الخميس 10 أكتوبر 2019 07:02 م

"سباحة ضد التيار".. هكذا وصف العديد من مراقبي الشأن التركي العملية العسكرية التي أعلنها الرئيس "رجب طيب أردوغان"، الأربعاء، بعد توالي ردود الأفعال الدولية الرافضة لها، الخميس، بشكل حشر أنقرة في زاوية هجوم دبلوماسي غير مسبوق.

فبينما استدعت الخارجية الفرنسية السفير التركي لدى باريس في أحدث خطوة تعبر عن التنديد والرفض الواسعين لعملية "نبع السلام" التركية، عبر وزير الخارجية الألماني "هايكو ماس"، خلال محادثة هاتفية مع نظيره التركي "مولود جاويش أوغلو"، الخميس، عن مخاوف بلاده والاتحاد الأوروبي عامة من التداعيات السلبية المحتملة للعملية، التي "قد تصل إلى حد استعادة تنظيم الدولة الإسلامية قوته في المنطقة" على حد تعبيره، وفقا لما نقلته رويترز.

كما جدد وزير الخارجية الإيطالي "لويجي دي مايو" تنديد بلاده بالعملية التركية، وطالب أنقرة بوقف إطلاق النار فورا، مشيرا إلى أنه "من غير المقبول استخدام القوة والمخاطرة بحياة الموطنين السوريين".

 

سماح أمريكي

 

وبدا أن الموقف التركي في إعلان إطلاق العملية يستند بالأساس على موقف كلا من الولايات المتحدة وروسيا، حيث أبدت كلا منهما اتفاقا نادرا في قضية تتعلق بالشأن السوري.

ومع إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" سحب ما تبقّى من القوات الأمريكية في سوريا، وتفهّم الكرملين للدواعي الأمنية التركية الدافعة لعملية "نبع السلام"، قررت أنقرة المضي قدما رغم الكلفة الدبلوماسية الباهظة.

فقرار الانسحاب من سوريا ينسجم مع توجهات "ترامب"، الذي يريد توظيفه في حملته الانتخابية لتجديد رئاسته، خاصة أنه سبق أن أعلن سحب القوات الأمريكية ثم تراجع في أكثر من مناسبة تحت ضغط بعض أركان إدارته ومؤسساتها.

ويؤشر ذلك إلى أن "أردوغان" يعتمد بالأساس على ذلك الصدع الماثل في الإدارة الأمريكية بشأن التعامل مع الموقف في سوريا، وهو صدع مرهون بقدرة أنقرة على حسم المعركة عسكريا في شمالي سوريا وفرض الأمر الواقع الذي تريده بأسرع وقت، وإلا فإن تراجعا جديدا لـ "ترامب" يبدو جاهزا، خاصة في ظل وصفه للعملية التركية بأنها "فكرة سيئة".

من هنا يُفهم تهديد "ترامب" بتدمير اقتصاد تركيا إذا "تجاوزت الحدود"، التي يبدو أنه اتفق عليها مع "أردوغان" في اتصالهما الهاتفي الأخير.

وإزاء ذلك، ستكون أي عملية عسكرية تركية محدودة، على الأرجح، بحدود المنطقة الآمنة التي تريد تركيا ضمانها بالشمال السوري، وفقا لما أورده موقع "العربي الجديد" نقلا عن الباحث السياسي السوري "عمر كوش".

لكن ثمة خلافا سابقا بين أنقرة وواشنطن حول نطاق هذه المنطقة، لم يتم حله، إذ ترى تركيا ضرورة شمولها لعمق 30 كم، أعلنت واشنطن أن تصورها هو الاكتفاء بـ 5 كيلومترات فقط.

وعلى أساس التصور الأمريكي سير الجيشان التركي والأمريكي دوريات مشتركة بمنطقة شرق  الفرات على الحدود السورية التركية، وهو تحد آخر يواجهه المدى الزمني للعملية العسكرية التركية.

 

تأييد روسي

أما روسيا، فلم تتردد في دعم وتشجيع تركيا على القيام بالعملية بهدف إضعاف النفوذ الأمريكي في سوريا من جانب، ولزيادة حدة الخلافات الأمريكية – التركية حول قضايا عدة (بينها استيراد أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400)، من جانب آخر.

فمن شأن تأييد موسكو لنبع السلام ضمان المزيد من التقرّب التركي نحو موسكو، بما يصب في صالح الاستراتيجية الروسية الكلية في سوريا والشرق الأوسط.

وفي المقابل، فإن تركيا، بحكم موقعها الجغرافي، هي المستفيد الأكبر من التنافس الروسي – الأمريكي، إذ يتيح لها هذا الموقع توظيف الخلافات السياسية بين موسكو وواشنطن بفرض نفسها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه في أية مشروع سياسي يخص المنطقة.

