الأحد 1 فبراير 2015 03:02 ص

الهجوم الذي عزي لإسرائيل يوم 18 كانون ثاني 2015 على القافلة التي ضمت نشطاء من حزب الله وقادة فصيل القدس التابع لفيالق الحرس الثوري الايراني في هضبة الجولان، قريبا من القنيطرة، جاء استمرارا للغارات الاسرائيلية التي تمت خلال العام الماضي في سوريا واستهدفت اعتراض نقل الأسلحة القادمة من إيران إلى حزب الله، هذا الهجوم تم تفسيره من قبل إيران وسوريا وحزب الله على أنه تغيير في قواعد اللعبة من قبل اسرائيل.

ليس هناك من اعتراض على ان هذه الغارة – والتي هي تصفية مستهدفة في الواقع – لشخصيات رمزية على شاكلة جهاد مغنية ومحمد علي الله دادي، الضابط الإيراني ذو الرتبة الرفيعة في فصيل القدس، أعطت بعداً جديدا للتوتر بين اسرائيل وحزب الله وإيران. 

إن استهداف رجال حزب الله وإيران على الاراضي السورية منحت هذا الحدث اهمية اكبر بكثير من الحوادث التي سبقتها على حلبة المواجهة بين اسرائيل "والمحور" (ايران – سوريا – حزب الله). يتركز الاهتمام حاليا على محاولة تخمين الرد الذي سيقوم به حزب الله، سواء تم بالتنسيق مع إيران أو بمعزل عنها، بما في ذلك تقدير الدوافع التي ستوجه رد "المحور".

على ما يبدو، فإن إيران وحزب الله يريان في هذه الغارة على انها اجتياز للخط الأحمر، مما يستوجب جباية ثمن مرتفع من إسرائيل التي أكدت ذاتها كمن يتجاوز بشكل دائم قواعد اللعب التي تم وضعها منذ تفجرالحرب الأهلية  في سوريا، وهذا يشير إلى أن صفة الردع الخاصة بحزب الله والتي اكتسبها منذ اندلاع حرب لبنان الثانية أخذت في التآكل.

لقد ضربت إسرائيل الحزب مرة تلو الأخرى، ابتداء بتصفية عماد مغنية في 2008، مرورا باستهداف حسن لكيس في 2013 في بيروت، وانتهاء بالغارة الأخيرة في هضبة الجولان. كل ذلك، مضافاً إليها عمليات كثيرة نسبت إلى إسرائيل ونفذت ضد إرساليات الأسلحة لحزب الله على الاراضي السورية واكتشاف شبكة التجسس التي عملت داخل الحزب بشبهة التعامل مع إسرائيل.

 جاءت ردود حزب الله على هذه الأحداث ضعيفة نسبياً، كان منها رد واحد ذو قيمة، وهي العملية التي تمت عام 2012 في بورغاس، بلغاريا، إلى جانب محاولات فاشلة لضرب اهداف أخرى في الخارج، وكذلك عمليات محدودة في شمال هضبة الجولان وجبل دب خلال عام 2014.  لذلك، يمكن الافتراض، بان الحزب وراعيه إيران، يعتبرون بأنه يتوجب عليهم تجديد قدرة الردع في مواجهة إسرائيل، وكذلك حتى لا يتم إزاحة مبدأ المواجهة مع إسرائيل جانباً، وهي التي من وجهة نظرهم لا تفهم إلا لغة القوة، وللعمل وفقا لروحية المقاومة.

وفقا لتقديرهم، فإن استمرار عملية ضبط النفس النسبية في مواجهة إسرائيل سوف تشجع هذه الأخيرة على التمادي في التصعيد مما يؤدي إلى تآكل مكانة حزب الله باعتباره طليعة المقاومة. هذه التقديرات المتعلقة بنوايا حزب الله تجد مبررها من الأقوال الصريحة لأمين سر الحزب حسن نصر الله والتي أدلى بها خلال الشهور الأخيرة وكذلك من خلال تصريحات قادة الحزب التي اسمعوها بعد الهجوم الأخير، لتوفير مبررات لهذا الرد.

