الاثنين 6 يوليو 2015 04:07 ص

تدخل المفاوضات النووية بين إيران والدول الست الكبرى مرحلتها النهائية، وتبدو فرص النجاح هذه المرة أعلى من أي فترة مضت. ومع افتراض أن اتفاقاً سيخرج إلى النور خلال الفترة القليلة المقبلة، وأن حلاً سياسياً ستتفق عليه الأطراف في القضايا التفاوضية العالقة، إلا أن المسائل الاقتصادية والعسكرية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني لن تنتهي مع ذلك، بل ستظل حاضرة بوضوح في المحطات اللاحقة.

ومن الطبيعي أن ملفاً يحتوي هذا الكم الضخم من الأبعاد المختلفة، مثل الملف النووي الإيراني، سيظل محتدماً ونشطاً لسنوات مقبلة. على ذلك، سيمثل التوقيع على الاتفاق النهائي بين إيران والدول الست الكبرى انتقالاً لمرحلة نوعية جديدة من المكاسرة والصراع، في الأبعاد المختلفة والمتشابكة التي يحتويها هذا الملف، وليس غلق الملف بالكامل كما قد يتبادر إلى الذهن.

في هذا السياق، يكون مفيداً التعرف على الأبعاد المختلفة للبرنامج النووي الإيراني، عبر التركيز على الأبعاد الاجتماعية للبرنامج، والتي لم تحظ حتى الآن بتسليط الضوء عليها. ستؤمن الإحاطة بالأبعاد المتنوعة للبرنامج النووي الإيراني ومنها الأبعاد الاجتماعية، فهماً أفضل لسلوك المفاوض الإيراني وأسبابه الكامنة في التشدد التفاوضي في مراحل، ومن ثم «الليونة» في مراحل أخرى.

أبعاد البرنامج النووي الإيراني

يملك البرنامج النووي الإيراني أبعاداً تقنية واضحة تفاوض حولها ممثلو الدول الست الكبرى مع الإيرانيين لمئات الساعات، ابتداء من درجة تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي ونوعيتها ومصير الوقود المخصب وكميته ونوعيته، وليس انتهاء بمفاعل المياه الثقيلة في «أراك» وقدراته ومصيره.

كما يمتلك البرنامج ذاته أبعاداً قانونية لا يمكن إغفالها في السياق التفاوضي، مثل معاهدة حظر الانتشار النووي وقرارات «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» والحالات المماثلة والسابقة لبرامج نووية تعود لدول أخرى، وكذلك قرارات مجلس الأمن بخصوصه. ولا تخفى الأبعاد الاقتصادية للبرنامج، والتي كانت من ضمن أوراق أوباما في الضغط على المفاوض الإيراني للحضور على طاولة المفاوضات، وستظل قائمة لفترة مقبلة لأن التفاوض يدور حول الرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران ورهنها بالتزام إيران بالكوابح الكمية والنوعية التي ستفرض على برنامجها النووي بموجب الاتفاق النهائي.

ويحتوي البرنامج النووي الإيراني أيضاً على أبعاد إقليمية مكشوفة، نظراً للترابط بين البرنامج النووي الإيراني ونفوذها في المنطقة من ناحية، وتنافسها مع القوى الإقليمية الشرق أوسطية من ناحية ثانية.

استفاض محللون كثر وبلغات كثيرة في تحليل هذه الأبعاد على مدار العقد الأخير على الأقل. ومع ذلك، فقد بقيت أبعاد أخرى مهمة للبرنامج النووي الإيراني لم يتم تناولها. ونقصد بذلك الأبعاد الاجتماعية للبرنامج النووي الإيراني، تلك المؤثرة بشدة في ذهنية المفاوض الإيراني، والتي تمثل جزءاً حساساً من فهم أهمية هذا الملف للإيرانيين العاديين وللمفاوضين ولصنّاع القرار على حد سواء.

أهمية البرنامج النووي الإيراني اجتماعيا

برغم أن الأبعاد الاجتماعية لا تظهر على السطح في المفاوضات النووية بين إيران والدول الست، إلا أن تأثيرها حاسم على سلوك المفاوض الإيراني في جنيف ولوزان وفيينا، وعلى العوامل الحاكمة لصنع القرار النووي في طهران. وتتجلى أهمية الأبعاد الاجتماعية للبرنامج النووي الإيراني في مفصل نفسي واجتماعي مهم، مفاده الرغبة في تثبيت صورة إيران في المنطقة والعالم باعتبارها «دولة حديثة»، تلك التي يؤمنها وجود البرنامج النووي.

وبرغم وجود التكنولوجيا النووية في مناطق مختلفة من العالم منذ سبعين عاماً تقريباً، إلا أن امتلاك برنامج نووي (سلمي أو غير سلمي) يعد إشارة لنوع من الحداثة ولدرجة من التقدم التكنولوجي لا تخطئهما العين، وهو بالتحديد ما تود إيران التأكيد عليه في الأذهان. الأكثر أهمية إيرانياً من العقوبات والخسائر الاقتصادية هو استمرار البرنامج النووي قائماً لتثبيت صورة إيران الدولة الحديثة والمالكة لتقدم تكنولوجي، وهو الركن الأول والركين للبعد الاجتماعي في البرنامج النووي الإيراني.

