الخميس 7 مايو 2015 04:05 ص

كان ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» بمثابة نقطة تحول في الصراع العالمي الطويل مع عنف السلفية الجهادية. وقد اجتازت المذبحة الناتجة عن هذا الصراع الحدود الوطنية وألهمت تكتيكات الحركات الإسلامية المماثلة، مثل طالبان في باكستان وأفغانستان، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا. أثار هذا الضغط تجدد النقاش في الولايات المتحدة حول الاستجابة المناسبة لمكافحة التمرد.

هجمات الطائرات بدون طيار هي الأقل تكلفة فيما يتعلق بخسائر الجيش الأمريكي، ولكن أضرارها الجانبية كبيرة. وقد يُسهّل الاعتماد على وكلاء محليين استخداما أكثر انتقائية للقوة، ولكن غالبا ما يخلق مشاكل جديدة مكلفة. الغارات الجوية المستهدفة، النهج الأمريكي الحالي في العراق وسوريا، تقع في مكان ما بين هذين الخيارين.

البحوث التي أجريت مؤخرا حول عنف السلفية الجهادية في روسيا (شمال القوقاز)، والتي نُشرت في العدد الأخير من تقرير العلوم السياسية الأمريكية، تشير إلى أنّ تكتيكات مكافحة التمرد الانتقائية من غير المرجح أن تنجح في إيذاء جماعات مثل «الدولة الإسلامية» أو ردع اعتداءاتهم المستمرة. باستخدام بيانات خاصة على المستوى الجزئي، قمنا بتحليل العنف الذي يشمل المسلّحين القوميين والإسلاميين في شمال القوقاز وجهود موسكو لمواجهتهم. وجدنا أنّ الإسلاميين و«المتمردين» القوميين يستجيبون بشكل مختلف عند إجبارهم ومحاولة قمعهم.

وعلى الرغم من أنّ الهجمات الانتقائية تتفوق على الهجمات العشوائية في ردع «المتمردين» القوميين؛ إلّا أنّ التكنولوجيا التي تستخدمها الحكومة تجاه العنف لديها تأثير قليل على عزم وقدرات الإسلاميين. الأيديولوجيات المتباينة بين هذه الجماعات لها أهمية كبيرة، في المقام الأول؛ بسبب الكيفية التي تشكل بها الاعتماد النسبي للجماعات المسلحة على المصادر المحلية مقابل الدعم الخارجي.

حالة القوقاز واضحة، بسبب أنّ المعتدلين والسلفيين الجهاديين قاتلوا هناك ضد الحكومة نفسها، مثلما يحدث في سوريا، على الأرض نفسها، في الوقت نفسه تقريبًا. تجربة روسيا مرتبطة بفهم كيف يتصرف الإسلاميون في ساحة المعركة، وفعّالية إجبار وقمع الحكومة في ردع أنشطتهم ونتائج وضع سياسات ذات استجابات أكثر فعّالية.

ولذلك؛ قمنا بجمع بيانات جديدة من 9405 حالات هجوم من المتمردين منذ عام 2000 إلى 2012. استخدمنا هذه البيانات لمقارنة شدة العنف في بداية التمرد، والذي يليه استخدام تكتيكات مكافحة التمرد العشوائية، مثل القصف المدفعي والغارات الجوية، ثم يليه استخدام تكتيكات انتقائية، مثل الاعتقالات الفردية أو عمليات القتل المستهدف. وكانت النتائج مذهلة. وجدنا أنّه في مناطق مشابهة، حيث استخدمت قوات الأمن تكتيكات انتقائية بدلًا من العشوائية، انخفض معدل العنف الوطني بنسبة 5% في الـ 12 أسبوعًا اللاحقة.

