الجمعة 12 يوليو 2019 11:58 ص

"ضربة للمجهود الحربي السعودي".. هكذا وصفت صحيفة نيويورك تايمز قرار دولة الإمارات بسحب أغلب قواتها باليمن، استنادا إلى مصادر دبلوماسية غربية، أكدت أن القرار أثار غضب السعوديين.

وقالت الصحيفة في تقرير لها إن السعوديين كانوا محبطين جداً من قرار أبوظبي، الذي بدأت وسائل إعلام تداوله منذ شهر، إلى أن أكده مسؤول إماراتي لوكالة رويترز هذا الأسبوع.

وأوضح الدبلوماسيون الغربيون أن مسؤولين كبار في الديوان الملكي السعودي حاولوا التدخل لدى الإمارات لمحاولة ثنيها عن القرار، دون جدوى، وفي المقابل، حاولت أبوظبي تجنب إعلان قرارها بشكل علني ورسمي لتقليل عدم رضا السعوديين عنه.

لكنّ مسؤولاً في السفارة السعودية بواشنطن نفى للصحيفة الأمريكية حزن قادة المملكة للانسحاب الإماراتي، مؤكداً أن البلدين "يبقيان متحالفين استراتيجياً حول أهدافهما في اليمن"، حسب تعبيره.

واعتبر المسؤول السعودي أن "التبديلات العملياتية والتكتيكية خلال الحملات العسكرية (في إشارة إلى إعادة الانتشار الإماراتي) أمور طبيعية، وتتم بالتنسيق مع التحالف"، مؤكدا أن "أي فراغ سيتركه الانسحاب، ستملؤه قوات يمنية تمّ تدريبها لتسلم زمام الأمور بمفردها" بحد قوله.

 

كلفة عالية

 

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الدبلوماسيين الغربيين أكدوا أن الإماراتيين بدأوا بالفعل تقليصاً كبيرا لقواتهم في اليمن، وأن ما دفعهم لذلك هو رغبتهم بالانسحاب من حرب أصبحت كلفتها عالية جداً، حتى وإن أدى ذلك لإغضاب حليفتهم السعودية، رغم حديثهم الإعلامي منذ أسابيع عن انسحاب "جزئي وتدريجي".

وفي هذا الإطار، نقلت رويترز عن 4 مصادر مطلعة أن القوات السعودية في اليمن اتخذت إجراءات لتأمين ميناءين استراتيجيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعدما خفضت الإمارات وجودها العسكري هناك بشكل كبير.

وأضافت المصادر أن الإماراتيين قلصوا انتشارهم حول ميناء الحديدية الاستراتيجي على البحر الأحمر، الذي كان ساحة القتال الرئيسية للحرب ضد الحوثيين العام الماضي، بنسبة 80%، وسحبوا طائرات الهليكوبتر الهجومية والأسلحة الثقيلة.

وقال قياديان عسكريان يمنيان ومسؤولان في الحكومة اليمنية، إن ضباطاً سعوديين تسلموا قيادة القواعد العسكرية في ميناءي المخا والخوخة، اللذين كانت القوات الإماراتية تستخدمهما لدعم حملة السيطرة على الحديدة، ولمراقبة الساحل.

كما أرسلت الرياض قوات إلى مدينة عدن الساحلية، وإلى جزيرة بريم الصغيرة البركانية في مضيق باب المندب، وهو ممر استراتيجي للملاحة يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن.

 

فشل الحرب

 

ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤول إماراتي رفيع، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الهدف من الانسحاب هو دعم وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت الأمم المتحدة لإتمامه في الحديدة ودخل حيز التنفيذ في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ونوه المسؤول إلى أن التزام أبوظبي تجاه اليمن "لا يزال قائما"، مشيرا إلى أن القوات الإماراتية دربت 90 ألف جندي يمني على ملء الفراغ بعد انسحابها.

ووصف "مايكل ستيفنز" الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة (مقره لندن) الانسحاب الإماراتي بأنه "يضع السعوديين أمام حقيقة أن الحرب في اليمن فاشلة، كما يُظهر أن شريكي التحالف، لا يملكان تصوراً موحداً لمعنى نجاح هذه الحرب".

ونوه "نايت" إلى أن خبرة السعوديين على الجبهات التي أعادوا انتشارهم بها قليلة، ما أثار المخاوف بشأن إمكانية نشوب صراعات مسلحة بين اليمنيين في ظل غياب الإماراتيين الذين أثبتوا قدرة على السيطرة في مناطق تواجدهم، لافتا إلى أن "الشيء الوحيد الذي يمنع الحوثيين من السيطرة على اليمن هو القوات الإماراتية" حسب قوله.

وربما أدى هكذا انسحاب إلى محاولة الحوثيين الاستفادة من الفراغ وإطلاق محاولات جديدة للاستيلاء على الأرض التي خسروها أمام مجموعة قتالية قادها الإماراتيون العام الماضي، بحسب زميل معهد واشنطن، الذي نوه إلى أن القتال استعر بالفعل في عدة بلدات استراتيجية جنوب الحديدة، ما يهدد خطوط الإمداد للقوات التي تقودها السعودية حول المدينة.

وذكرت نيويورك تايمز أن مسؤولي الإغاثة يحذرون من أن تصاعد القتال قد يؤدي إلى تعميق الوضع الإنساني الخطير بالفعل في بلد تهدده المجاعة منذ العام الماضي.

 

تضارب مصالح

 

وبإضافة للانتقادات الدولية المتزايدة للحرب في اليمن، تصاعدت الضغوط على كل من السعودية والإماراتية وتباعدت مصالح كل منهما في الوقت ذاته، بحسب الصحيفة الأمريكية.

فالإماراتيون حققوا هدفهم إلى حد كبير في حماية مسارات النقل البحري بخليج عدن وأماكن أخرى في اليمن، في وقت علق فيه السعوديون بمستنقع حماية حدودهم الطويلة مع اليمن.

ومنذ بدء القتال في عام 2015، هدد الحوثيون السعودية بشكل مستمر، عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى التوغلات في أراضي المملكة، ما رفع كلفة الحرب على الرياض.

وإزاء ذلك، بات الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية (بما في ذلك الدعم الاستخباراتي واللوجيستي وبيع الأسلحة)، أكثر إثارة للجدل في الولايات المتحدة مع تزايد الخسائر المدنية في الحرب، وتصاعدت المعارضة ضده بعد قيام عملاء سعوديين بقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي السياق، حذر قادة أمريكيون، بينهم وزير الدفاع السابق "جيمس ماتيس"، ووزير الخارجية السابق "جون كيري"، والسيناتور الجمهوري "ليندسي جراهام"، من أن النصر العسكري غير ممكن في اليمن، وحثوا التحالف الذي تقوده السعودية على التفاوض على تسوية سياسية.

وتلقت أبوظبي الرسالة، حسبما نقلت نيويورك تايمز عن المسؤول الإماراتي، الذي ذكر أن مسؤولي بلاده "سأموا من احتمالات الجمود وغموض احتمالات النصر في ساحة المعركة".

لكن يبدو أن السعوديين لم يتلقوا الرسالة ذاتها، فهم مازلوا يؤمنون بإمكانية النصر العسكري، وهو ما وصفه "بيتر ساليسبري"، من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، بأنه "تفكير بالتمني" لا يمثل بديلا جيدا للرؤية الاستراتيجية.

المصدر | الخليج الجديد + نيويورك تايمز