الخميس 9 يوليو 2015 01:07 ص

تقترب المفاوضات النووية بين إيران والدول الست الكبرى حثيثاً من النجاح، أكثر ربما من أي وقت مضى.

ويمكن إرجاع هذا التقدم إلى المرونة التي تحلت بها الأطراف المتفاوضة ومحاولتها التوصل إلى حلول وسط. على ذلك لم يعد مستبعدا أن يتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق نهائي قريباً، لأن الجسم الأساسي للاتفاق أصبح منجزاً. 

بالتوازي مع ذلك، ظهرت عقبة تفاوضية أخرى، خلال اليومين الماضيين، قد تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي قريباً. وتتمثل هذه العقبة في اعتراض طهران، وتساندها روسيا، على عدم رفع العقوبات المتعلقة بتسليح إيران بمجرد التوصل إلى اتفاق نهائي. تحاول هذه السطور تسليط الضوء على المعنى الكامن وراء الموقف الروسي، ومن ثم تحليل حسابات موسكو المعقدة في الملف النووي الإيراني، والمفاوضات الجارية الآن.

روســيا وتسـليـح إيران

أوضح وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» أن هذه القضية تشكل «مشكلة رئيسية» في المفاوضات الدائرة الآن، ومرد ذلك أن كل الأطراف السبعة المتفاوضة (إيران والدول الست الكبرى) تسعى لتحقيق مصالحها الوطنية من خلال هذه المفاوضات.

كما أن روسيا هي المورد الأساسي للسلاح إلى إيران، عدا الصواريخ البالستية، لأن امتلاك إيران لها يمكن أن يطال الأراضي الروسية نفسها. لذلك عمدت روسيا إلى تسليح إيران بكل أنواع الأسلحة عدا تلك الصواريخ، ما جعل إيران تتجه بالأساس إلى الصين وكوريا الشمالية للحصول على تكنولوجيا الصواريخ. وربما تعد ترسانة الصواريخ الإيرانية الرادع الأول في مجموعة روادعها العسكرية، في مواجهة سلاح الجو المتطور الذي يملكه جيرانها في الخليج وتركيا.

وبالرغم من أن روسيا اتخذت موقفاً «مسهلاً» في المفاوضات النووية، يعد الإبقاء على هذا النوع من العقوبات ضاراً بالمصالح الروسية. ويعتبر الروس أنه أمر غير عادل أن تحصل فرنسا، التي اتخذت موقفاً «متشدداً» في المفاوضات وعينها على مصالحها الاقتصادية في تل أبيب والرياض، على نصيب من كعكة إيران الاقتصادية عبر رفع العقوبات الاقتصادية على صناعة السيارات الإيرانية، وضمنها حصة شركة «بيجو» الفرنسية، في حين أن «راسبورون إكسبورت» الروسية للتصنيع العسكري ستبقى محرومة من حصة في إيران.

روسيا بين حدين أقصيين

تتخطى الحسابات الروسية في الملف النووي الإيراني مسألة المكاسب التجارية المتحققة من بيع السلاح الروسي إلى إيران، لتطال مسائل جيو ـ سياسية كبرى، وأخرى تتعلق بالصراع مع واشنطن، وحسابات موسكو الإقليمية في الشرق الأوسط واعتباراتها حول الشكل الأمثل لسوق الطاقة العالمية والأوروبية.

لذلك الغرض لم تكن روسيا مجرد مفاوض ضمن ستة أطراف فحسب، بل إنها بموجب ـ جوهر العملية التفاوضية ـ ضامنة تنفيذ الاتفاق النهائي وجزءاً لا يتجزأ منه، لأن الوقود الإيراني المخصب سيذهب إلى روسيا وليس غيرها، كضمان لتحقق الغرب من سلمية البرنامج النووي.

تكمن مصلحة روسيا الإستراتيجية بين حدين متناقضين، الحد الأول يتمثل في الحيلولة دون تدهور التوتر بين واشنطن وطهران إلى درجة المواجهة العسكرية، لأن إيران هي حليف روسيا الأساسي في الخليج والمشرق العربي. ولكن وفي الوقت نفسه ـ وهنا الحد الثاني ـ الحيلولة دون تحسن العلاقات الإيرانية ـ الأميركية إلى حد التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وطهران، كما كان الحال في عصر الشاه المخلوع، فتخسر روسيا مصالحها في إيران لمصلحة واشنطن.

ومن المعلوم أن قيام تحالف أميركي ـ إيراني سيغلق طريق روسيا إلى المياه الدافئة عبر الخليج ـ كما حدث في ما يطلق عليه «اللعبة الكبرى» بين بريطانيا وروسيا القيصرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن بعدها بين أميركا والاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة ـ ، وهي حسابات روسية انطلاقية في السياق الجيو ـ سياسي العالمي.

حسابات روسيا الإيرانية
بين الحدين الأقصيين: العمل العسكري ضد إيران والتحالف الاستراتيجي الأميركي مع إيران، تفضل روسيا استمرار التوتر الإيراني ـ الأميركي، لكن من دون الوصول إلى أي من الحدين الأقصيين الضارين بمصالحها. وفي هذا السياق تظهر خمسة اعتبارات حاكمة لحسابات روسيا الإيرانية بين هذين الحدين.

