الثلاثاء 27 أغسطس 2019 08:33 م

في عام 2014 أصبح "الباجي قائد السبسي" أول رئيس منتخب شعبيا على الإطلاق في تونس بعد أن أطاحت البلاد بزعيمها الاستبدادي الحاكم منذ 22 عاما، "زين العابدين بن علي".

وكان "قائد السبسي" أيضا أول زعيم في البلاد يحترم الدور المحدود الجديد للرئاسة وفقا لدستور البلاد لعام 2014. ولكن ما إذا كانت هذه السابقة ستستمر الآن في عهد خليفته يبقى أمرا محل قلق.

وبعد وفاة "السبسي"، في يوليو/تموز، تم تحديد موعد جديد للانتخابات الرئاسية التونسية بعد عدة أسابيع، في منتصف سبتمبر/أيلول. وسيكون للاقتراع أهمية إقليمية كبيرة، لأنه كما أظهر الربيع العربي، تتمتع تونس بتأثير رمزي كبير على جيرانها الإقليميين، وقد تعني نتائج الانتخابات استدامة ديمقراطيتها على المدى الطويل.

أهمية الرئاسة

وفي عام 2015، فازت المجموعات التي كتبت دستور تونس بجائزة نوبل للسلام، وذلك جزئيا، لبنائها نظاما فريدا لتقاسم السلطة بشكل ديمقراطي. وفي حين تشرف بعض أجزاء الحكومة الأخرى على بعض السلطات الرئاسية، يمنح الدستور الرئيس نفوذا كبيرا على السياسة الخارجية والأمنية. وسوف يتمتع الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة بدور خاص في تحديد علاقات تونس مع دول الشرق الأوسط القوية، التي طالما سعت للتأثير على القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية للبلاد.

وأثناء وجوده في منصبه، سعى "السبسي" إلى تشتيت الجهود التي تبذلها دول الخليج الغنية لإغراء تونس بالاستثمار والتعاون الاقتصادي والأمني ​​في مقابل امتثالها للأهداف الإقليمية لهذه البلدان. ويقال إن الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال حاولت تجنيد النخب التونسية للمساعدة في جهودها للحد من نفوذ الإسلام السياسي، والضغط على الأنظمة الديمقراطية في العالم العربي. وإذا أثبت الرئيس القادم أنه أكثر تقبلا لمثل هذه المبادرات، فقد يغير دور تونس داخل المنطقة الأوسع.

وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة التونسية، سيكون للرئيس القادم دور كبير في التخفيف من التهديدات الأمنية المستمرة في البلاد، التي تشمل تهديد "الدولة الإسلامية" الدائم، والعديد من خيوط التشدد المناهض للحكومة، وشبكات التهريب والاتجار بالبشر.

وسوف يمنح الجدول الزمني المتسارع للانتخابات ثقلا إضافيا لهذا التنافس الرئاسي، لأنه سيسمح للفائز بالتأثير بقوة على تشكيل الحكومة المقبلة في البلاد، من خلال زيادة شعبية حلفائه السياسيين قبل الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول.

المد والجزر بين المؤسسات

وتقدم 97 مرشحا للرئاسة. ومن بين هؤلاء، تم قبول 26 من قبل اللجنة الانتخابية في البلاد. ومن بين أبرز الأسماء "يوسف الشاهد"، رئيس الوزراء الحالي في البلاد، ورئيس الفترة الانتقالية السابق "منصف المرزوقي"، الذي شغل منصب الرئيس في الفترة من 2011 إلى 2014، و"عبدالفتاح مورو" من حزب النهضة الإسلامي القوي.

ويتمتع هؤلاء المرشحون المؤسسيون بخبرة سياسية كبيرة، وسوف يروقون للناخبين الذين يسعون إما لاستعادة عهد "بن علي" الاستبدادي، أو استمرار سياسات خلفه والاستقرار الذي أحدثه. لكن يبدو أن هذا الهدوء بين الناخبين يتناقص مع تزايد نفاد الصبر بين عامة الناس بسبب الأزمة الاقتصادية في تونس، التي تفاقمت منذ الربيع العربي.

وتحمل "الشاهد" وحزب "نداء تونس" الحاكم، على وجه الخصوص، وطأة الغضب السياسي والشعبي بسبب استمرار النمو الاقتصادي الباهت، وارتفاع التضخم، ومستويات البطالة المتصاعدة.

وبدورها، فتحت خيبة الأمل المتزايدة لدى الناخبين من المؤسسة السياسية الباب أمام موجة من المرشحين للرئاسة من المستقلين، بما في ذلك شخصيات عامة دون أي خبرة سياسية رسمية.

