الخميس 12 ديسمبر 2019 05:57 م

قال منتجون وفنانون مصريون لـ"رويترز"، إنهم يتعرضون لتضييق شديد من قبل السلطات الأمنية، ورقابة صارمة تديرها أجهزة سيادية؛ للتحكم في محتوى الأعمال السينمائية والتليفزيونية. 

وتصر لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، ألا تتناول المسلسلات التليفزيونية السياسة ضمن موضوعاتها، كما يتعين تقديم رجال الشرطة وأي شخصيات أخرى تمثل السلطات في صورة إيجابية.

وقال أحد مؤسسي شركة "العدل جروب" (أحد أكبر شركات الإنتاج في مصر والعالم العربي)، "جمال العدل"، إنه كان يظن أن بوسعه تسيير الأمور بالابتعاد عن أكبر القضايا الممنوع تناولها، لكنه عدل رأيه عندما سمع أن الشرطة داهمت موقع تصوير فيلم ينتجه أحد منافسيه العام الماضي، وذلك لعدم الحصول على تصريح ضروري.

وأضاف "العدل" أنه أوقف على الفور العمل في مسلسلين تلفزيونيين كان يصورهما خوفا من أي مشاكل قد يواجهها لعدم حصوله على تصريح.

وتابع: "أنا حسيت (أحسست) إن ده مناخ ما أقدرش (لا أستطيع) اشتغل فيه. أنا مش باعمل حاجة غلط (لا أقوم بأي خطأ)"، لافتا إلى أن الإنتاج الفني أصبح يمثل وجهة نظر واحدة، ورؤية واحدة، في إشارة إلى وجهة النظر الرسمية فقط.

واستطرد: "السلطات الآن هي التي تحدد من يعمل في الإنتاج الفني ومن لا يعمل".

أشد صرامة

ووفق شهادات أوردتها "رويترز"، انتقد عدد من القائمين على إنتاج أعمال تلفزيونية ومسؤولون تنفيذيون في القطاعات الإخبارية، فرض حكومة الرئيس "عبدالفتاح السيسي" رقابة أشد صرامة من وسائل الرقابة في عهد "حسني مبارك" الذي حكم مصر بقبضة قوية إلى أن أطاحت به ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

من هذه الوسائل حجب تصاريح التصوير، وإعداد قائمة بالموضوعات المحظور تناولها في المسلسلات يتعين على القائمين على العمل الموافقة عليها. 

كما أنشأت الحكومة مجموعتين على تطبيق "واتسآب" لتوجيه تعليمات بما تنشره وسائل الإعلام الإخبارية وعينت رقباء في القنوات التلفزيونية للإشراف على ما يذاع.

وقالت أكثر من عشرة مصادر في صناعة التليفزيون وفي الحكومة، إن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة للمخابرات المصرية، سيطرت على منافذ إخبارية وشركات للإنتاج التليفزيوني وقنوات تليفزيونية، لا يقل عددها حتى الآن عن 14، الأمر الذي أتاح لها سيطرة لا مثيل لها على توقيتات بث الأعمال التليفزيونية.

وتوصلت "رويترز" إلى أن لاثنين من أعضاء مجلس إدارة الشركة، صلات بجهاز المخابرات العامة المصري، أحدهم يدعى "ياسر سليم"، كما كان مدير المخابرات (عباس كامل) يرأس في السابق إحدى الوحدات التابعة للشركة.

العزل أو التهميش

ويقول ممثلون ممن ينتقدون الحكومة المصرية إنهم يخشون القبض عليهم. ويقول العاملون في إنتاج المسلسلات إن أعمالهم الفنية أصبحت باهتة مثل المسلسلات المبتذلة التافهة. وأصبح العزل أو التهميش مصير مضيفي البرامج الحوارية التليفزيونية الذين لا يتبعون النهج الحكومي.

وقال المخرج السينمائي "خالد يوسف"، عضو مجلس النواب المصري، إن "الحكومة بدأت تتدخل في المحتوى الدرامي نفسه ودفعت شركات الإنتاج الخاصة إلى التوقف عن العمل لفرض سيطرتها".

وأضاف:"هما مش عايزين حد يفكر".

وقال مخرج آخر للأعمال السينمائية والتليفزيونية، إنه اضطر لتوقيع وثيقة يتعهد فيها بعدم إدراج أي مشاهد في أعماله تنطوي على إساءة للشرطة.

وقيل له إنه إذا كان يصور مشهدا فيه تبادل لإطلاق النار فيجب ألا يموت ضباط الشرطة فيه لأن ذلك سيؤثر سلبا على معنويات رجال الشرطة. وامتثل المخرج للأمر.

وقال رئيس تحرير إحدى الصحف الكبرى، إن الناشرين في عهد "مبارك" لم يواجهوا ترهيبا إلا إذا تناولت المقالات ضباط المخابرات أو الجيش. 

وأضاف أن "لمدير المخابرات العامة عباس كامل وضباطه سيطرة محكمة ومباشرة على ما تنشره وسائل الإعلام"، لافتا إلى إطلاق الصحفيين عليهم وصف "رئيس تحرير مصر".

تعليمات "واتسآب"

ووفق "رويترز"، فقد أنشأت الأجهزة الأمنية مجموعتين على تطبيق "واتسآب" لنقل التعليمات إلى المؤسسات الإخبارية عن كيفية تغطية الأحداث، وتسمى إحداهما "رؤساء التحرير" ويديرها جهاز المخابرات العامة. أما المجموعة الثانية فتديرها وزارة الداخلية.

وجاء في رسالة على واتسآب: "رجاء عدم نشر أي تقارير إخبارية عن محمد علي"، المقاول الذي كشف وقائع فساد بمؤسستي الرئاسة والجيش المصري.

وقال عاملون بقناة "دي.إم.سي التليفزيونية التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، إن رؤساء التحرير يحتاجون ضوءا أخضر من ضباط مخابرات يرتدون ملابس مدنية موجودين على الدوام في استوديوهات القناة وذلك قبل إذاعة أي برامج إخبارية أو رياضية أو ترفيهية.

وأضاف موظف سابق بالقناة: "الشبكة يديرها ضباط المخابرات فعليا إذ يحضرون كل الاجتماعات التنفيذية.

وتمت بعض التعيينات في مناصب كبرى بالقناة بقرارات من "عباس كامل" مدير جهاز المخابرات العامة وهو أيضا الذي حدد مرتبات من شغلوا تلك المناصب".

وقال منتج ما زال يعمل في القناة، إن ضابط المخابرات يجلس في بعض الأحيان في غرفة التحكم لمعرفة ما يدور في القناة.

وعلق الممثل المصري "عمرو واكد" على اضمحلال صناعة الترفيه في مصر، بالقول: "كأن المسلسلات كتبها ضابط شرطة".

وفي عام 2017، أسس "السيسي" المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للإشراف على كل المنافذ الإخبارية والترفيهية، وتم تكليف لجنة الدراما بالمجلس بمراقبة جميع المسلسلات المعروضة في التلفزيون المصري. 
 

المصدر | الخليج الجديد + رويترز