يتمثل السبب الأول في حرف انتباه واشنطن عن حديقة موسكو الخلفية: أوكرانيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، لأن استمرار التوتر الإيراني ـ الأميركي سيشتت جهود واشنطن على عدة جبهات وملفات.

أما السبب الثاني، فيظهر مع إمكانات الضغط التي يؤمنها التوتر الإيراني ـ الأميركي لروسيا، كي تقايض واشنطن وتناور عليها في الشرق الأوسط، على الأقل عبر عرض «وساطات» مختلفة في أزمات المنطقة، لتعزيز مكانة روسيا الدولية باعتبارها قوة عظمى لها حصة في التسويات المرتقبة للمنطقة، وكل ذلك بتكاليف سياسية زهيدة للغاية. 

يعود السبب الثالث إلى عدم رغبة روسيا في رؤية إيران منافساً لها في أسواق الطاقة العالمية، وخصوصاً في سوق الغاز الطبيعي (روسيا الأول عالمياً وإيران الثاني من حيث الاحتياطي). 

ومن المعلوم أن الضغط الروسي على أوروبا بالغاز الطبيعي يشكل الورقة الروسية الأهم لتشكيل سياسة موسكو مع أوروبا. ومن شأن رفع العقوبات الاقتصادية على إيران، ومد خطوط أنابيب إلى تركيا ومنها إلى أوروبا بمساعدة أميركية، أن تحرر رقبة أوروبا من قبضة روسيا الغازية.

في السنوات السابقة استغلت روسيا ضعف موارد الطاقة في شمال إيران، فأوعزت إلى تركمانستان بتصدير الغاز الطبيعي إلى إيران لتوزيعه على مدن الشمال الإيراني المحتاجة إليه بشدة، وفي المقابل تأخذ تركمانستان غاز إيران على البحار المفتوحة في الخليج جاهز للتصدير إلى العالم.

بهذه الطريقة حلت إيران مشكلتها البنيوية في توزيع الطاقة داخل حدودها مؤقتاً، والأهم تحت الرعاية الروسية.

لذلك سيعني رفع الحظر عن الأرصدة الإيرانية المجمدة أن تحصل طهران على موارد مالية ضخمة، ما يعزز قدراتها على توصيل الغاز الطبيعي الإيراني من حقوله في جنوب إيران والخليج إلى شمال البلاد، من دون الحاجة لتفاهمات مع تركمانستان ومن ورائها روسيا. هنا ستطير ورقة مهمة من أوراق الضغط الروسي على إيران، وتجعل موسكو معرضة لفقدان سوق الغاز الطبيعي الأوروبي، إذا مدت إيران أنابيب نقل الغاز بعد ذلك من الشمال الإيراني إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.

وتشكل مروحة من المنافع الإقليمية التي تؤمنها العلاقات الروسية ـ الإيرانية السبب الرابع في حسابات موسكو الإيرانية، لأن تحسن العلاقات الإيرانية ـ الأميركية سيؤثر على هذه المنافع. تركز إيران على الخليج والمشرق العربي في سياساتها الإقليمية لمواجهة حلفاء واشنطن فيهما، ومن شأن تحسن علاقات واشنطن وطهران أن تعيد طهران النظر في تقييمها لمحاور الأولوية في المناطق الجغرافية المتعددة التي تطل عليها.

حتى الآن كانت إيران أكثر من نافعة لموسكو على عدة محاور إقليمية: محور أذربيجان وتركيا وأميركا في القوقاز عبر تحالف موسكو وطهران مع أرمينيا، ومحور دول آسيا الوسطى عبر قبول إيران بدور المسهل لمصالح روسيا فيه على حساب تحالفات طهران هناك، كما حدث في طاجيكستان.

قد يبدو السبب الخامس مفاجئاً، لكن إيران تشكل واحدة من ركيزتين لسياسات موسكو الشرق أوسطية، والأخرى هي إسرائيل، إذ تتحدر نسبة تقارب خمس الإسرائيليين من أصول روسية. ومن شأن علاقة روسيا بالطرفين أن تستطيع دوماً اجتراح تسويات ومبادرات سلام لقضايا مختلفة في الشرق الأوسط، وهو أمر مهم لصورة روسيا وقدراتها على مواجهة تصورات واشنطن للمنطقة والتوازنات الأمثل فيها من وجهة نظر الولايات المتحدة.

الخـــلاصــة

تقنياً، لا تخشى روسيا من الاتفاق النووي في حد ذاته، فهي تعلم أن الاتفاق لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، سيما وأن موسكو ذاتها هي ضامنة الاتفاق. إنما تخشى روسيا من التداعيات الجيو ـ سياسية للاتفاق وتأثيره على علاقاتها مع طهران في مقابل علاقات الأخيرة مع واشنطن. لذلك تساير روسيا المفاوضات لتحجز مكاناً يضمن لها الحد الأدنى من مصالحها في إيران، وفي الوقت نفسه الحيلولة دون تدحرج الأمور إلى أي من الحدين الأقصيين الضارين مباشرة بحسابات روسيا الإيرانية!

لا ينبغي التركيز فقط على ابتسامة «لافروف» العريضة أمام الكاميرات في فيينا، ففي ذهنه ربما تدور حسابات كالواردة أعلاه.