وفي هذا الإطار، شدّد وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف"، على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (28 سبتمبر/أيلول الماضي)، على أن تركيا مُحقة جدًا في المطالبة بـ"المنطقة الآمنة" في الشمال السوري؛ "لأنها تواجه مشاكل بسبب الإرهابيين الذين يتسللون من المنطقة الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة" حسب قوله.

وفي السياق، قال مندوب روسيا الأممي، الخميس، إن "نبع السلام" نتيجة عملية "هندسة ديموغرافية" قام بها بعض شركاء التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وقد حذرناهم لفترة طويلة بشأن عدم القيام بذلك، في إشارة إلى اتجاه الميليشيات الكردية لتأسيس مشروع روجافا، فما هو هذا المشروع؟

 

حلم روجافا

يعود اسم المشروع إلى "روج آفا" وهو الترجمة الحرفية لمصطلح "غرب كردستان"، الذي يعبر عن مناطق يعتبرها القوميون الأكراد جزءا من مشروع كيان كردي في سوريا على غرار نموذج إقليم كردستان في الشمال العراقي، على أن يكون كلاهما جزءا من مشروع كردستان الكبر، الذي يضم غربه جزء من سوريا وشرقه جزء من إيران، وشماله جزء من تركيا، وجنوبه كردستان العراق القائم فعليا.

ويتألف روجافا من 3 مناطق رئيسية هي: عفرين وعين العرب (كوباني) والجزيرة السورية (شرق الفرات)، حيث تسكن هذه المنطقة مكونات من العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان.

أما المدن الرئيسة التي تقع في المشروع الكردي من الشرق إلى الغرب فهي: ديرك، كركي لكي "معبدة"، ورميلان، وجل آغا "جوادية"، وتربه سبيه "قحطانية"، وقامشلو "القامشلي"، وعامودا، والدرباسية، وسريه كانيه "رأس العين"، وكري سبي "تل أبيض"، وكوباني "عين العرب"، وعفرين.

وكما هو ملحوظ من أسماء المدن، فإن الكثير منها يحمل أسماء عربية بالأصل، وينازع القوميون الأكراد في ضمها لروجافا باعتبارها مناطق خالصة للأكراد.

ولذا تعتبر الدولة التركية وجود مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، في الشمال السوري التهديد الأول لأمنها القومي، وأطلقت "نبع السلام" بهدف القضاء على أي إمكانية لتطبيق مشروع روجافا على الأرض، خاصة في ظل عمليات الهندسة الديمغرافية التي أجبرت الميليشيات الكردية كثيرا من السكان العرب والتركمان وغيرهم عليها، حسبما أكدت موسكو.

وكان مقاتلو الوحدات الكردية قد تمكنوا، عام 2014، وبدعم أمريكي، من السيطرة على مناطق شرق الفرات وأجزاء من غربي النهر، تحت غطاء "قوات سوريا الديمقراطية" ، فيما لا يزال نظام "بشار الأسد" محتفظا بمربعين أمنيين في مدينتَي القامشلي والحسكة، وأجزاء من ريف المحافظة.

ويصف العديد من المحللين منطقة شرق الفرات بـ "سوريا المفيدة"؛ لاحتوائها على الثروات المائية والزراعية، إضافة إلى حقول النفط والغاز الطبيعي، وهو ما جعل الولايات المتحدة تضع يدها عليها خلال الفترة الماضية، علاوة على موقعها الاستراتيجي الذي يمكّن واشنطن من التمركز وسط منطقة الشرق الأوسط، قريبا من دوله الرئيسية: تركيا والعراق وإيران والخليج العربي.

مأزق دبلوماسي

لكن وضع تركيا الدبلوماسي الحالي يبدو بالغ الصعوبة، في ظل عدم صدور أي تأييد لـ "نبع السلام" سوى من قطر، وعدم ضمان استمرار التصدّع الحاصل في إدارة "ترامب" بشأن إعطاء ضوء أخضر ضمني للعملية.

ويضاعف من صعوبة الموقف التركي انزعاج الأوربيين الشديد من مصير مقاتلي تنظيم الدولة الأوروبيين، الذين سبق أن اعتقلتهم القوات الأمريكية المنسحبة من الشمال السوري، إذ يرفض "ترامب" نقلهم إلى الولايات المتحدة أو تحمل كلفة استمرارهم على ذمة الجيش الأمريكي، كما ترفض دول الاتحاد الأوروبي عودتهم إليها.

فمن يبلغ هدفه أولا؟ تركيا أم منتقدوها؟ الأيام القليلة المقبلة حبلى بالإجابة.

المصدر | الخليج الجديد