الثلاثاء 8 يوليو 2014 08:07 ص

مايكل آيزنشتات، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 1 تموز/يوليو 2014

في الأسبوع الأول من تموز/يوليو، استهلت إيران والقوى العظمى مفاوضات ماراثونية للتوصل إلى صفقة طويلة الأجل بحلول 20 تموز/يوليو، لنزع فتيل الأزمة المتعلقة ببرنامج إيران النووي - المستمرة منذ عقدٍ من الزمن. بيد، بينما تسعى إيران إلى التوصل إلى اتفاقٍ من شأنه أن يحفظ مكانتها كدولة على العتبة النووية، لم تشهد الجمهورية الإسلامية مناقشات تُذكر حول المخاطر التي قد تطرحها سياساتها النووية الراهنة. فالنقاش العام حول برنامجها محدودٌ للغاية ويتمحور بشكل رئيسي حول "حق تخصيب اليورانيوم" الذي ينادي به النظام الإيراني وحول الحسنات المزعومة للطاقة والتكنولوجيا النووية.

إلا أن هذا النقاش لم يتطرق إلى نقاط الضعف المتعلقة بوقوع حوادث مؤسفة أو زلازل أو أعمال إرهابية أو ضربات عسكرية -  من نوع البنية التحتية النووية الذي يبدو أن إيران مصرة على امتلاكها، ولا إلى إمكانية أن يؤدي برنامجها الحالي (حتى لو تم تحديد سقفه لبضع سنوات) إلى دفع الدول المجاورة إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية خاصة بها، الأمر الذي يزيد من احتمال تطوير القنبلة الإيرانية. وبما أن النظام الإيراني نفى أي اهتمام له بالأسلحة النووية - حتى في الوقت الذي يستحوذ فيه على الوسائل والدراية اللازمة لصنعها - فقد تجنب المناقشات العامة حول الحقائق المروعة للحرب النووية. (للحصول على تقييم ما الذي ستعنيه الحرب النووية بالنسبة لإيران، انظر إلى الرسم المرافق، "زجاج المنازل": نقاط الضعف النووية الإيرانية).

ويسهّل هذا على كبار المسؤولين الإيرانيين الإفلات من المسؤولية عند التفوه بكلامٍ مستهتر يتجاهل المخاطر الكامنة في سياسات إيران النووية الحالية. وعلى هذا الأساس هدد المرشد الأعلى علي خامنئي - خلال الخطاب الذي ألقاه بمناسبة عيد النوروز عام 2013 - بتدمير تل أبيب وحيفا إذا ما شنّت إسرائيل ضربة وقائية ضد البنية التحتية النووية الإيرانية - وقد تكرر هذا التهديد لاحقاً من قبل مسؤولين آخرين. وفي الآونة الأخيرة، حذر نائب قائد "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" العميد حسين سلامي بقوله، "اليوم، بإمكاننا تدمير كل بقعة موجودة تحت سيطرة النظام الصهيوني مع حجم النيران [الذي نريده] من هنا.... الإسلام أعطانا هذه الرغبة، القدرة على تدمير النظام الصهيوني بحيث تبقى ايدينا على الزناد من مسافة تبعد 1400 كلم لليوم الذي يقع فيه حادث [مواجهة مع إسرائيل] من هذا النوع."

ولكن من المشكوك فيه أن يعتقد آية الله الخامنئي حقاً أن طهران قادرة على تدمير تل أبيب وحيفا، أو أن سلامي يعتقد أن بإمكان إيران تدمير إسرائيل بواسطة ترسانتها الحالية من الصواريخ التقليدية (باستثناء ما تنشره الجمهورية الإسلامية في أشرطة الفيديو الدعائية المتحركة التي تُبث من على شاشات التلفزيون الإيراني). ومن المستبعد كذلك أن تتجرأ إيران أصلاً على القيام بذلك في الظروف الطبيعية.

وفي الواقع لطالما احتدّت إيران وتوعدت كلامياً في حين تصرفت بحذر تجاه إسرائيل فكانت تعمل عبر وكلاء من قبلها عندما كان ذلك ممكناً، نظراً للقدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية الكبيرة التي تملكها إسرائيل بما فيها ترسانة مكونة من مائة إلى مئتي سلاح نووي يُفترض أن إسرائيل أنتجتها للتعامل مع السيناريوهات الكارثية التي يهدد بها المسؤولون الإيرانيون. إلا أن الأجواء النفسية التي يحدثها هذا النوع من التهديد والوعيد قد تزيد من احتمالات سوء التقدير خلال حدوث أزمة أو اندلاع حرب، إذا ما نجحت إيران في الحصول على القنبلة.

ويبدو أن كبار المسؤولين الإيرانيين لا يقدّرون المخاطر التي يكتنفها المسار النووي الحالي لبلادهم. فحين سُئل قائد قوات "الحرس الثوري الإسلامي" اللواء محمد علي جعفري خلال حديثٍ علني أجراه مؤخراً عمّا إذا كانت إيران قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أي ضربة نووية، أجاب قائلاً: "ليس من الممكن تفادي هجوم ذرّي ولكنّ بالطبع [أعداء إيران] لن يرتكبوا هذه الغلطة. فالقدرات التي تم بناؤها في إيران ومناطق أخرى في العالم للرد على أي نوع من الأعمال العسكرية ضد إيران هي كبيرة جداً و [تُستخدم كقوة] رادعة. والتهديد الذري هو تهديد تافه."