غير أن اتخاذ خطوات رد دراماتيكية من قبل حزب الله وإيران تحمل في ثناياها مخاطر تدهور الوضع وصولا لحالة الحرب، وهي تطورات لا يرغب بها أي من الاطراف المتورطة، إيران – سوريا – حزب الله – وإسرائيل. وليس فقط لأن حزب الله غارق في حرب دون مخرج في سوريا، وخصوصا المواجهة مع الدولة الإسلامية في العراق وسوريا،  والتي دفعته إلى توزيع قوته على عدد من الجبهات، بل لأنه يتوجب عليه أيضا مواجهة مشاكل البيت، اي الوضع الداخلي في لبنان.

التوترات داخل الحلبة اللبنانية تجبر حزب الله على تجنب صدامات فائضة.  مؤخرا بدأ الحزب يجري حوارا بين ممثليه وممثلي حزب المستقبل، الذي يمثل المعسكر المعارض لحزب الله في لبنان، والهدف من الحوار هو ازالة التوتر السني – شيعي في الدولة والوصول إلى نهاية لمأزقها السياسي المتثل في عدم القدرة على انتخاب رئيس للبلاد منذ أيار الماضي.

وقد جاءت هذه المحادثات بعد مخاض عسير استمر طويلا، بناء على الضرورات الطارئة لتعزيز الدولة في مواجهة موجات الهجرة من سوريا، وتسلل عناصر جهادية سلفية داخلها، وكذلك تدهور الوضع الأمني الداخلي. فالدولة الأسلامية وجبهة النصرة تعملان على توسيع ميدان المعركة من خلال الحدود السورية اللبنانية، وإدخال الدولة المجاورة في دائرة العنف.  نجاحهما في تحقيق ذلك، سوف تحقق حلم الجنون اللبناني.

على نصر الله أن يأخذ هذه الاحتمالية المهددة في الحسبان، إذا اختار أن يخاطر في مواجهة ذات زخم تدميري كبير من قبل إسرائيل. إذا لم يكن ذلك كافيا، فإن وقوف حزب الله بلا تحفظ إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا، عززت الروابط القوية بينهما. لذلك فإن أي عملية ضد إسرائيل تتسبب في رد إسرائيلي ضد المحور مما ستضر بالسلطة في دمشق وتضعفها في مواجهة أعدائها الداخليين.

 بعد أيام من تلقيه هذه الضربة المؤلمة والمهينة على المستويين المعنوي والعملي، فإن حزب الله يجري حساباً لخطواته. كما هو متوقع يطلق تصريحات التهديد، يجمع المبررات، ويعد ذاته للرد. والسؤال هو، ماذا يحدث تحت السطح. ما هي الإتصالات الجارية بين إيران وحزب الله، ما هو المنطق الذي سوف يقود خطوات للمحور للرد.

مما لا شك فيه انهم في إيران يصغون بانتباه لأصداء الجدل حول فيما إذا كانت اسرائيل تعلم بوجود الضابط الإيراني ومساعده في القافلة التي تعرضت للهجوم، وكيف أثرت هذه المعلومة على إسرائيل باتخاذ القرار بالهجوم.

من جهة أخرى، الاعتبارات الإيرانية للوضع السوري اللبناني أكثر اتساعا من تلك التي تخص حزب الله. وتتركز حول مكانة إيران الاقليمية والدولية.

على أصحاب القرار الإيرانيين الاخذ بعين الاعتبار كفاحها من أجل حفظ التوازن الاقليمي مع المملكة العربية السعودية، وكذلك عدم الممانعة، والتي والتي تفهمها على أنها قبول من الغرب بشرعية مناطق نفوذها في العراق وسوريا ولبنان ومناطق مختلفة عبر مجموعات شيعية اخرى تشكل أذرع العمل لإيران، وبالطبع المباحثات حول طبيعة الذرة التي تدار مع القوى العظمى.

هذه المواضيع ذات الوزن الثقيل تشارك هي الاخرى في منظومة الاعتبارات، والتي سوف تحكم طبيعة رد المحور على هجوم الجولان، من يرد، ومتى وفي اي قطاعات وما هي الخطوط العريضة للرد، أما سوريا فهي  تمتلك هامشا ثانويا في اتخاذ القرار في هذا المجال، على الرغم من ان الحدث تم على أراضيها.

 السياسات العلنية للمحور تدخل هي الأخرى في شبكة الاعتبارات كما بدت مؤخراً: للمرة الاولى لا يخفي الإيرانيون وجودهم في هضبة الجولان – وهو ما جرى اعتباره غير ممكن حتى الآن. حزب الله يتيح لذاته حرية عمل واسعة وتأثير كبير في هضبة الجولان ويعمل في المنطقة لاقامة بنية تحتية لمهاجمة اسرائيل. ليس دفاعا عن دمشق، بل من خلال الشعور بالقوة والتحرر من الاعتبارات التي تحكم نظام الأسد، دون الاكتراث فيما اذا كان هذا النظام يوفر الدعم لذلك ام لا.

