الأحد 21 ديسمبر 2014 05:12 م

المملكة العربية السعودية هي بلد على وشك أن يشهد تغيرًا وشيكًا وملموسًا.

لقد أصابتني الرياض بالدهشة. فقد كنت أتوقع مُجتمعًا نقيَا يضم مراكز تسوق براقة وطرق سريعة مرصوفة لا يُرى لها نهاية وجدران عالية. لكن ما رأيته كان شيئًا أشبه بالفوضى بالإضافة إلى البشر. 

إنه مجتمع رقابي صارم ومغلق بالفعل، لكنه في الوقت ذاته يضم أكثر من لون ودعابة وفقر وأنوثة أكثر مما كان مُتصوراً. مشاهدة التلفاز لليلة واحدة ورؤية العرض الكوميدي الساخر «طاش ما طاش» يسخر من أعراف المجتمع السعودي، تكشف عن مفاجأة تكاد تكون شاملة: جميع رحلاتي على مدار سنين في الشرق الأوسط لم تقودني بالشكل المطلوب للبحث عن حياة هنا؛ في عاصمة المملكة العربية السعودية ذات الطابع المحافظ.

لقد استندت توقعاتي بشأن صورة البلاد على الأساطير. ففي المُخيلة الشعبية؛ هي عبارة عن شيفرة لصحراء جامحة وثروة فاحشة وأصولية متجذرة في كل ركن من أركان نظام ديني صريح. لقد ازدادت هذه الأفكار شدّة نتيجة الحصانة سيئة السمعة للمجتمع السعودي؛ حيث تعيش عائلات سعودية يغلب عليها ثقافة الانطوائية التي تجعل عمل ريبورتاج صريح أقرب إلى المستحيل. 

ولكن كلما تقضي وقتًا أطول في السعودية، كلما يلتهم الواقع الأساطير. لقد بدأ التغيير يحدث هنا في الوقت الذي يحاول قادتها تحقيق التوازن بين إصلاح دقيق ضد التقاليد المحافظة الراسخة والتهديد المُتصور بنشوب ثورة – ربما إسلامية أو شعبية كتلك التي حدثت في الربيع العربي - لرسم مسار المستقبل.

ومثل أي مكان آخر؛ فإن المملكة العربية السعودية عبارة عن بلد مُعقدّ للغاية، ويحوي فروقًا دقيقة لا حصر لها. ويمكن تصنيف البلاد على أنها من بين الدول الأقل حرية في العالم، لكن التقييمات تتجاهل الديناميكيات الاجتماعية المعقدة في البلاد وقوة السعوديين الفردية. 

ففي ساحة «الصفاة» سيئة السمعة حيث يتم إعدام هؤلاء الذين أُدينوا بتهم القتل والاغتصاب والمخدرات – شهد العام الجاري تنفيذ حوالي 75 إعدامات علني في المملكة العربية السعودية- وجدت هذا المسرح المُعدّ للإعدام تمامًا مثل أي ميدان آخر في أي مكان في العالم. يرقص الأطفال ويخرجون من النوافير بينما تراقبهم أمهاتهم. (في الصورة: ساحة الصفاة في الرياض)

وخارج مقر الشرطة الديني المُخيف - المتطوعون الذين يبحثون عن منتهكي قانون الشريعة الصارم مثل الملابس غير المحتشمة - يرتدي المراهقون قمصان كرة القدم المطبوع عليها «رونالدو» وهو يحرك الكرات حول بعضها البعض بينما تأكل العائلات الآيس كريم في الظل.

أُدرك أن وصولي لهذه المشاهد هو أمرٌ متميز أتاحه جنسي. كما أني على علم أيضًا أن ذلك بسبب وضعي كأجنبي وأن هذا المجتمع لا يزال قمعيًا بشكل صارم يُمارس الدور الرقابي؛ وما كان مُلفتًا للنظر في الساحة دون غيرهم هن النساء المتشحات بالبرقع الأسود. ولكن خلال خمس سنوات من زيارة السعودية تعلمت ما يكفي لأقول إن الأساطير التي عرفناها عن السعودية حول هذا الموضوع تخفي التغييرات التي بدأت تحدث في مجتمعها، وبشكل صارخ تبسّط تحليلنا لبلد حرج للغاية في منطقة الشرق الأوسط. 