لكن العنف الإسلامي لم يتغير، ردا على تكتيكات مكافحة التمرد الانتقائية. وعلى عكس الانفصاليين الشيشان والقوات المعتدلة نسبيًا الأخرى، واصلت الجماعات السلفية الجهادية هجماتها بغض النظر عن التكتيكات أو هوية مكافحة التمرد. هذه النتيجة قائمة في إطار مجموعة من التعريفات «للعنف الإسلامي»، واستراتيجيات تحديد مختلفة ومواصفات نموذجية. هذا الاستنتاج يتحدى منطق الإكراه ذاته: عندما يصبح النشاط أكثر تكلفة نسبيًا، يشترك فيه عدد أقل من الأشخاص. ولكن، رغم أنّ حمل السلاح مكلف للغاية لـ «المتمردين» المحتملين، إلّا أنّ العنف الإسلامي لا يزال مستمرًا.

ما هو أكثر من ذلك، وعلى النقيض من الأبحاث السابقة التي تفترض أنّ السُلطات المحلية ذات الأعراق المشتركة هي أكثر فعّالية في مكافحة التمرد بسبب معلوماتهم عن هويات وأماكن وجود المسلّحين، وجدنا أن قوات الأمن المحلية ليست لديها هذه الميزة عندما تقاتل الجماعات الإسلامية.

في الظروف التي كان من المحتمل أن تعمل القوات المحلية مع القوات الفيدرالية بشكل متساوٍ، كانت الشرطة المحلية في الواقع أكثر نجاحًا من القوات الفيدرالية في الحد من العنف القومي. لكنّ الأجهزة الأمنية المحلية، مثل ميليشيا الشيشان الموالية لموسكو، لم يحالفها الحظ ضد المتمردين الإسلاميين. وتشير الدارسة التي قمنا بها، أنّ تحسين الاستخبارات حول السكّان المحليين لا يساعد في ردع العنف السلفي الجهادي.

المنطق وراء عقيدة مكافحة التمرد التي «تركز على السكّان» من قبل الولايات المتحدة هي كون أنه يفترض أنّ المتمردين يعتمدون على الدعم الشعبي المحلي. وفي ظل زيادة مزايا التعاون مع قوات الأمن والتكاليف الكبيرة للتعاون مع المتمردين، فمن غير المحتمل أن يتلقى المتمردون الدعم من السكان المحليين. بالنسبة للجماعات السلفية الجهادية، فهذا الافتراض يُعدّ إشكالية كبيرة.

في شمال القوقاز، يحصل القوميون في الشيشان على الدعم من شبكات العشائر المحلية داخل الشيشان، في حين أن الجماعات السلفية، مثل رياض الصالحين وجبهة القوقاز وإمارة القوقاز، تقوم بعمليات التجنيد من مختلف أنحاء المنطقة، ومن أجزاء أخرى من روسيا وخارجها.

في سوريا كذلك، هناك ثلاث جماعات جذبت معظم المقاتلين الأجانب، جماعة أحرار الشام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، وجميعهم من السلفية الجهادية. يأتي المجندون في هذه الجماعات من جميع أنحاء العالم العربي وأوروبا (بما في ذلك روسيا والقوقاز) وأمريكا الشمالية.

وعلى عكس القوميين، يعتمد الإسلاميون أكثر على العائدات الخارجية والقوى العاملة، التي تمكنهم من مواصلة القتال، حتى عندما يواجه السكّان عقوبات شديدة لدعمهم.

وهناك اختلافان هامان بين الإسلاميين و«المتمردين» القوميين. الأول، مقارنة بالعنف من قِبل القوميين، الذين تميل معاركهم إلى التقيّد حول الأوطان العرقية؛ فإنّ العنف الإسلامي منتشر من الناحية الجغرافية. وكان متوسط المسافة لأقرب هجوم لمتمردين من نفس النوع حوالي 126-494 كم في الأسبوع لـ «المتمردين» الإسلاميين، مقارنة بمسافة 50-52 كم للقوميين. وفي حين أنّ الشيشان اشتملت على غالبية العنف القومي بين عامي 2000 و2012، إلّا أنّ معظم الهجمات الإسلامية حدثت خارج حدود الشيشان.