وتزداد أهمية البرنامج النووي في تثبيت هذه الصورة المذكورة، عند ملاحظة أن باقي فروع الاقتصاد الإيراني ليست متطورة بدرجة كافية مقارنة بدول أخرى في المنطقة مثل جارتها تركيا، وتترسخ تلك الأهمية عند ملاحظة قدرات إيران التنافسية في فرع «الاقتصاد الذكي»، مقارنة بغريمتها الإقليمية إسرائيل. كما أن الفوائض المالية الخليجية من البترودولار تجعل الأمر صعباً من الناحية الموضوعية على إيران، بعدد سكانها الذي يزيد عن السبعين مليوناً، للتنافس معها على مستويات استهلاك ومعيشة مرتفعة.

ولأن العقوبات الاقتصادية دمرت الكثير من قدرات إيران القائمة فعلاً والكامنة ـ حتى ولو جادل كثير من الإيرانيين بعكس ذلك لأغراض دعائية وسياسية - يأتي البرنامج النووي لينهض مثالاً على ذكاء وقدرات الشعب الإيراني؛ وبالتالي كمصدر للافتخار الوطني. وغني عن القول إن هذا الافتخار الوطني يؤمن مشروعية كبيرة للنظام، ويزيد من تلاحم الشعب الإيراني مع المشروع النووي، ويؤمن صورة متفردة لإيران في المنطقة ودول جوارها الجغرافي، برغم كل الخسائر الاقتصادية التي لحقت بإيران جراء هذا البرنامج. 

يجسد «التمييز الإيجابي» الركن الثاني في البعد الاجتماعي للبرنامج النووي الإيراني، إذ إن «التمييز الإيجابي» لمجتمع ما يعد أساساً في بعض الأحيان للتلاحم الاجتماعي لذلك المجتمع. ومن المفهوم أن تصطدم الرغبة في الوصول الى هذا التمييز الايجابي برغبات معاكسة لمجتمعات أخرى، ما يمكن أن يسبب سلوكاً صراعياً بين الأمة الراغبة في تأمين هذا «التمييز الاجتماعي» والأمم المجاورة، كما رأينا في سوابق تاريخية في مناطق أخرى من العالم.

في حالة إيران، كان إرثها الثقافي المتفرد مصدراً لتمييزها الإيجابي طيلة قرون خلت، ومثلت سياسات التأكيد على هذا التمييز الإيجابي قاسماً مشتركاً لأنظمة الحكم التي تعاقبت على إيران منذ الشاه رضا بهلوي، مرورا بابنه المخلوع محمد رضا وانتهاء بجمهورية إيران الإسلامية. ومنذ قيام برنامج إيران النووي، فقد ظهرت إلى الوجود أداة ممتازة إضافية للتأكيد على ذلك التمييز الإيجابي الذي يشعر به الإيرانيون تجاه أنفسهم، وتجاه جوارهم الجغرافي والعالم.

الركن الثالث في البعد الاجتماعي للبرنامج النووي الإيراني يمكن تشخيصه عند ملاحظة الخلفيات التاريخية الكامنة في العقل الجمعي الإيراني، حيث ينهض البرنامج النووي كرد اعتبار على «التدخلات الاميركية ضد الأمة الإيرانية» منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، كما يحب المفكرون الإيرانيون أن يتذكروا. بداية هذه التدخلات كانت إطاحة رئيس الوزراء الوطني الدكتور محمد مصدق العام 1953 وتثبيت الشاه في مكانه مرة أخرى، مروراً بمساعدة صدام حسين في حربه على إيران، وليس انتهاء بفرض العقوبات الاقتصادية على إيران منذ العام 1979.

وبغض النظر عن الثغرات الممكنة في هذه السردية، إلا أن البرنامج النووي الإيراني يمثل بوضوح قدرة النظام الإيراني الحالي على التحكم بمصير ومقدرات إيران «المستقلة»، في مواجهة ذكريات التدخل الأميركي التي جعلت من إيران «ضحية»، وفقاً لسردية إيرانية غالبة بين النخبة الإيرانية الإسلامية والقومية واليسارية. لذلك، فإحدى وظائف البرنامج النووي، وفقاً لهذه السردية الإيرانية الغالبة، تتجلى في الرمزية التي يؤمنها الوجود المجرد للبرنامج النووي: إيران تقــف على قدم المساواة مع الدول القائدة في النظام الدولي.

الخـــلاصـة

يمتلك البرنامج النووي ثقلا اجتماعيا خاصا للشعب الإيراني وللنخبة بمعناها الواسع وللنظام، ولذلك فقد كانت إيران مستعدة لدفع ثمن كبير تمثل في العقوبات الاقتصادية التي دمرت إلى حد غير قليل قدراتها الكامنة، وفي عزلة دولية غير مسبوقة، لقاء استمرار البرنامج النووي ووجوده على قيد الحياة.

ومن وجه ثان، يفسر ضمان الدول الست الكبرى لبقاء البرنامج النووي الإيراني بعد توقيع الاتفاق النهائي مرونة إيران في المــــفاوضات الجارية وتراجعها عن بعض خطــوطها الحمر، حتى وإن كان ذلك البـــقاء يأتي متقلـــصاً ورمزياً وبإجراءات تفتيش دولية غير مسبوقة في التاريخ. 

عليك أن تستدعي الأبعاد الاجتماعية للبرنامج النووي الإيراني إلى ذهنك عزيزي القارئ، وأنت تتابع التغطيات الإعلامية الموسعة لحدث التوقيع على الاتفاق النهائي بين إيران والدول الست الكبرى قريبا.