إرهاصات التغيير

ويبدو أن الرياض تتنفس بحرية أكثر في الوقت الراهن، حتى في درجات الحرارة المرتفعة، مقارنة بأول مرة زرتها. لقد بدأ «الملك عبد الله» الجديد نسبيًا في تغيير السياسة السعودية والمجتمع بخطى مُتثاقلة على ما يبدو. وعلى الرغم من أن التغييرات التي أحدثها الآن في النظام ليست واضحة، إلا إنهم هناك يمهدون الطريق لمزيد من التغييرات في المستقبل.

وجاءت عملية إسكات الملك تدريجيًا للعناصر المتشددة من رجال الدين في السعودية ووهابيتهم الصارمة - بما في ذلك اعتقالات أغسطس التي طالت عددًا من رجال الدين المتشددين بسبب تجنيدهم المصلين الشباب في صفوف مجموعات إرهابية على سبيل المثال - حاسمة في جعلها المجتمع السعودي يتنفس. كما جاءت أيضًا ردًا على تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية» ضد بلاده أكثر من كونها ذات أهمية داخلية لإحداث التغيير.

ومع ذلك؛ فقد قيّد الملك «عبد الله» رجال الدين الوهابيين تدريجيًا واضعًا إياهم تحت سيطرته مخالفًا بذلك سُنّة عدم تدخل العائلة المالكة في الشئون الدينية. ويصف مقال ممتاز لــ«حنان الهاشمي» في صحيفة «الأخبار» العربية كيف سمحت الصحافة السعودية مؤخرًا بنشر موجة من الانتقادات الموجّهة للوهابية، والتي ما كان ليُسمح بها إلا بعد أخذ موافقة أعلى المستويات.

وصارت الفتاوى - حتى تلك التي تتعلق بالسلوكيات الشخصية - حاليًا لا تصدر إلا عن شيوخ «هيئة كبار العلماء» الذين يختارهم الملك. وبادر الملك «عبد الله» الأسبوع الماضي بخطوة استبدال وزير الشئون الدينية المسنّ بآخر أكثر شبابًا هو «سليمان أبا الخيل» وسط تكهنات من وسائل الإعلام أن ذلك تمّ بعد شعوره بالإحباط من كون الوزارة لم تفعل ما يكفي لمواجهة التطرف.

وعبّر الملك «عبد الله» عن عميق كراهيته للتطرف والإرهاب، داعيًا مواطنيه على مدار العام الجاري إلى رفضه. كما دعا أيضًا إلى الاعتدال في تفسير ومعالجة وضع المرأة في خطاباته. وتلك خطوات مهمة. فلم يعد سلوك البلاد خاضعًا لإشراف رجال دين قمعيين متمتعين بالحصانة، ولكنه صار في يد الملك الذي يبدو أنه يدرك أن بعض التغيير- مهما كان صغيرًا - هو أمر بالغ الأهمية لمستقبل البلاد. 