نطاق أهداف السلفية الجهادية يشمل رفض الحداثة والمادية الغربية، والإطاحة بالحكومات المرتدة و”الكافرة، وإعادة تأسيس الخلافة الإسلامية المتجاوزة للحدود العرقية والدولة ذاتها، ويعمل على تسهيل المحاكاة ما بين الإقليمية والتعاون عبر الحدود الوطنية. لذلك، فالإسلاميون قادرون على زيادة وجودهم وحشد الدعم من خلال شبكات دولية من النشرات الإخبارية الجهادية والمواقع، والأئمة، والجمعيات الخيرية والمؤسسات الداعمة.

وفي الواقع، كانت هذه الرؤية الأصلية من الراحل «عبد الله عزام»، المؤسس المشارك لتنظيم القاعدة، الذي سعى إلى بناء بنية تحتية جهادية عابرة للحدود الوطنية بعد الحرب السوفيتية في أفغانستان.

ثانيًا: لأنّ الجماعات السلفية الجهادية أصبحت قضية مشتركة بين العديد من الدول والمناطق فإنّهم أكثر استجابة للأحداث الخارجية، وتعكس أنشطتهم بشكل وثيق الاتجاهات الدولية في العنف الجهادي. وجدنا علاقة ارتباط قوية بين توقيت العنف الإسلامي داخل روسيا والهجمات التي تشنها جماعات مماثلة في بلدان أخرى. خلال أسابيع، مع مستويات أعلى من المتوسط للإرهاب الانتحاري خارج روسيا، ارتفع العنف من قِبل الجماعات الإسلامية داخل روسيا إلى نسبة 78-93%. وارتفعت هجمات الإسلاميين أيضًا بأكثر من 20% في تواريخ رمزية من التقويم الإسلامي، في حين لم تتغير هجمات القوميين.

الحدود بين «المتمردين» العلمانيين والإسلاميين يمكن أن تكون في كثير من الأحيان مائعة، خاصة في أماكن مثل سوريا، حيث يعمل النوعان في وقت واحد. ومع ذلك، فإنّ الآثار المترتبة على الجهود الحالية لمحاربة الجماعات الجهادية العنيفة بسيطة: عند مواجهة «المتمردين» الإسلاميين، هناك حاجة إلى استراتيجيات مختلفة عن مواجهة «المتمردين» العلمانيين. ولأنّ السلفيين الجهاديين هم أقل اعتمادًا على السكّان المحليين؛ فإنّ الإجبار الانتقائي ليس أكثر فعّالية من القوة العشوائية في وقف وردع عنف الإسلاميين. وعلاوة على ذلك، فإنّ الأدلة من القوقاز تشير إلى أنّ الأجهزة الأمنية المحلية ليست أكثر فعّالية من القوات الفيدرالية أو قوات الاحتلال في هزيمة الإسلاميين المسلحين.

إذا كان الدعم الخارجي يفسر تراجع «المتمردين» الإسلاميين بسبب إجبار وقمع الحكومة؛ يجب على الحكومات وأصحاب المصالح تركيز جهودهم على تدمير وعرقلة قاعدة دعم الإسلاميين.

وهذا يتضمن منع الوصول إلى الموارد المالية التي يتم الوصول إليها من خلال القنوات المشروعة وغير المشروعة، والقمع الانتقائي الذي يستهدف الشبكات الخارجية للقادة والمموّلين، والحذر من التواريخ الرمزية في التقويم الإسلامي عندما يكون من المحتمل أن تصل الهجمات إلى ذروتها. مثل هذه التكتيكات، بطبيعة الحال، يمكن أن تدمج وتعزز من جهود المجتمع الإسلامي الأوسع لتشويه جوهر عنف السلفية الجهادية.