الأحد 14 يوليو 2019 09:46 م

جدل فقهي مستعر منذ أيام عبر الفتاوى والبيانات والتدوينات، أشعله قبول مجموعة من العلماء والأئمة، الأسبوع الماضي، لتوبة "محمد الشيخ ولد امخيطير" ساب الرسول إثر اجتماع عقدوه حول هذه القضية الشائكة مع الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته "محمد ولد عبدالعزيز".

وينقسم العلماء الموريتانيون من خلال استقراء الآراء المطروحة، حول هذه القضية إلى فريقين أحدهما يوجب وفقا لمشهور المذهب المالكي المتبع في موريتانيا، قتل الشاب ساب الرسول حدا، ويؤكد أن توبة الساب لا تسقط القتل عنه، وفريق آخر يرى أن توبة الشاب ممكنة وأنها تدرأ عنه القتل.

وأكد الشيخ "محمد الحسن ولد الددو" وهو من أبرز علماء موريتانيا وأكثرهم تنورا في الوقت الراهن أن "جمهور العلماء وأغلب مذاهب الفقهاء يرى أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وﻻ تقبل توبته في الدنيا، سدا للذريعة وانتصارا للجناب العظيم على صاحبه أفضل الصلاة وأكمل التسليم"، مضيفا: "وأنا مع هذا الرأي في هذا الوقت ﻻ ﻷنه رأي الجمهور فحسب، بل مع ذلك للحاجة إلى الوقوف في وجه موجة اﻹلحاد التي تجتاح الشباب، وتغذيها وترعاها جهات واتجاهات معلومة، مع العلم أن القائلين بهذا يرون أنه تنفعه توبته في اﻵخرة، إذا علم الله صدقها".

وأضاف الشيخ "الددو" أن "القول بقتل الشاب وعدم قبول توبته وإن كان مذهب الجمهور فليس إجماعا ولا قريبا منه، فثمة طائفة من الفقهاء يرون أن الساب إذا تاب قبلت توبته؛ وهذا معلوم لكل من نظر في كتب الفقهاء".

وانطلاقا من هذا، يضيف الشيخ "الددو": "ينبغي أن نفرق بين نوعين من المدافعين المحامين في هذه القضية: فهناك من يدافعون عن المجرم انطلاقا من حرية التعبير وحقوق الإنسان المزعومة ونحو ذلك، فهؤﻻء ممن يوادون من حاد الله ورسوله، ولن تجدهم مؤمنين، كما قال الله تعالى: (ﻻ تجد قوما يؤمنون بالله واليوم اﻵخر يوادون من حاد الله ورسوله)، وهناك من يرون قبول توبة الساب، إن صحت دعواها، انطلاقا من رأي فقهي، ولهم فيه سلف من أجلاء الفقهاء قديما وحديثا".

ومن الآراء التي لاقت تفاعلا واسعا ما كتبه القيادي الإسلامي البارز "محمد جميل منصور" تحت عنوان "على هامش قضية ولد امخيطير"، وأكد فيه أن "هذه القضية أبانت خصوصا في مراحلها الأولى عن رصيد واسع وصادق من حب النبي صلى الله عليه وسلم لدى الشعب الموريتاني مهما كانت تصرفات بعض موظفي هذا الرصيد مثيرة للأسئلة والشبه، وانتهت الأجواء المعبرة عن هذا الرصيد إلى مستوى مقدر من الردع المعنوي ثم القانوني لا شك سيترك آثاره مستقبلا ويجعل الإقدام على الإساءة صعبا مهما كانت إغراءات التآشر والحماية".

وقال: "صاحب هذه القضية من بدايتها خلل بين وازدواجية مناقضة للمصداقية، ففي حين أخذت إساءة محمد الشيخ مداها على المستويات كلها الشعبي والإعلامي والرسمي غيبت إساءات آخرين وأخريات بعضها كان أشد وأفظع ولم يجد كثيرون، والمؤشرات تدعمهم، تفسيرا لذلك، سوى الانتماءات الفئوية والاجتماعية التي يستعصم بها هؤلاء في مجتمع مازال مختل البناء والميزان".

التطاول على مقام النبوة

ويأتي الجدل الحالي تابعا لجدل شديد آخر سبق أن احتدم حول نفس الموضوع، ساهم فيه المفكر الإسلامي المجدد "محمد المختار الشنقيطي" بمقال بعنوان "التطاول على مقام النبوَّة.. بين كسب الألباب وقطع الرقاب"، ورد عليه الفقيه الموريتاني البارز "محمد بن بتار" بمقال آخر عنوانه "ملاحظات على تغريدات الشنقيطي في شأن المرتد".

وأكد "الشنقيطي" أن "أسوأ رسالة يوجهها المسلمون إلى العالم اليوم من منظور السياسة الشرعية- هي قتل المرتد أو المتطاول على مقام النبوة، لما في ذلك من الإيحاء بأن الناس متمسكون بالإسلام خوفا من قطع رقابهم، لا اقتناعا بأنه دين الحق".

وتوصل الفقيه الشيخ "ولد بتار" لخلاصة مفادها، أن "المرتد إذا كانت ردته بالإساءة إلى نبي مجمع على نبوته يقتل فورا سواء كان رجلا أو امرأة إجماعا ولا تقبل توبته عند الإمام مالك رضي الله عنه، وإذا كانت ردته بغير ذلك يسجن ويستتاب فإن تاب أفرج عنه وإن لم يتب فإن كان رجلا قتل إجماعا وإن كان امرأة قتلت عند الجمهور".

كانت قضية "ولد امخيطير" قد انفجرت مستهل عام 2014، بعد أن نشر حينها مقالًا يُسيء للنبي "محمد" صلى الله عليه وسلم؛ أدى إلى موجة استنكار واسعة ومظاهرات غاضبة في المدن الموريتانية الرئيسية.

وفي مدينة نواذيبو، شمال البلاد، حيث يقيم "ولد امخيطير" اعتقلته الشرطة يوم 2 يناير/كانون الثاني 2014، ودخل ملفه مسارا قضائيا طويلا قبل أن يصدر في حقه يوم التاسع نوفمبر/تشرين الثاني 2017 حكم من محكمة الاستئناف بنواذيبو يقضي بسجنه عامين مع تغريمه.

ورغم أن المفروض إطلاق سراح المعني بعد استيفائه محكوميته، فقد استمر سجنه من طرف السلطات الإدارية وهو السجن الذي أكد الرئيس "محمد ولد عبدالعزيز" يوم 20 يونيو/حزيران الماضي، بأن الغرض منه هو تأمين "ولد امخيطير".

وبعد أسابيع من تصريح الرئيس وبعد اجتماع عقده الرئيس مع العلماء، ظهر "ولد امخيطير" على التليفزيون الحكومي معلنا توبته أمام الرأي العام، ليشتعل بعد ذلك جدل فقهي ما تزال نيرانه موقدة حتى اليوم.

المصدر | الخليج الجديد + القدس العربي