قد يكون الملك قد بلغ من الكبر عتيًا والتقاليد القبلية السعودية متجذرة فيه لكنه رجل عملي. وقد أتاحت له عملية إسكات أصوات رجال الدين أن يدفع نحو زيادة عدد التغييرات الصغيرة: مزيدٍ من انتخابات البلدية، وأول امرأة في منصب وزير، وتخصيص أوقاف ضخمة لجامعات غير إسلامية، ومشاركة المرأة في الألعاب الأوليمبية. وعلى الرغم من أن هذه التحسينات الإضافية قد تبدو كمستحضرات تجميل (حيث إنهم لم يدخلوا إلى قلب نظام الوصاية الأبوي الرقابي، على سبيل المثال، والذي بموجبه تحتاج المرأة لإذن أحد أقاربها الذكور لتنفيذ العديد من الأنشطة الأساسية علانية)، إلا إنها تحمل دلالة رمزية عميقة. كما يناقش السعوديون أمور السياسة، ولا يمكن إغفال ما في ذلك أيضًا من دلالة. وكما أشار بعض أصدقائي السعوديين أن هناك مناقشات الآن على «تويتر» لم يكن لها أن تحدث قبل عشر سنوات. (في الصورة: الملك عبدالله، وولي العهد الراحل الأمير سلطان، مع وفد من نساء المملكة في لقاء جنوب غرب نجران - أ.ف.ب 2010)

تدور بعض هذه المناقشات حول الأوضاع الاقتصادية. حقيقة واحدة عن السعودية هي أنها بلد يعاني الانقسام الشديد على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ينتشر الفقر بوضوح في مناطق بالرياض، ويعتمد أكثر من 600 ألف أسرة سعودية الآن على نظام الرعاية الاجتماعية، وهو الأمر الذي يقضي على أسطورة الدولة الغنية جدًا. هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في الرياض، وبين الثروة والفقر في المناطق الحضرية والريفية على التوالي. وهي الفجوة التي يدرك القادة السعوديون أن عليهم إغلاقها على الرغم من المحاولات الجادة في النمو الاقتصادي والتنويع ومكافحتهم لأجل سدّها. 

وفي هذا السياق؛ فإن الشخص السعودي لديه نفس المطالب كما الآخرين حول العالم: الازدهار والفرص والمزيد من السيطرة على مستقبلهم. ويتمّ فلترة هذه المطالب ببطء عن طريق وسائل الإعلام الاجتماعية في الوقت الذي تجري فيه التغييرات الصغيرة حتى في هذا المنتدى الخاضع للرقابة المُشددة. وعلى الرغم من أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت السعودية بأنها «عدو الإنترنت» الذي يستهدف بشكل ممنهج مستخدمي الشبكة العنكبوتية ويراقبهم ويعتقل الناشطين على وسائل الإعلام الاجتماعية، إلا إن المملكة بها أكبر نسبة مستخدمي «تويتر» في العالم، وكثيرا ما تُستخدم وسائل الإعلام الاجتماعية كوسيلة للاحتجاج؛ بما في ذلك الحديث عن تكلفة المعيشة وأشرطة الفيديو الأخيرة لقيادة النساء للسيارات (الممنوع عليهن القيام بها).

وتسمح هذه الوسيلة باشتعال النقاش في مختلف مناطق السعودية، ومن الممكن للشباب السعودي فتح آفاق التواصل عالميًا، في الوقت الذي يتيح فيه للطبقة الوسطى الصغيرة في البلاد أن تكون بمثابة المُحرك للتغيير، كما فعلوا في أماكن أخرى من العالم العربي.

التغيير ليس سهلاً

ولكن التغيير ليس بالأمر السهل هنا.

وتعمل قوة وسائل الإعلام الاجتماعية في اتجاهين: لقد وجد جمهور الوهابيين المناهضين للتقدم صوتهم على الإنترنت ولم يترددوا في استخدامه سواءً في دعم المجزرة الأخيرة ضد الشيعة في منطقة «الدالوة» أو في انتقادهم لحكومتهم «المتشبهة بالغرب».

ولا تزال مراقبة الإنترنت قوية، ومراقبة البلد نفسها أيضًا. ولا تزال الوهابية مركز الشرعية لعائلة آل سعود الحاكمة، وعلى الرغم من أن نزعتها المتطرفة غير واضحة، إلا إن طابعها المتشدد قائم، لا سيما من خلال الشرطة الدينية. وعلى الرغم مما يحققه العلماء من إنجاز فقير غالبًا؛ إلا إنه في كثير من الأحيان يكون لهؤلاء الضباط سلطة تحدي وإعاقة أي تغيير؛ وهذا واضح جدًا في المجال العام، سواء من خلال المضايقة أو العقاب البدني، وعلى الرغم من أنهم أكثر إثارة للخلاف مما كانوا عليه في السابق، إلا أنهم يبقون بمثابة بيان عام قوي للعلاقة بين الدين والدولة والمجتمع. 

