الاثنين 10 نوفمبر 2014 04:11 ص

يقترب موعد جولة المفاوضات النووية بين إيران والدول الست الكبرى بعد ثلاثة أسابيع بالضبط من الآن، ومعها تحبس المنطقة أنفاسها. ومع انتهاء اللقاء الذي جرى في سلطنة عمان أول من أمس بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ونظيره الأميركي جون كيري، والتعتيم الذي جرى حول جدول أعماله، تتراوح معظم التوقعات في المنطقة بين سيناريوهين أقصيين: الأول نجاح شامل للجولة القادمة يطوي مشكلة الملف النووي الإيراني والعقوبات الأميركية، بما يعدل جذرياً من موازين القوى في المنطقة لمصلحة إيران. والثاني فشل مدوٍ للمفاوضات سيترافق معه بالضرورة تدهور في العلاقات الإيرانية - الأميركية، ما يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط على إيران وتوسيع العزلة الدولية عليها. على العكس من كلا السيناريوهين، تعتقد السطور التالية أن سيناريو ثالثاً مغايراً هو الأكثر احتمالاً.

الإطار العام للمفاوضات النووية

يقضي الإطار العام للمفاوضات النووية الجارية أن توافق إيران على التزامات طويلة المدى تتعلق بتقليص برنامجها النووي، في مقابل رفع متدرج للعقوبات المفروضة عليها. بمعنى آخر، تلتزم إيران تعاقدياً التزاما طويل المدى، مقابل أن يستخدم أوباما صلاحياته الرئاسية لتقليص العقوبات الاقتصادية الثقيلة المفروضة على إيران، وأن يستأذن الكونغرس في إلغاء The Iran Sanctions Act بحلول نهاية العام 2016. ولهذا الغرض، فقد باشرت إيران بعد انتخاباتها الرئاسية العام الماضي في التفاوض حول ملفها النووي مجدداً، وأفلحت في إبرام «اتفاق إطار» مع الدول الست ينتهي بعد ستة شهور، وبسبب الفجوة الكبيرة التي تفصل مواقف الأطراف، ورغبتها جميعاً في استمرار التفاوض، فقد تم تمديد المهلة لستة شهور إضافية بغرض التوصل لاتفاق نهائي، وهذه المهلة الإضافية ستنتهي بعد ثلاثة أسابيع من الآن. صحيح أن هناك تقدماً أُحرز في التفاصيل التقنية، إلا أن طبيعة البرنامج النووي الإيراني بعد الاتفاق ما زال مختلفاً عليها مع ذلك. وفيما تريد واشنطن أن تبقي لإيران حق الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بشكل مقيد للغاية ورمزي، تريد إيران الاحتفاظ بحقها في إنتاج وقود نووي بكميات تصلح لإسناد متطلباتها الصناعية. بالتوازي مع ذلك، يستمر ركام هائل من التفاصيل التقنية من دون حل، ما يعرقل موضوعياً التوصل إلى اتفاق. وللتدليل على حراجة التفاوض وصعوبة التوصل إلى حل شامل ونهائي بعد ثلاثة أسابيع، يكفي أن نعرف أن التفاوض يجري على عدد أجهزة الطرد المركزي المسموح باستمرارها في إيران بعد الاتفاق، وعلى درجة تخصيب اليورانيوم المتفق عليها، وكذلك على كمية الوقود النووي المسموح لإيران بحيازتها على أراضيها، ووضعية مفاعل المياة الثقيلة في أراك، وطبيعة منشأة فردو المحصنة، ونشاطات منشأة بارشين العسكرية، إلى آخر ذلك من القضايا الشائكة. وبالإضافة إلى الركام التقني المذكور، لا يمكن - منطقياً - تصور إيران وهي تقبل بإبرام اتفاق نهائي في ظل استمرار العقوبات المكثفة والموسعة المفروضة عليها. في المقابل، سيصعب على إدارة أوباما أن ترفع العقوبات في أي مدى منظور قادم بسبب عرقلة الكونغرس، خصوصاً بعد انتخابات التجديد النصفي الأخيرة. هنا يتنحى جانباً السيناريو المتفائل القاضي بأن الاتفاق بين الأطراف يبدو وشيكاً، وفي الوقت عينه تبدو كلفة السيناريو المتشائم باهظة للطرفين. على ذلك سيحرص الطرفان الإيراني والأميركي (التفاوض الفعلي يدور بينهما مع أدوار هامشية للدول الخمس الأخرى)، على منع فشل المفاوضات، عبر التوصل إلى سيناريو ثالث.