وفقا لما يراه المحور، إذا سمحت إسرائيل لنفسها بحرية العمل في هضبة الجولان، ومن خلال الاستعانة بمستويات مختلفة من المتمردين على نظام الأسد، عندها تتغير الوقائع وتتحول هضبة الجولان – كونها حلبة مهجورة دون سيطرة – وبشكل متصاعد إلى حلبة صدام اساسية بين المحور وإسرائيل.  هذا هو  المكان المناسب لوضع قواعد جديدة للعب.

 يبدو أن إيران وحزب الله يبحثان عن رد مؤلم جدير بترميم قوة الردع، ولإفهام إسرائيل بأنهما لن يسلما بالتغيير الذي أحدثته في قواعد اللعب بدلالات عملياتها، ولكن دون التورط في حرب. وكما تم صياغة ذلك في عنوان مجلة السفير اللبنانية، الصادرة بتاريخ 19 كانون ثاني 2015: "اكثر من رد، أقل من حرب".

أمام المحور يوجد عدد من الاحتمالات للرد، وفي مستويات قوة مختلفة – بعضها استخدم في الماضي وبعضها لم يجرب بعد. من ضمنها: عملية جوية بواسطة طائرات بدون طيار، هجوم عبر البحر، الهجوم على قوات ومعسكرات الجيش في الجبهة الشمالية، تشمل اطلاق زخات صواريخ، الحرب الالكترونية، عمليات محددة على حدود لبنان اسرائيل (الخط الأزرق)، والعمليات في الحلبة الدولية.

تستطيع اسرائيل بدورها أن تؤثر على رد المحور بطرق مختلفة، اولا، تعمل اسرائيل منذ فترة على تحسين جوهري في مكونات الدفاع في الشمال، كذلك تعمل على تقليل امكانية توقع تحركاتها، لحرمان حزب الله من الحصول على فرص عملياتية.

من الواضح، ان الهدف الموجِه لإسرائيل، غير الحفاظ على الهدوء والأمن في الشمال، هو منع ايران وحزب الله من اقامة مراكز تحكم وبنية تحتية للإرهاب في هضبة الجولان.

وفي ذات الوقت، نشأ في منطقة الشمال، وضعا جديداً، من ضمنه قيام تشابك - غير قابل للانعكاس لاعتبارات عديدة، بين جنوب لبنان وهضبة الجولان, وذلك بحكم توسع حلبة النشاط لحزب الله وازدياد تعلق الاسد به، هذه التطورات تمكن إسرائيل من ايجاد معادلة وفقها اذا جرت عملية في قطاع الجولان سوف تؤدي إلى رد اسرائيلي في لبنان، او العكس، عملية لحزب الله من الحدود اللبنانية قد تؤدي على تدمير محتمل لمنشآت النظام في سوريا.

 رسائل كهذه من شأنها ان تؤثرعلى اعتبارات الحزب وإيران في مواجهة قرارات بمهاجمة اهداف اسرائيلية. وخصوصاً إذا سعوا إلى فتح جبهة في هضبة الجولان معزولة وغير مرتبطة بجنوب لبنان.

 ختاما، المنطلقات الاسرائيلية يجب ان تدور حول حدث، هو جزء من مواجهة محور إيران وحزب الله. والذي لن يمر على تصفية قادته مرور الكرام. منذ ذلك، ميزان الردع والتوازن بين الاطراف يقف على حافة الانتهاك، ولم يتبق سوى الانتظار لنرى كيف سترد إيران وحزب الله لإعادة تشكيل قواعد اللعب. ومن خلال حسابات الشروط المفروضة عليهم من الداخل والخارج.

أما بالنسبة لإسرائيل، فيجب عليها أن تظهر اصرارا ولا ترتدع عن التصعيد، هذا إذا كان لها مصلحة فعلية في منع تمركز حزب الله وإيران في الجولان، الامر الذي سيحول الهضبة إلى منصة للهجوم في الوقت المناسب والظروف المناسبة.

المصدر | نظرة عليا - ترجمة المصدر السياسي