ويعاني حزب "نداء تونس" الحاكم من انقسامات كبيرة. لكن"حزب النهضة" الإسلامي لا يزال محتفظا بتماسكه، مما جعله أقوى قوة سياسية في تونس.

ويتمتع الحزب بأعوام من الخبرة في العمل مع نظرائه العلمانيين، ويحتضن التكنوقراط والنهج الاقتصادي الذي يروق للناخبين الليبراليين. ومن المحتمل أن يكون "مورو"، أحد مؤسسي النهضة، أحد أقوى المرشحين في الاقتراع.

لكن بالنظر إلى الموجة المناهضة للمؤسسات في السياسة التونسية مؤخرا، فقد يفوز أحد المرشحين المستقلين إذا كان قادرا على إقناع الجمهور. على سبيل المثال، كان قطب الإعلام والشخصية التليفزيونية "نبيل القروي" أحد أبرز المتنافسين، قبل اعتقاله في 23 أغسطس/آب بتهمة غسل الأموال والتهرب الضريبي. وقد يشير توقيت الاعتقال إلى الجهود المؤسسية لتقليل تأثير السياسيين من خارج المؤسسات، وهو احتمال قد يثبت أنه مثير للجدل بين العديد من التونسيين.

ويعكس العدد غير المسبوق من المستقلين الذين تقدموا للانتخابات الرئاسية هجمة الوجوه الجديدة التي تسعى للحصول على مقاعد برلمانية. فحتى الآن، تم تسجيل 643 قائمة حزبية ومستقلة للانتخابات البرلمانية، بزيادة كبيرة عن 414 قائمة تنافست عام 2014، مما يعكس مدى صعود السياسيين والأحزاب المستقلة في تونس، ومدى تراجع الأحزاب التونسية التقليدية المنظمة.

الاضطرابات الاقتصادية المستقبلية

وتعني المجموعة الواسعة من المرشحين أن الحكومة المقبلة في تونس ستكون أقل قابلية للتنبؤ بها، ومن المرجح أن تضم المزيد من المستقلين ذوي الخبرة الأدنى في الحكم، ما يزيد من فرص عدم الكفاءة، لا سيما عند التعامل مع قضايا صعبة مثل الاقتصاد المتداعي.

وتمكنت النقابات السياسية القوية من تحقيق عدة نجاحات تتعلق بحقوق العمال في الأعوام الأخيرة. ولكن في بعض النواحي، حدت تلك النقابات من قدرة الحكومة على سن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية اللازمة. ويحد هذا، إلى جانب الطبيعة الديمقراطية للنظام التونسي، من المساحة المتاحة للمشرعين الحاليين للعمل بالفعل. ومن المرجح أن يكون الانقسام الحكومي المتوقع سببا في تراجع احتمال معالجة مشاكل الاقتصاد المتداعي الذي زاد من إحباط الناخبين.

وإذا فشلت الحكومة الجديدة في تغيير الوضع المالي في تونس، فقد تكون خطة الإنقاذ الكبيرة في البلاد، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، في خطر. وكان صندوق النقد الدولي قد أفرج حتى الآن عن 1.6 مليار دولار من القروض لتونس بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2016. لكن هذه المساعدات المستمرة مشروطة بمواصلة تونس تحقيق أهداف العجز في الميزانية، والعمل على خفض الإعانات العامة. ويعد هذا إنجازا صعبا للغاية في بلد يتأثر بالرأي العام ويضم نقابات قوية تؤثر على القرارات الاقتصادية الكبيرة.

مصير الديمقراطية التونسية

بالإضافة إلى زيادة المخاطر الاقتصادية على المدى القصير، فقد يؤدي التمزق السياسي المستمر في تونس أيضا إلى فراغ في السلطة يضع في نهاية المطاف المزيد من رأس المال السياسي في القوات المسلحة وقوات الأمن في البلاد.

وفي الواقع، من بين الأحزاب التي تتنافس على المقاعد في البرلمان، هناك أول حزب مرتبط بالجيش على الإطلاق في البلاد. وفي هذه المرحلة، يظل الجيش التونسي هو الأضعف بين جيوش شمال أفريقيا. لكن المخاطر الأمنية المستمرة ستجبر الرئيس المقبل على إقامة علاقة مثمرة وتعاونية مع قوات الجيش وقوات الشرطة.

وفي نهاية المطاف، ستكون الجولة المقبلة من الانتخابات بمثابة اختبار لما إذا كانت الديمقراطية الناشئة في تونس قادرة على الصمود، والالتزام بما تم صياغته في دستور البلاد وسط الاقتصاد المتدهور والمشهد السياسي المنهار. لكن ذلك لن يكون سهلا، بغض النظر عمن سيفوز في النهاية.

المصدر | ستراتفور