الخميس 9 أبريل 2015 01:04 ص

مع انتهاء الاحتفالات في واشنطن وطهران بمناسبة التوصل الى اتفاق المبادئ بين إيران والولايات المتحدة وشركائها، حان وقت الحساب. ولكن حيث يتضح شيئا فشيئا للدول العربية السنية المعتدلة، التي ترى نفسها كحليفة لواشنطن في المنطقة، بأن التوقع الامريكي منها ليس فقط دفع حساب الوجبة بل أن تكون جزءً من قائمة الطعام المعد لاشباع شهية إيران.

لقد قيل الكثير حول الخطر الكامن الذي ينتظر دول المنطقة، وليس فقط اسرائيل، من الاتفاق المتبلور بين أوباما وروحاني. هذا الخطر يكمن ليس بالتحديد في مسألة ما سيحدث في المنطقة بعد نحو العقد أو حتى قبل ذلك، عندما تقرر ايران أنه حان الوقت لتتحول الى دولة نووية. قرار كهذا لا يقف الآن على سلم الاولويات من جهة الايرانيين، ومن الممكن جدا أنهم يفضلون تأجيله لبضع سنوات الى حين نشوء الظروف الاقليمية والدولية التي تُمكنهم من اتخاذ قرار كهذا.

المشكلة هي أن الدعم الذي يتلقاه الإيرانيون من واشنطن، ولا نتحدث عن حرية المناورة السياسية، وفي أعقاب رفع العقوبات وحتى حرية اقتصادية للتجرؤ والمناكفة أكثر من السابق، في محاولة تعزيز تأثيرها الاقليمي ازاء اسرائيل، بل ايضا وفي الأساس ازاء الدول العربية المعتدلة. اربع دوائر تأثير وتدخل ايراني ظهرت في السنوات الاخيرة في منطقتنا. وفي كل واحدة منها علينا أن نتوقع نشاطا وتهديدا ايرانيا ملموسا أكثر من الماضي.

في الدائرة الأولى يدور الحديث عن مواقع ايرانية موجودة منذ فترة تحت سيطرة طهران. أولها النظام السوري لبشار الأسد الذي يصارع للحفاظ على حياته في دمشق والى جانبه حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة. كل هؤلاء  يعتمدون عسكريا واقتصاديا على مائدة طهران ويحتاجون كثيرا للمساعدة الإيرانية في صراعهم على البقاء أمام خصومهم.

من الواضح أن اتفاقا امريكيا ايرانيا سيُعطي إيران حرية حركة بل قدرة كبيرة أكثر من السابق لتقديم مساعدة كهذه. ليس فقط فقراء إيران يمكن أن يستفيدوا من الثمار الاقتصادية لانفتاح إيران على العالم ولكن قبل الجميع مقاتلو حزب الله وحماس الذين تصل رواتبهم ومعداتهم مباشرة من جيوب الإيرانيين.

في الدائرة الثانية نجد معظم الأراضي السورية المسيطر عليها من قبل المتمردين السنيين، جزء من أراضي لبنان التي لم تسقط بعد بكاملها تحت سيطرة حزب الله، وكما هو مفهوم العراق واليمن التي دُفع فيها الشيعة الذين يعيشون في هذه الدول الى أحضان إيران وهذه من جانبها تشجعهم على القيام بنفس أعمال حزب الله في لبنان، والتحول الى قوة إيرانية متقدمة على شواطئ البحر الأحمر وفي قلب العراق.

من ناحية الولايات المتحدة وقبل التوقيع على الاتفاق النووي فان نشاطات إيران في هذه المناطق مباركة، لأن من شأنها أن تضعف المنظمات السنية المتطرفة التي هي من وجهة نظر واشنطن التهديد الحقيقي للمصالح الامريكية في المنطقة.

 في الدائرة الثالثة توجد دول الخليج، مثل البحرين التي توجد فيها أغلبية شيعية، ولكن الى جانبها أيضا دول خليجية اخرى مثل عُمان وحتى العربية السعودية التي جزأها الغربي مسكون من قبل الشيعة. هذه بدون شك ستشعر في الفترة القريبة بقوة اليد الايرانية التي تعمل على تشجيع الشيعة على رفع رؤوسهم ضد حكامهم.

الحديث في هذا السياق لا يدور عن مخططات للمستقبل البعيد، ولكن عن نشاطات إيرانية محددة وآنية. حيث أنه أكثر مما يدفع الاتفاق الايراني – الأمريكي طهران باتجاه الذرة فهو يمنحها مكانة دولة عظمى إقليمية شرعية، شريكة في مباحثات الكبار، الدول النووية الخمسة العظمى في العالم القديم أضيفت لها الآن ايران. 

لقد طمحت إيران دائما الى مكانة كهذه التي تعني ليس فقط احتراما ولكن توسيع النفوذ الإيراني الى المجال المحيط لإيران بدءا من الخليج وانتهاء بما يسميه الإيرانيون حلقة الأمن الايرانية التي تمتد من مرتفعات إيران وحتى الشواطئ الغربية للبحر الابيض المتوسط، وتشمل لبنان وغزة واسرائيل. بهذا يمكن تفسير القلق في العالم العربي إزاء الاتفاق الذي طُبخ في لوزان.

وهكذا، في واشنطن وطهران يحتفلون، وفي إسرائيل يقضمون أظافرهم قلقا، ولكن في العالم العربي يستعدون لدفع الحساب.