حسابات روحاني

يتهم خصوم الرئيس الإيراني إياه بأنه خيّب آمال الإيرانيين بتغيير السلوك الغربي في ما يخص العقوبات، إذ لم تجلب المفاوضات شيئاً محدداً حتى الآن. وجاء فرض حزمة جديدة ورمزية من العقوبات على طهران خلال الشهور الأخيرة، برغم وفاء إيران بالتزاماتها التفاوضية، فرصة سانحة لتشديد الضغط عليه. ولأن الرئيس روحاني رجل سياسي، فمثله مثل أي سياسي آخر، لا بد له من إحراز نجاحات تخوّله الاستمرار في ظل تجاذبات داخلية لا يمكن الاستهانة بها. النجاحات في حالتنا هذه لا تعني سوى رفع العقوبات عن إيران. وإذا استمرت المفاوضات قائمة من دون رفع جدي للعقوبات أو حتى شطر كبير منها، فستظهر نتائج ذلك في انتخابات البرلمان الإيراني القادمة بصعود التيارات المناوئة له. قبل عام، دفعت المفاوضات النووية الريح في شراع روحاني بالآمال الكبيرة التي علقت عليها في رفع العقوبات، والآن تسير الديناميكيات سيراً مغايراً. سيوافق روحاني في الجولة المقبلة على إعلان نجاح جزئي للمفاوضات، لاعتبارات متنوعة داخلية وإقليمية. إذ بالإضافة إلى البعد الداخلي المذكور أعلاه، هناك اعتبارات إقليمية تدفع إيران إلى الموافقة على السيناريو الثالث أي الاتفاق الجزئي. أولاً، سيقنن الاتفاق الجزئي نوعاً ما التقدم الإيراني على الساحات الإقليمية. ثانياً، لأن استمرار الحرب على «داعش» سيضعف المعسكر المقابل لإيران باعتبارها «مشكلة سنية» وليست إيرانية، وسيرفع بالتالي من الطلب الأميركي على تعاون إيران في هذا الملف. وثالثاً، ليس من مصلحة إيران رفض الاتفاق المحدود، وبالتالي الظهور أمام العالم بمظهر المتعنت، ما يسهّل مهمة إسرائيل في تشديد العزلة الإيرانية والضغط الديبلوماسي عليها. رابعاً، سيسمح الاتفاق المحدود لإيران بالمضي في تفاهمات مع أميركا بخصوص قضايا المنطقة، ما يقنن في النهاية نفوذها الإقليمي المتزايد.

حسابات أوباما

واجه أوباما عرقلة واضحة من الكونغرس الأميركي في مفاوضاته مع إيران، ويتوقع أن تزداد العرقلة بعد انتخابات التجديد النصفي وسيطرة الجمهوريين على الكونغرس. وبرغم الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئيس والبيت الأبيض في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، إلا أن الكونغرس يستطيع العرقلة عبر فرض عقوبات جديدة، أو الامتناع عن رفع العقوبات القائمة بالفعل، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على رفع عقوبات فرضها بنفسه بحسب النظام السياسي الأميركي. يرغب أوباما في تنويع تحالفاته الإقليمية وإقامة توازن ما في علاقات أميركا الشرق أوسطية بين السعودية وإيران، وهو أمر يحبذه الاستراتيجيون في إدارته، ويجد أوباما صعوبة في ترجمته على الأرض بسبب معارضة حلفاء واشنطن في المنطقة. وإذ ينخرط حلفاء أميركا العرب في الخليج في القتال ضد «داعش»، ويعطون غطاء فائق الأهمية من المشروعية لواشنطن، إلا أنهم يسعون في المقابل إلى توجيه الأحداث بحيث تتم إطاحة النظام السوري حليف إيران، وهو أمر سيوجه ضربة قوية للمفاوضات النووية بين إيران أميركا. وفي كل الأحوال، فإن التوصل إلى أي اتفاق شامل مع إيران، سيجعل أوباما عرضة للاتهام في الكونغرس بأنه «يدلل» إيران. لا يستطيع أوباما إبرام اتفاق شامل، لأنه لا يستطيع دفع ثمنه أي رفع العقوبات. وفي الوقت عينه، أصبح التفاوض مع إيران جزءاً لا يتجزأ من حلم أوباما في سنتيه الأخيرتين في المكتب البيضاوي بالوصول إلى اتفاق معها، بحيث يكلل مساعيه طيلة السنوات الست الماضية. تأسيساً على ذلك، يتقدم سيناريو الاتفاق الجزئي مع إيران، ليصبح أفضل بديل ممكن لأوباما.

سيناريو «النهاية السعيدة»

يشي تقليب النظر في الديناميكيات التفاوضية بين إيران والدول الست الكبرى، أو بالأحرى بين طهران وواشنطن، بأن العملية التفاوضية الإيرانية - الأميركية قد أصبحت مسرحية، تقتضي مصلحة الأطراف أن تستمر لفصول أخرى عبر البقاء على الخشبة أمام الجمهور. في الوقت ذاته، سيستمر التفاوض في الكواليس، وهنا مثال لقاء ظريف - كيري في مسقط أول من أمس. في نهاية الفصل التفاوضي الحالي بعد ثلاثة أسابيع من الآن، علينا أن نوطد أنفسنا على احتفال إعلامي مرتقب، حيث ستقف الأطراف المتفاوضة جنباً إلى جنب، وهي تبتسم أمام الجمهور لتعلن التوصل إلى «اتفاق جزئي». وساعتها سيقول روحاني لخصومه في إيران إنه حافظ على الخطوط الحمر الإيرانية في الحل المرحلي، وفي المقابل سيعلن أوباما حينها أمام مواطنيه أن الاتفاق الجزئي سيسمح بمواجهة حاسمة لتنظيم «داعش» وسيشكل الإطار المطلوب لضبط التحالفات الإقليمية لأميركا في المنطقة بشكل جديد. من ناحيتهم، سيسعد حلفاء أميركا في المنطقة ببقاء الجسم الأساسي للعقوبات على إيران قائماً، وسيستمرون في الضغط على أوباما لتشديد مواقفه حيال إيران، عبر مجموعات الضغط المؤيدة لهم في الكونغرس. وفي كل الأحوال، سيتطلب الفصل التالي من المسرحية استراحة تفاوضية قصيرة، قبل أن تعود عجلة التفاوض للدوران مجدداً!

 

المصدر | السفير