي فاجأ الجميع، حينما صرح للصحافيين عقب وصوله بقول: «أنا في قمة السعادة»، وهذه إشارة إلى علامة الرضا، على رغم أن هذه التصريحات خرجت قبل الاجتماع الوزاري لأعضاء «أوبك»، وعلى رغم يقيننا برضا الوزير السعودي وسعادته، إلا أن الشارع العربي -ولاسيما دول الخليج- لا تزال هذه الأسعار تسبب قلقاً لمواطنيها، فهذه الدول التي تعتمد على النفط مصدراً رئيساً لموازناتها، فإن تراجع الأسعار يعني تقلص الموازنة، واللجوء إلى الصناديق السيادية، وخفض النفقات والاعتمادات المالية للمشاريع المقررة، فيما النفقات الحكومية لا تزال عالية، من حيث المصروفات والانتدابات والهدايا والهبات، وحتى الدعم الخارجي للكثير من الدول تشكل هاجساً لدى المواطنين، إن كانت ستتراجع أو ستتقلص أو ستفرض الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة البقاء على مستوى الدعم المالي الخارجي نفسه.

فالسعودية أنفقت خلال الأعوام الماضية أكثر من 15 بليون دولار إسهامات لدول، وفي المقابل لم تتمكن الأجهزة الحكومية من كبح الفساد، وتأخر تنفيذ المشاريع، وبحسب بيانات صحافية يبلغ حجم المشاريع المتعثرة حتى الآن أكثر من 4 آلاف مشروع، ورافق هذا نقل العمالة من هذه الشركات إلى شركات أخرى أوضاعها سليمة، وعلى رغم تعثر وسحب المشاريع من المقاولين، فإن سوق العمل السعودية تواجه أزمة خانقة، بسبب تكدس العمالة الوافدة الفائضة، وارتفاع نسبة البطالة بينها، وتنامي حركة التجارة الخفية للمقيمين بطريقة واضحة، فضلاً عن تدني المرتبات، التي يتقاضاها الموظفون السعوديون، والتي في الأصل تشكل نقطة جدل ما بين العمالة السعودية ومؤسسات القطاع الخاص، التي تطرح مرتبات ضعيفة أمام ارتفاع كلفة المعيشة، وارتفاع أسعار الشقق والوحدات السكنية.

ما أود قوله هو أن الحكومة السعودية حينما كانت أسعار النفط في أفضل حالاتها، وحققت منها دخلاً عالياً، اعتمدت موازنات ضخمة؛ لتحقيق مستوى عالٍ من المعيشة والرفاهية لمواطنيها، منذ سبعة أعوام، والموازنات تصعد بأرقام خيالية، العام الماضي وصلت إلى 855 بليوناً، خصص منها 310 بلايين للتعليم والصحة، وإذا نفذت جولة ميدانية على هذين القطاعين فقط، ستكتشف هدراً في الإنفاق غير المبرر، وما تراه على أرض الواقع من تردي مستوى الخدمة والعاملين فيها، وربما يتساءل البسطاء من الناس، إذا كان هذا مستوى أداء جهازين حكوميين استقطعا على مر أكثر من ثلاثة عقود النصيب الأكبر من الموازنة، وفي أجمل الظروف التي عاشتها البلاد، وهي ارتفاع أسعار النفط وتحقيق عوائد عالية، لم يستطيعا تحقيق ما يريده المواطن، من خدمات تليق ببلاد تتربع على عرش النفط العالمي، من حيث الإنتاج، فكيف سيكون الحال حينما تتراجع الأسعار في ظل الأوضاع الراهنة؟

وعلى ما يبدو أن الأمر هذه المرة قد يطول، بسبب أن موازيين القوى السياسية هي التي تتحكم هذه المرة، النفط الصخري من جهة، وبائعي النفط خارج أسواق «أوبك»، والصراعات السياسية في المنطقة، وتمدد الجماعات الإرهابية، وفي المقابل من غير المستبعد أن تكون إيران أحد اللاعبين المهمين في المنطقة، وهي تستخدم سلاح النفط من أجل التأثير في دول الخليج، وتدمير اقتصاداتها، بالتأكيد من خلال تحالفاتها مع دول أخرى منتجة مؤثرة.

المواطن السعودي البسيط يتخوف من أي هزة يتعرض لها النفط، على رغم عدم انعكاسها المباشر في تحقيق التنمية، إلا أن المخاوف تأتي من أن تضطر دول الخليج لاستغلال أحوال أسواق النفط، وتشرع في فرض ضرائب أو رسوم أو حتى رفع الأسعار للخدمات الحكومية، من جوازات أو إقامة أو تأشيرات سائقين وخدم منازل، أو حتى رسوم رخص القيادة ورسوم إدارات حكومية بشكل لافت، فالمواطن السعودي، يدفع رسوماً للعلاج في المستشفيات الأهلية، على رغم أن موازنات الصحة تستقطع 30 في المئة، والحال نفسها للتعليم، فهذا يعني أعباءً إضافية، كما يخشى السعوديون أن تتوقف عجلة مشروع أو تتعثر وربما يتم تأجيلها، وهي 500 ألف وحدة سكنية بقيمة 250 بليون ريال.

من المهم ألا تعصف أسعار النفط بآمال وأحلام المواطنين البؤساء والضعفاء، وتتحرك جهات أخرى في رفع إنتاجية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإزالة المعوقات وتسهيل الخدمات، والاستعداد لأي أزمة قد تطرأ، مهما حاول المسؤولون التخفيف من أثر تراجع الأسعار، فإن شتاء النفط هذه المرة قد يطول، ويحتاج إلى سرعة التحرك ومعالجة المشكلة، وقبل أن تتحول حياة المواطنين إلى «تعاسة»، عكس ما صرح به وزير النفط قبل اجتماع «أوبك» بأنه في قمة «السعادة»، يجب أن نعيد فهم الدرس.

 

* جمال بنون كاتب وصحافي اقتصادي.

 

المصدر | الحياة