وما يجعل التغيير أمراً صعباً هو أن التقاليد والتاريخ لهما أهمية قصوى في المجتمع السعودي في الوقت الذي توجد هذه الأمة الفتية ذاتها في عمق التاريخ الإسلامي الواسع لآراضيها. النسب والدم هما مَعين أسرة السعودية الذي لاينضب؛ وخاصة ذلك الموجود ضمن الشبكة الضخمة لسلالة آل سعود، كما أنها عائلة أعطت الدولة اسمها وتقودها منذ التأسيس في عام 1932م. وفي هذا السياق؛ فإن تغيير جذري هو بمثابة عدم احترام لما جاء من قبل، فضلاً عن أنه اعتراف أن أسلافك كانوا على خطأ في مجتمع واحد لا يمكن أن يجاهر فيه المرء صراحة باختلافه مع الأكبر سنًا أو السابقين.

لا يمكن لأي ملك من آل سعود أن يتحرك بسرعة كبيرة جدًا. وحتى الملك نفسه سيظل حذرًا بينما هو يمسك بعجلة القيادة في المقدمة، وينبغي على الشخص الذي يحدد وتيرة التغيير ويعدّل أن يتسم بخفة السرعة.

في الملكية المطلقة؛ هذا موقف قوي بشكل لا يُصدق مع القدرة على ضرب التغيير في مقتلٍ في ضوء الضغوط المناسبة. ولكن يوجد هنا أمل. فقد تمّ تحديد الملك المقبل؛ والأسماء المرشحة الأمير «سلمان» والأمير «مقرن» هما محافظان براجماتيان من طراز «عبد الله». وقد حارب «عبد الله» بضراوة داخل الأسرة لضمان ذلك، ملتفًا على عدة آليات من أجل وضع الأمير «مقرن» الثاني في الترتيب الثاني في ولاية العرش. «مقرن» الذي على وشك أن يُنهي عقده السابع - الشاب النسبي من وجهة نظر آل سعود - لن تكون هناك مفاجأة إذا نجح في توفير 15 عاماً أخرى من الحكم المستقر نسبياً.

وتبقى أسطورة واحدة عن السعودية هي التي صدقت؛ لن يكون التغيير هنا نسفًا للعلاقة مع الماضي كما كان في أي مكان آخر، ولكنه سيكون تدريجيًا ويُدار بإحكام. وستبقى الوهابية كما يبقى النظام الرقابي المتشدد متمثلاً في انعدام الحقوق وعدم التوازن الاقتصادي. وستكون هناك حرب بطيئة ضده.

وعلى الدول الغربية أن تضبط توقعاتها وفقًا لذلك مع الاستمرار في الضغط من أجل تلك الإصلاحات. الخطر هنا ليس في سلوك الثورة الطريق الخاطيء كما حدث في سوريا، ولكن في العودة إلى النظام المحافظ الكامل لإحباطها؛ إما لإرضاء الدوائر الانتخابية المحلية أو بسبب أحداث خارجية.

التغييرات خارج الحدود السعودية هي أكثر سرعة مما هو متوقع، وهذا هو الشيء الوحيد الذي قد لا تستطيع البلاد التعامل معها. إذا تعدى الشتاء العربي على السعودية بسرعة كبيرة جدًا، فإن رد الفعل الوحيد سيكون العودة إلى النظام المحافظ الأكثر صرامة، ومن ثمّ إسدال الستار على حقبة غير مسبوقة وغير متوقعة من التغييرات الصغيرة. يوجد حياة ولون وأمل هنا، لكنه يبدو هشاً.

المصدر | تشارلي أسكيو، بروسبيكت