ومع ذلك، ليس من الضروري للمرء أن يعتبر القيادات الإيرانية "غير عقلانية" أو جزء من "مذهب متنبئ بنهاية العالم" لكي يشعر بالقلق بأنه في حال حصول إيران على القنبلة، فإن الإستخدام الثنائي الاتجاه للأسلحة النووية يمكن أن ينجم عن سوء تقدير أو تصعيد غير مقصود بين إيران وإسرائيل يكون ناشئاً عن الأزمة في بلاد الشام، أو بين إيران والولايات المتحدة نتيجة الصراع التقليدي في مضيق هرمز.

وخلال الحرب الباردة، كان العالم قاب قوسين أو أدنى على اندلاع حرب نووية في عدة حالات - [على سبيل المثال] أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، والحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، ونتيجة عدد من الانذارات الكاذبة والحوادث. وقد تنشأ حالات مماثلة إذا استحوذت إيران على الأسلحة النووية. كما قد تتعاظم المخاطر بشكل أكبر وتصبح المسائل أكثر تعقيداً إذا أدّت المراوغة النووية الإيرانية في نهاية المطاف إلى إشعال سباق تسلح نووي مزعزع للاستقرار في المنطقة مع إمكانية جرّ إيران إلى حرب نووية - وهو خطر لا وجود له اليوم.

ونظراً إلى المدة القصيرة التي تحتاجها الصواريخ لإصابة هدفها كما إلى غياب خطوط ساخنة للأزمة بين طهران وأعدائها، من الممكن أن تعتمد الدول الإقليمية مواقف نووية تتضمن إجراءات "الإطلاق عند التحذير" أو إعطاء القادة العسكريين تفويضاً مسبقاً بإطلاق الصواريخ. ومن شأن هذه الخطوات أن تزيد خطر الاستخدام غير المقصود أو غير المصرح به للأسلحة النووية خلال الأزمات، أو الحروب نتيجةً لخطأ في التقدير. وهذا احتمالٌ قد يتعاظم بفعل الخطابات المتهورة والتحريضية التي يلقيها المسؤولون العسكريون الإيرانيون.

في ضوء هذه المخاطر المحتملة، قد تستفيد إيران كثيراً من المناقشات العامة على غرار تلك التي أجريت حول الأسلحة النووية والحرب النووية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية في ستينات وسبعينات القرن الماضي. فخلال الحرب الباردة، كانت الجهود التي بذلها الناشطون ضد الأسلحة النووية وكذلك الأفلام مثل "على الشاطئ" (1959)، و "الدكتور سترينجغلوف" (1964)، و "آمنة من الفشل" (1964)، و "حادثة بدفورد" (1965)، و"بعد ذلك اليوم" (1983)، قد ساهمت في تثقيف أبناء الغرب على الحدود المحتملة للردع النووي، ومخاطر وأهوال الحرب النووية. وفي النهاية شكل الرأي العام دافعاً للجهود الرامية إلى تهدئة سباق التسلح من خلال الحد من التسلح وعبر معاهدات الحد من انتشار الأسلحة النووية، التي ساعدت على تخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وأدت إلى تقليص الترسانات النووية لكلتا القوتين العظميين بشكلٍ هائل.

قد يبدو من غير الواقعي الاستنظار من هذا النوع من المناقشة العامة في إيران بأنه سيؤثر على سياسة الحكومة نظراً إلى درجة تسييس المسألة النووية من قبل النظام ومدى سيطرته على المحادثات العامة بهذا الشأن. إلا أن التجربة أظهرت أن الجمهورية الإسلامية، وبالرغم من ميولها الاستبدادية، تستجيب أحياناً إلى رأي مواطنيها. لذلك تجنّبت طهران عموماً التورط في اشتباكات أجنبية مكلفة وآثرت الاعتماد على وكلائها العرب لتنفيذ المطلوب كلما أمكن ذلك، نظراً إلى الصدمة الشعبية المستمرة التي خلّفتها الحرب بين إيران والعراق. أما في الداخل فقد خففت [الحكومة] بانتظام التشدد في قواعد اللباس الإسلامي وكذلك الحظر المفروض على أطباق الصحون اللاقطة بعد أن أدركت أن هذه التدابير غير شعبية. وتسعى حالياً إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي طويل الأجل مع مجموعة «دول الخمسة زائد واحد» (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا) من أجل تخفيف العقوبات عن مواطنيها الذين يعانون من قيود مالية جمة.

وبما أن قيادات البلاد تبدو منقسمة ما بين فريقٍ قد يكون مستعداً - على الأقل في الوقت الراهن - للتعايش مع القيود المفروضة على برنامج إيران الحالي، وفريق آخر يفضّل برنامجاً لا قيود عليه ويمكن تعديل معداته بسرعة لإنتاج الأسلحة النووية، فإن الإعلان عن المخاطر والأخطار التي يشكلها برنامج إيران النووي قد يغيّر شروط النقاش ويشجع الجمهورية الإسلامية على ضبط كلماتها وأعمالها بشكل أكبر. ولربما يساعدها ذلك على تجنب الخطوات المزعزعة التي قد تشكل خطراً طويل الأجل على صمودها - وصمود جميع شعوب المنطقة. و لم يفت الأوان بعد على بدء مثل هذا النقاش النووي في إيران.

 

مايكل آيزنشتات هو زميل أقدم ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذراع البحثي للوبي المصالح الإسرائيلية بالعاصمة الأمريكية.